الفُروق الدَقيقَة بَين جذور السَعَة وَالاستيعاب في القُرءان الكَريم
ثَلاثَة جذور تَتَوَزَّع حَقل السَعَة في القُرءان، ولا يَجتَمِع مِنها اثنان في آيَة واحِدَة قَطّ — قانون بِنيَويّ يَكشِف عَن تَخَصُّص كُلّ جَذر بِزاويَة لا يَسُدُّها سِواه.
«وسع» (32 مَوضِعًا) هو الجَذر الأَوسَع في الحَقل، يُؤَطِّر السَعَة المُطلَقَة في وُجوهها الثَلاث: السَعَة الكَونيَّة (وَسِعَ كُرسِيُّه السَماوات والأَرض)، والسَعَة الأَخلاقيَّة الإِلَهيَّة (رَحمَتي وَسِعَت كُلَّ شَيء، عِلمًا وَسِعَ كُلَّ شَيء)، والسَعَة كَحَدٍّ لِالتَكليف (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلّا وُسعَها).
فَهو يَجمَع البُعد المَكانيّ والمَعنويّ في صيغَة واحِدَة، ويَكاد يَكون صِفَةً إلَهيَّةً («الواسِع» اسم من أَسمائه).
«فسح» (3 مَواضِع في آيَة واحِدَة فَقَط: المُجادَلَة 11) فِعل سُلوكيّ مُحَدَّد: إِفساح المَكان في المَجلِس بَعد ضيق، تَوسيع مَوضِعيّ في مَوقِف مُعَيَّن.
لا يَأتي إلّا في سياق المَجالِس، ولا يَنطَلِق إلى المُجَرَّد.
والاقتِران الفَريد «تَفَسَّحوا فَيَفسَح اللهُ» يُرَتِّب جَزاءً إلَهيًّا على فِعل اجتِماعيّ صَغير: مَن وَسَّعَ لِأَخيه في مَوقِف، وَسَّعَ اللهُ له في الجَزاء.
«رحب» (4 مَواضِع) سَعَة شُعوريَّة-مَكانيَّة: ضِيق الأَرض بِما رَحُبَت (التَوبَة 118)، التَوبَة 25 يَوم حُنَين، ولا مَرحَبًا بِهِم (ص 59-60).
الجَذر يَكشِف عَن سَعَة لا تُسعِف صاحِبَها حِين يَضيق صَدرُه — الأَرض بِسَعَتها لا تُغني عَن سَعَة النَفس.
التَدَرُّج البِنيَويّ: وسع (السَعَة كَصِفَة وُجود) ← فسح (السَعَة كَفِعل سُلوكيّ) ← رحب (السَعَة كَحالَة شُعوريَّة-مَكانيَّة).
والاقتِرانات السِتّ الآتيَة تَكشِف كَيف يَختار القُرءان كُلّ جَذر بِدِقَّة لا تَقبَل الإِبدال — مَع إِبراز أَنّ الحَقل لا يَشهَد أَيّ اقتِران بِنيَويّ بَين جذورِه في آيَة واحِدَة، وهذا في نَفسه قانون دلاليّ.
الجذور الدَلاليَّة في الحَقل
اضغط أيّ جَذر لِعَرض تَحليله الكامِل: الجَوهَر · المُمَيِّز · مَدى الاستِخدام · شَواهِد جَوهَريَّة · اختبار الاستِبدال.
قُدرَةُ المَوصوفِ على استيعابِ غَيرِه عِلمًا ورَحمَةً ومَكانًا ومالًا
الجَوهَر
«وسع» في القرءان قُدرَةُ المَوصوفِ على استيعابِ غَيرِه. يَجيءُ وَصفًا ذاتِيًّا لله مَقروناً بِالعِلم سَبعَ مَرَّاتٍ بِبِنية «ٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ»، ويَمتَدُّ إلى سَعَةِ الكُرسيِّ والعِلم والرَّحمَةِ والمَغفِرَة، ثُمَّ إلى سَعَةِ التَّكليفِ رافِعَةً لِلحَرَج، وسَعَةِ الرِّزقِ والأَرضِ والسَّماء.
