الفُروق الدَقيقَة بَين جذور الذم واللعن والسب في القُرءان الكَريم
أَحَدَ عَشَر جَذرًا تَجتَمِع في طَيف واحِد — كُلُّها تَدور حَول إِنزال المَنزِلَة في المَوصوف بِالقَول أَو بِالحُكم أَو بِالحال — وَيَظُنُّها القارِئ السَريع مُتَرادِفَة عَلى مَعنى «الذَمّ»، وَالقُرءان يَفصِل بَينَها بِطَبَقات مُحكَمَة.
﴿لعن﴾ (41 مَوضِعًا، 56٪ من الحَقل) هُو حُكم إِقصاء إِلَهيّ عَن الرَّحمَة وَالنَّصير، يَصدُر عَن الله أَو المَلائكَة أَو يُؤمَر بِه ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ﴾ البقرة 161 — لَيس انفِعالًا كَالغَضَب، وَلا قَولًا كَالسَّبّ، بَل قَطيعَة بِنيَويَّة.
﴿لوم﴾ (14 مَوضِعًا) نِسبَة تَقصير إلى فاعِله بِالقَول، يَقَع من المَرء عَلى نَفسه ﴿وَلُومُواْ أَنفُسَكُمۡ﴾ إبراهيم 22، وَيُنفى عَن الصالِحين ﴿فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ﴾.
﴿عتب﴾ (5 مَواضع) أَلطَف من اللَوم: استِعتابٌ طَلَبُ رُجوع لِالرِّضى، يُنفى يَومَ القِيامَة ﴿وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ﴾ — لِأَنّ الفُرصَة قَد فاتَت.
﴿لمز﴾ (4 مَواضع) طَعن تَعييبيّ بِالقَول الخَفيّ، يُجاوِر السُّخريَة وَالهَمز وَلا يَذوب فيهِما ﴿هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾ الهمزة 1.
﴿همز﴾ (3 مَواضع) نَخسَة خَفيَّة مُتَكَرِّرَة في الغَيب، تَختَلِف عَن اللَّمز بِكَونها مِن وَراء المَوصوف.
﴿نبز﴾ (مَوضِع واحِد، الحجرات 11) جَهرٌ بِاللَقَب البَديل المُلصَق بِالإنسان — لَيس خَفيًّا كَاللَّمز وَلا نَخسًا كَالهَمز، بَل تَسميَة عَلَنيَّة.
﴿ثرب﴾ (مَوضِع واحِد، يوسف 92) تَقريعٌ بِذَنب قَديم بَعد التَجاوُز ﴿لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ﴾ — يَستَلزِم تَعداد الذَنب وَإِسناده بِـ«عَلى».
﴿ذءم﴾ (مَوضِع واحِد، الأَعراف 18) ذَمٌّ قَوليٌّ بَليغ يَقَع عَلى المَوصوف، اقتَرَن بِـ﴿مَدۡحُورٗا﴾ لِيَتَكامَل بُعدا الإِقصاء (قَول + فِعل) — مَخصوص بِإبليس.
﴿عيب﴾ (مَوضِع واحِد، الكهف 79) إِحداث نَقص ظاهِر في المَوصوف نَفسه ﴿فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا﴾ — وَهُو الجَذر الوَحيد في الحَقل الذي يَكون فيه الذَمّ تَغييرًا في عَين الشَيء، لا قَولًا من خارِج.
﴿فضح﴾ (مَوضِع واحِد، الحجر 68) كَشفٌ عَلَنيّ لِما يُخزي صاحِبَه ﴿وَلَا تُخۡزُونِ﴾ مَقرونًا بِـ﴿لَا تَفۡضَحُونِ﴾ في خِطاب لوط — لا فَضيحَة بِدون شُهود.
﴿قبح﴾ (مَوضِع واحِد، القصص 42) حالُ الرَدّ وَالاستِهجان في الآخِرَة، صِفَة ثابِتَة في المَوصوف لا فِعل واقِع عَلَيه.
القَصص 42 وَحدَها تَجمَع ﴿لَعۡنَةٗ﴾ + ﴿ٱلۡمَقۡبُوحِينَ﴾ في آيَة واحِدَة لِتَكشِف التَرتيب: اللَعن حُكم في الدُّنيا، القُبح حال في الآخِرَة.