المُمَيِّز
«وسع» قُدرَةُ المَوصوفِ على استيعابِ غَيرِه (واسِعٌ ومُستَوعَبٌ وامتِدادٌ بَينَهما)، وهو الجِذرُ الوَحيدُ الذي يُسنَدُ لله ذاتيًّا في هذا الحَقل. «فسح» تَفريغُ مَكانٍ مُحَدَّدٍ بَين قاعِدين («تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ») — فِعلٌ ظَرفيٌّ مُتَبادَل. «رحب» سَعَةٌ مَكانيَّةٌ حِسِّيَّةٌ خالِصَةٌ في الأَرض («ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ»). فَ«وسع» يَجمَعُ الحِسِّيَّ والمَعنَويَّ والذاتيَّ، و«رحب» حِسِّيٌّ مَحض، و«فسح» إجراءٌ سُلوكيّ.
مَدى الاستِخدام
اثنانِ وَثَلاثون مَوضِعًا في تِسعٍ وَعِشرين آيةً فَريدَة، تَنتَظِمُ على خَمسة مَسارات: (1) وَصفُ الله بِالسَّعَةِ مَقروناً بِالعِلم (7 مَواضِع بِبِنية «وَٰسِعٌ عَلِيمٌ») (2) سَعَةُ العِلم والرَّحمَةِ والمَغفِرَة (3) سَعَةُ التَّكليف «إِلَّا وُسۡعَهَا» (5 مَواضِع) (4) سَعَةُ الرِّزقِ والمال (5) سَعَةُ الأَرضِ والسَّماء. «وَٰسِعٌ» نَكِرَةً مَرفوعَةً لا يَجيءُ إلَّا في وَصف الله.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾
﴿۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ﴾
اختبار الاستِبدال
لَو وُضِعَ «رَحُبَ» مَوضِعَ «وَسِعَ» في البَقَرَة 255 — أي «رَحُبَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ» — لَفَسَدَ المَعنى: «رحب» سَعَةٌ مَكانيَّةٌ في ذاتِ المَوصوف لا فِعلُ استيعاب، فَلا يَتَعَدَّى إلى مَفعول. ولَو وُضِعَ «فَسَحَ» — لَكانَ المَعنى تَفريغَ مَكانٍ بَين قاعِدين، وهو إجراءٌ سُلوكيٌّ لا يَليقُ بِالكُرسيِّ. كَذلِك في النِّسَاء 97 ﴿أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ﴾ لَو قيلَ «رَحبَة» لَجازَ في الحِسِّ لكن سَقَطَ البُعدُ الاستيعابيُّ لِلمُهاجِر — الأَرضُ تَستَوعِبُه عِلمًا ورِزقًا ومَكانًا، لا مَكانًا فَقَط.
إِحداث السَعَة في المَجالِس امتِثالًا لِلأَمر
الجَوهَر
الجَذر مَحصور في آيَة واحِدَة بِثَلاث صِيَغ: طَلَب التَفَسُّح، أَمر بِالفَسح، وجَزاء من الله بِالفَسح. المَعنى كُلُّه يَدور عَلى إِحداث سَعَة في مَوضِع الاجتِماع عِند الطَلَب، ثُمَّ مُقابَلَة ذلك بِسَعَة من الله.
المُمَيِّز
فسح أَخَصّ من وسع: وسع سَعَة عامَّة (عِلم، رَحمَة، أَرض، رِزق)، أَمّا فسح فَفِعل إِفساح مَوضِعيّ في المَجالِس استِجابَةً لِلأَمر. ويَختَلِف عَن رحب الذي يُفيد سَعَة المَكان نَفسه ابتِداءً (مَرحَبًا، رَحُبَت). فسح حَرَكَة إِتاحَة من الجالِسين، لا صِفَة لِلمَكان.
مَدى الاستِخدام
مَحصور في المُجادَلَة 11 فَقَط، بِثَلاث صِيَغ مُتَتالِيَة في آيَة واحِدَة. لا يَتَفَرَّع الجَذر إِلى مَعانٍ أُخرى في القُرءان.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال «فسح» بِـ«وسع» أَو «رحب» في المُجادَلَة 11: «تَوَسَّعوا في المَجالِس» تَنقُل المَعنى إِلى السَعَة العامَّة لا إِتاحَة المَوضِع، و«رَحِّبوا» تَنقُله إِلى التَحيَّة لا إِفساح المَكان. الفِعل المَطلوب فِعل مَوضِعيّ من الجالِسين، وهو ما يَنفَرِد بِه فسح.
السَعَة المَكانيَّة الأُفُقيَّة وإفساح الفَضاء لِلقادِم
الجَوهَر
رحب يَدُلّ في القُرءان عَلى الاتِّساع والانبِساط المَكانيّ الفِعليّ؛ فالأَرض رَحُبَت أَي اتَّسَعَت وامتَدَّت، والتَرحيب إيجاد هذه السَعة لِلقادِم وإفساح المَجال له. الجَذر لا يَحمِل دلالَة العَطاء المادّيّ، بَل سَعة المَكان وقَبوله.
المُمَيِّز
رحب يَختَصّ بِالانبِساط الأُفُقيّ لِسَطح الأَرض القابِل لِالسَير فيه، ومنه اشتُقَّ التَرحيب كَإيجاد فُسحة لِالقادِم. وسع أَشمَل وأَعَمّ (وَسِعَ كُرسِيُّه السَماوات والأَرض)، وفسح أَقرَب إلى الإفساح في السياقات المَعنويَّة والمَجالِس. رحب وَحدَه يَجمَع السَعة الفَضائيَّة الأَرضيَّة وتَحيَّة القَبول.
مَدى الاستِخدام
4 مَواضِع فَقَط بِصيغَتَين: رَحُبَت (فعل ماضٍ لِسَعة الأَرض) ومَرحَبًا (صيغَة تَرحيب أَو نَفيه). يَدور حَولَ مِحوَرَين: مُفارَقَة ضيق الأَرض بِما رَحُبَت، وتَحيَّة القَبول/الرَفض في عَذاب أَهل النار.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ﴾
﴿وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾
﴿هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال رَحُبَت بِوَسِعَت أَو فَسُحَت في التوبَة 25 و118؛ فالرَحابَة هُنا انبِساط أُفُقيّ لِسَطح الأَرض في مُقابَلَة الضيق النَفسيّ، وهي مُفارَقَة بَلاغيَّة تَقوم عَلى الصيغَة بِالذات. وكَذلِك مَرحَبًا في صٓ 59-60 صيغَة تَحيَّة لا تَقبَل بَديلًا من وسع أَو فسح.
اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة — حَيث تَجتَمِع الجذور
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾
الآيَة المَركَزيَّة لِجَذر «وسع» في بُعده الكَونيّ. «وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ» يُؤَسِّس سَعَةً تَستَوعِب مَجموع المَخلوقات الكُبرى دون أَن يَؤودَ الحافِظ حِفظُها. لَو وُضِع «فَسَحَ كُرسِيُّه السَماوات» لَدَلَّ على فِعل تَوسيع مَوضِعيّ بَعد ضيق سابِق — وهذا يَكسِر صِفَة الكُرسيّ الذي يَسَع ابتِداءً لا يَتَّسِع بِفِعل. ولَو وُضِع «رَحُبَ كُرسِيُّه» لَدَلَّ على سَعَة وَصفيَّة مُجَرَّدَة دون استيعاب فِعليّ لِالسَماوات والأَرض — والمَطلوب فِعل الاستيعاب لا مَحض الصِفَة. «وسع» وَحدَه يَجمَع: السَعَة الذاتيَّة + الاستيعاب الفِعليّ + عَدَم الإِجهاد بِالحِفظ. البِنيَة هنا تُؤَسِّس قانونًا: حَيث يَكون الفاعِل إلَهيًّا والمَفعول كَونيًّا شامِلًا، لا يَصلُح إلّا «وسع».