وَالحجرات 11 تَجمَع ﴿تَلۡمِزُوٓاْ﴾ + ﴿تَنَابَزُواْ﴾ + ﴿يَسۡخَرۡ﴾ في خِطاب واحِد لِتُثبِت أَنّها ثَلاثَة أَفعال مُتَجاوِرَة لا مُتَرادِفَة.
القَولة الجامِعَة: لا تَرادُف، بَل طَبَقات (إِقصاء إِلَهيّ → تَوبيخ بِنِسبَة → استِعتاب طَلَب رُجوع → طَعن خَفيّ → نَخس مِن وَراء → جَهر بِلَقَب → تَقريع بِذَنب قَديم → ذَمّ بَليغ مَع طَرد → نَقص في الذات → كَشف عَلَنيّ → حال مَطرود).
الجذور الدَلاليَّة في الحَقل
اضغط أيّ جَذر لِعَرض تَحليله الكامِل: الجَوهَر · المُمَيِّز · مَدى الاستِخدام · شَواهِد جَوهَريَّة · اختبار الاستِبدال.
حُكم إقصاء إلَهيّ يَقطَع المَلعون عَن الرَّحمَة والنَّصير
الجَوهَر
اللَّعن في القُرءان طَردٌ وإِبعاد عَن رَحمَة الله — حُكمٌ إقصائيّ يَصدُر بِأَمر الله فيَقطَع المَلعون مِن مَجرى العَطاء الإلَهيّ. يُلازِمه العَذاب وانتِفاء النَّصير، ويَمتَدّ غالِبًا إلى يَوم الدّين. الفاعِل في الأَكثَر هو الله، ثُمَّ المَلائكَة والناس واللاعِنون، وقَد يَتَبادَله الأُمَم في الآخِرَة.
المُمَيِّز
لعن حُكم إقصاء عَن الرَّحمَة لا انفِعال (بِخِلاف الغَضَب)، ولا قَول إِهانَة (بِخِلاف السَّبّ والذَّمّ)، ولا وَصف بِنَقص (بِخِلاف العَيب والقُبح)، ولا تَسميَة سَيِّئَة (بِخِلاف النَّبز). القُرءان لا يُسنِد السَّبّ إلى الله ويُسنِد إليه اللَّعن، لأَنَّ اللَّعن مَكانَة حُكميَّة لا انفِعال لِسانيّ. ويَسبِق اللَّعنُ العَذابَ ويَستَجلِبه (الأحزاب 57).
مَدى الاستِخدام
41 موضعًا في 18 سورة. الفاعِل الله في 23 موضعًا (56%)، ثُمَّ المَلائكَة والناس واللاعِنون، ثُمَّ الأُمَم بَعضُها بَعضًا في الآخِرَة (3 مَواضِع). المَلعون: الكافِرون (الأَكثَر)، الظالِمون، المُنافِقون، أَهل الكِتاب، إبليس، قاتِل المُؤمِن، الرامون لِلمُحصَنات، شَجَرَة الزَّقّوم. يَمتَدّ «إلى يَوم الدّين» (الحِجر 35، صٓ 78). لا يَجتَمِع مَع جذر «رحم» في آيَة واحِدَة قَطّ.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا﴾
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ﴾
﴿وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾
اختبار الاستِبدال
لَو استَبدَلنا «لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ» بِـ«غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيهِم» لانكَسَر المَعنى: الغَضَب انفِعال يَسبِق الحُكم، أَمَّا اللَّعن فحُكم إقصاء يَستَتبِع نَفي النَّصير ودَوام الطَرد. ولَو استَبدَلناه بِـ«سَبَّهُم» أَو «ذَمَّهُم» لانهارَ المَقام، لأَنَّ السَّبّ والذَّمّ قَول لا يَقطَع عَن الرَّحمَة. ولَو استَبدَلناه بِـ«عَذَّبَهُم» لَسَبَقَ المُسَبَّب سَبَبَه، فاللَّعن حُكمٌ والعَذابُ تَنفيذه (الأحزاب 57).
مؤاخذة على فعل، تُقال أو تُستحق أو تُنفى
الجَوهَر
يدور الجذر على توجيه المؤاخذة أو استحقاقها أو نفيها. توجيهها بالقول كما في ﴿لَوۡمَةَ لَآئِمٖ﴾ و﴿لُمۡتُنَّنِي﴾ و﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾، واستحقاقها بالفعل في مسلك «المُلِيم» وصفًا لصاحبه، وتبادلها بين الأطراف في ﴿يَتَلَٰوَمُونَ﴾، ونفيها برفع المؤاخذة في ﴿غَيۡرُ مَلُومِينَ﴾، وتثبيتها وصفًا ذاتيًّا في ﴿ٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾.
المُمَيِّز
اللوم نسبة تقصير إلى فاعله مع ربطها بسبب ومسؤولية، فيفترق عن ذم (حكم تنقيص عام)، وعن سب (قول إيذاء بلا اشتراط استحقاق)، وعن عيب (وصف نقص ذاتي). كما يتميز بأنه يقع من المرء على نفسه ﴿وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ ومنه ﴿ٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾، وقد يُنفى عند انتفاء سببه ﴿فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ﴾.
مَدى الاستِخدام
أربع عشرة وقعة في اثنتي عشرة آية، بإحدى عشرة صيغة، موزّعة على خمسة مسالك: توجيه اللوم بالقول، استحقاقه بالفعل (المُلِيم)، تبادله، نفيه، وكونه وصفًا ذاتيًّا للنفس.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾
اختبار الاستِبدال
لو استُبدل لوم بـ«ذم» في ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ لانكسر المعنى، لأن الذم حكم تنقيص عام لا يُوجّه إلى النفس بالمعنى نفسه؛ ولو استُبدل بـ«سب» لانتفى مفهوم استحقاق المؤاخذة بالسبب الذي يجعل المرء ﴿مُلِيمٞ﴾ أو ﴿غَيۡرُ مَلُومِينَ﴾؛ ولو استُبدل بـ«عيب» لتحوّل المعنى من نسبة المسؤولية على الفعل إلى وصف نقص ذاتي قائم.
الاستِعتاب طَلَب الرِّضى وإِزالَة العَتب يَومَ القيامَة
الجَوهَر
جَذر «عتب» في القُرءان لا يَرِد إلّا في صيغَة الاستِعتاب — طَلَب إِزالَة العَتب وإِرضاء مَن غَضِب. يَأتي دائمًا في سياق يَوم القيامَة وفي النَفي: لا يُمنَح الكافِرون والظالِمون فُرصَة تَصحيح المَوقِف وإِرضاء رَبِّهِم. باب الاستِعتاب مَوصَد.
المُمَيِّز
عتب يَختَلِف عَن لوم ولعن: اللَّوم تَعنيف بِالقَول، واللَّعن طَرد وإِبعاد. أَمّا الاستِعتاب فَفيه طَلَب رُجوع لِلرِّضى وإِصلاح ما أَفسَد المُستَعتِب في عَلاقَته مَع المُعتِب — هو أَلطَف مِن اللَّوم لِأَنَّه مَسار خُروج مِن العَتب لا إِنشاء لَه. والقُرءان لا يَستَعمِله إِلّا في النَفي يَومَ القيامَة: الفُرصَة فاتَت.
مَدى الاستِخدام
5 مَواضِع في 4 آيات، كُلُّها في سياق يَوم القيامَة وكُلُّها في النَفي. ثَلاث صيغ: «يُسۡتَعۡتَبُونَ» (مَبنيّ لِلمَفعول، 3 مَواضِع) و«يَسۡتَعۡتِبُواْ» (طَلَبهم هُم) و«ٱلۡمُعۡتَبِينَ» (مَن قُبِل استِعتابُه). يَقتَرِن النَفي بِنَفي الإِذن (النَّحل 84) وبِنَفي نَفع المَعذِرَة (الرُّوم 57) وبِنَفي الخُروج مِن النار (الجاثِية 35).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ﴾
﴿فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ﴾
﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗا وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُخۡرَجُونَ مِنۡهَا وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يُمكِن استِبدال «يُسۡتَعۡتَبُونَ» بِـ«يُعتَذَر لَهُم» (الاعتِذار تَبرير الفِعل، والاستِعتاب تَقديم ما يُرضي)، ولا بِـ«يَتوبون» (التَوبَة رُجوع عَن الذَنب، والاستِعتاب طَلَب إِزالَة العَتب في عَلاقَة)، ولا بِـ«يُشفَع لَهُم» (الشَفاعَة وِساطَة طَرَف ثالِث، والاستِعتاب مُباشَر مِن صاحِبه). الرُّوم 57 يُفَرِّق بَين الاثنَين صَريحًا: «لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ» — المَعذِرَة شَيء والاستِعتاب شَيء آخَر.