﴿۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ﴾
تَكشِف بُعدًا ثانيًا لِجَذر «وسع»: السَعَة الأَخلاقيَّة-المَعنويَّة. «رَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ» لا تَتَحَدَّث عَن سَعَة مَكان بَل عَن سَعَة صِفَة إلَهيَّة تَستَوعِب كُلّ مَخلوق ابتِداءً. لَو وُضِع «رَحۡمَتي رَحُبَت كُلَّ شَيءٍ» لَدَلَّ على سَعَة وَصفيَّة في الرَحمَة دون فِعل استيعاب لِالمَفعول، وهذا يُضعِف العَلاقَة بَين الرَحمَة وكُلّ شَيء. ولَو وُضِع «رَحۡمَتي فَسَحَت لِكُلِّ شَيءٍ» لَدَلَّ على إِفساح مَوضِع بَعد ضيق، وهذا لا يَليق بِالرَحمَة الإلَهيَّة الأَزَليَّة التي لا تُسبَق بِضيق. «وسع» يَنفَرِد بِالقُدرَة على نَقل المَعنى من الكَون إلى الأَخلاق دون تَغيير في الصيغَة — في 2:255 سَعَة كَونيَّة، وفي 7:156 سَعَة رَحمَة، وكِلتاهما تَستَخدِم نَفس الفِعل المُتَعَدّ.
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾
بُعد ثالِث لِجَذر «وسع»: السَعَة كَحَدٍّ بَشَريّ لا كَصِفَة إلَهيَّة. «وُسۡعَها» (المَصدَر بِالضَمّ) يَدُلّ على طاقَة النَفس القُصوى التي لا يُكَلَّف ما يَفوقها. لَو وُضِع «إِلّا فُسحَتَها» لَدَلَّ على المَكان المَفسوح بَعد ضيق، وهذا يَكسِر التَعليل (التَكليف بِالطاقَة، لا بِالمَكان). ولَو وُضِع «إِلّا رَحبَها» لَدَلَّ على سَعَة شُعوريَّة، وهذا يَنقُل المَعنى من القُدرَة العَمَليَّة إلى الراحَة النَفسيَّة. «وسع» مَع المَصدَر بِالضَمّ يَنفَرِد بِالدَلالَة على القُدرَة الكامِنَة لِالنَفس — التَكليف يُقَدَّر على وُسع لا على فُسحَة ولا على رَحب. هذه الآيَة تُثبِت أَنّ «وسع» يَعمَل في ثَلاثَة مَجالات (كَون، رَحمَة، تَكليف) دون أَن يَفقِد وَحدَتَه الدلاليَّة — السَعَة كَحَدٍّ يَستَوعِب ما دونَه.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾
الآيَة الوَحيدَة لِجَذر «فسح» في القُرءان كُلِّه (ثَلاث صِيَغ في آيَة واحِدَة: تَفَسَّحوا، افسَحوا، يَفسَح). تَكشِف خَصائِص الجَذر كامِلَةً: (1) سياق مَوضِعيّ مُحَدَّد (المَجالِس)، (2) فِعل سُلوكيّ بَعد ضيق سابِق (يَنشَأ التَفَسُّح حَيث كان الازدِحام)، (3) جَزاء إلَهيّ بِنَفس الجَذر (يَفسَح اللهُ). لَو وُضِع «وَسِّعوا في المَجالِس فَيَسَع اللهُ لَكُم» لَفُقِدَت الإِشارَة إلى الفِعل البَعديّ (التَفَسُّح بَعد الضيق) — «وسع» يَدُلّ على السَعَة الذاتيَّة الابتِدائيَّة، أَمّا «فسح» فَيَدُلّ على إِنشاء سَعَة في مَوضِع كان ضَيِّقًا. ولَو وُضِع «أَرحِبوا في المَجالِس» لَدَلَّ على إِنشاء حالَة شُعوريَّة، وهذا لا يُناسِب الفِعل الاجتِماعيّ المادّيّ المَطلوب. «فسح» وَحدَه يَجمَع: مَوضِع مُحَدَّد + إِزالَة ضيق + جَزاء بِنَفس الفِعل. وغياب «فسح» عَن كُلّ السياقات الأُخرى في القُرءان (32 سَعَة لله، 4 رَحب، 0 فسح خارِج المُجادَلَة 11) يَكشِف أَنّه فِعل سُلوكيّ صَغير لا يُمارَس إلّا في المَجالِس البَشَريَّة.