تَعييب مُوَجَّه يَطعَن بِالقَول الخَفيّ
الجَوهَر
اللمز طَعن انتِقاصيّ مَخصوص داخل حَقل الاستِهزاء، يُبرِز مَوضِع المَطعَن في شَخص أَو فِعل صالِح أَو جَماعَة. يَظهَر في الصَدَقات اعتِراضًا على النَبيّ والمُتَطَوِّعين، وفي المُجتَمَع المؤمن نَهيًا، وفي الهُمَزة وَصفًا مُلازِمًا لِصاحِبه.
المُمَيِّز
اللمز يُجاوِر السُّخريَة في التوبَة 79 (﴿يَلۡمِزُونَ … فَيَسۡخَرُونَ﴾) ويُجاوِر الهمز في الهُمَزة 1 (﴿هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾)، فَلا يُذابُ فيهِما. اللمز طَعن تَعييبيّ بِالقَول الخَفيّ، والسُّخريَة مَظهَر استِهزاء، والهَمز قَرين اللمز في وَعيد واحِد لا مُرادِف له. ويُجاوِر النَبز كَذلِك في الحُجُرات 11 (﴿تَلۡمِزُوٓاْ … وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِ﴾) فَيَتَمَيَّز عَنه: النَبز بِاللَقَب، واللمز بِالطَعن.
مَدى الاستِخدام
4 مَواضِع في 4 آيات (التوبَة 9:58، التوبَة 9:79، الحُجُرات 49:11، الهُمَزة 104:1): اعتِراض في الصَدَقات، طَعن جَماعيّ في المُتَطَوِّعين، نَهي عَن تَجريح المؤمنين بَعضِهم بَعضًا، ووَصف ثابِت لِصاحِب الانتِقاص.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾
﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال «يَلۡمِزُونَ» بِـ«يَسۡخَرُونَ» في التوبَة 79 لِأَنَّ النَصّ نَفسَه عَطَفَ السُّخريَة عَلى اللمز (﴿يَلۡمِزُونَ … فَيَسۡخَرُونَ﴾)، فَلَو تَرادَفا لَكان تَكرارًا. ولا يَصِحّ إبدال «لُّمَزَةٍ» بِـ«هُمَزَةٖ» في الهُمَزة 1 لِأَنَّ النَصّ جَمَعَهُما مَعًا. ولا يَصِحّ إبدال «تَلۡمِزُوٓاْ» بِـ«تَنَابَزُواْ» في الحُجُرات 11 لِأَنَّ النَصّ فَرَّقَ بَينَهما: اللمز طَعن، والنَبز بِاللَقَب.
نَخسٌ خَفِيٌّ مُتَكَرِّر يَطعَنُ في الغَيب
الجَوهَر
جذر «همز» مَدارُه على طَعنٍ أَو دَفعٍ خَفِيٍّ مُؤذٍ، يَغلِبُ عَلَيه التَكرار أَو ثُبوت الصِفَة. يَأتي شَيطانيًّا في مَقام الاستِعاذَة، وَبَشَريًّا في مَقام الذَمّ مَع النَميمَة أَو اللَمز. كل صيغَة من صيغِه الثَلاث تَدُلّ على تَعَدُّد الفِعل أَو ثُبوت الفاعِليَّة.