﴿وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾
الآيَة الكاشِفَة لِجَذر «رحب» — التَركيب «ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ» يَكشِف الفَرق الجَوهَريّ بَين سَعَة الأَرض (الواقِعَة) وسَعَة النَفس (المَفقودَة). الأَرض رَحُبَت بِالفِعل — سَعَة مَكانيَّة قائمَة — ومَع ذلك ضاقَت على الثَلاثَة. الجَذر «رحب» هنا يُشير إلى سَعَة وَصفيَّة لِالمَكان قائمَة بِذاتها لا تَحتاج فاعِلًا. لَو وُضِع «بِما وَسِعَت» لَدَلَّ على فِعل استيعاب نَشِط من الأَرض لِمَخلوقاتها، وهذا يَنقُل المَعنى من سَعَة المَكان إلى احتِواء فِعليّ. ولَو وُضِع «بِما فَسَحَت» لَدَلَّ على فِعل تَوسيع بَعد ضيق سابِق، وهذا يَكسِر الصورَة (الأَرض رَحبَت ابتِداءً، لا فَسَحَت بَعد ضيق). والاقتِران مَع «ضاقَت عَلَيهِم أَنفُسُهُم» يَختِم القانون: «رحب» يَدُلّ على سَعَة مَكانيَّة قائمَة قَد تَفقِد وَظيفَتها حِين تَضيق النَفس — وهذا ما يَنفَرِد به الجَذر دون «وسع» و«فسح».
﴿هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾
تَكشِف زاويَة ثانيَة لِجَذر «رحب»: السَعَة كَتَرحيب اجتِماعيّ، ونَفيُه يَدُلّ على رَفض الاستيعاب. «لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡ» تَركيب فَريد لا يَنوب عَنه «لَا وَسِعَهُم» (لِأَنّ هذا يَنفي السَعَة الكَونيَّة، وهي ثابِتَة)، ولا «لَا فَسَحَ لَهُم» (لِأَنّ هذا يَنفي فِعل إِفساح مُعَيَّن، لا الاسـتِقبال). «مَرحَبًا» مُشتَقّ من رَحُبَ، ويَدُلّ على فَتح المَكان لِالقادِم — أَي تَرحيب يَجمَع بَين سَعَة المَكان وقَبول النَفس. ونَفيُه في النار يَكشِف زاويَة فَريدَة: ساكِنو النار لا يَفتَحون مَكانًا لِبَعضِهم البَعض، فَتُصبِح النار ضَيِّقَةً مَع سَعَتها. لَو وُضِع «لا سَعَة لَهُم» لَفُقِد البُعد الاجتِماعيّ-الاسـتِقباليّ. الجَذر «رحب» في صيغَة «مَرحَب» يَنفَرِد بِالدَلالَة على تَرحيب يَجمَع المَكان والقَبول — وغيابه في النار من أَهم مَلامِح العَذاب.