المُمَيِّز
«همز» نَخسَةٌ خَفِيَّةٌ مُتَكَرِّرَةٌ في الغَيب، بِخِلاف «لمز» الَّذي هو عَيبٌ بِإشارَةٍ في الحُضور (﴿وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ الحُجُرات 11)، وَبِخِلاف «سخر» الَّذي هو استِخفافٌ ظاهِرٌ مُواجَهَةً (﴿لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ﴾ الحُجُرات 11)، وَبِخِلاف «هزء» الَّذي يَكون بِالقَول الصَريح. اقتِران «همز» بِـ«لمز» في الهُمَزَة 1 تَكامُلٌ لا تَرادُف: الهُمَزَة في الغَيب، وَاللُمَزَة بِالإشارَة في الحُضور. كل صيغَة من صيغ «همز» تَستَلزِم التَكرار، فَلا يَأتي أَبَدًا بِصيغَة فِعل واحِد مُنقَطِع.
مَدى الاستِخدام
ثَلاثَة مَواضِع فَقَط في ثَلاث سُور، كل مَوضِع بِصيغَة لا تَتَكَرَّر: جَمعُ المَصدَر «هَمَزَات» (المؤمنون 97) في سياق الاستِعاذَة من فاعِل شَيطانيّ، صيغَة المُبالَغَة «هَمَّاز» (القَلَم 11) في سياق ذَمّ مَع النَميمَة، وَصيغَة «فُعَلَة» «هُمَزَة» (الهُمَزَة 1) لَقَبًا لِصاحِب الصِفَة مَع اللَمز. يَنفَرِد بِالجَمع بَين الإسناد الشَيطانيّ وَالبَشَريّ في جذور الذَمّ القَوليّ.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ﴾
﴿هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ﴾
﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾
اختبار الاستِبدال
لا تَصِحّ إستِبدال «همز» بِـ«لمز» في المؤمنون 97، لِأَنَّ اللَمز يَستَلزِم الحُضور وَالإشارَة، وَالشَياطين تَعمَل بِالخَفاء لا بِالإشارَة المَرئيَّة. وَلا يَصِحّ إستِبدالها بِـ«سخر» في القَلَم 11، لِأَنَّ السُخريَة مُواجَهَة ظاهِرَة بَينَما الهَمز مَع النَميمَة يَستَلزِم الخَفاء. اقتِران «هُمَزَة لُمَزَة» في الهُمَزَة 1 نَفسُه دَليل التَمايُز: لَو كانا مُتَرادِفَين لَما جَمَعَهُما القَول في سياق واحِد.
النَبز: التَداعي بِأَلقاب السَوء بَين المؤمنين جَهرًا
الجَوهَر
نبز يَدلّ عَلى رَمي الإنسان بِلَقَب فيه انتقاص. وَرَد في القُرءان بِصيغَة واحِدَة (تَنابَزوا) في مَوضِع واحِد، صيغَة تَفاعُل تَكشِف تَبادُل الفِعل بَين فَريقَين. الحُكم نَهي صَريح لِالمؤمنين مُعَلَّل بِأَنَّ هذا الاسم فُسوق بَعد الإيمان.
المُمَيِّز
النَبز أَخَصّ من لمز وَهمز: لمز عَيب بِإشارَة أَو طَعن خَفيّ، وَهمز قَدح، أَمّا النَبز فَجَهر بِاللَقَب البَديل المُلصَق بِالإنسان. اللَمز قَد يَكون في القَلب وَالإيماء، وَالنَبز تَسميَة عَلَنيَّة. صيغَة التَفاعُل (تَنابَزوا) تَنفَرِد بِها نبز في هذا السياق وَتُشير إلى تَبادُل الفِعل لا أُحاديَّته.
مَدى الاستِخدام
مَوضِع واحِد فَريد (الحجرات 49:11)، صيغَة واحِدَة (تَنابَزوا = تَفاعَل مُضارِع مَجزوم بِلا)، مَفعول مَخصوص (الأَلقاب)، مُخاطَب مَخصوص (الَذينَ ءامَنوا)، وَتَعليل صَريح (بِئسَ الاسمُ الفُسوقُ بَعدَ الإيمان).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال نبز بِـلمز أَو همز أَو سخر: الآيَة نَفسها (49:11) جَمَعَتها مُتَفَرِّقَة فَأَثبَتَت تَمايُزها. لمز يَفقِد دلالَة اللَقَب البَديل، وَهمز يَفقِد دلالَة التَسميَة العَلَنيَّة، وَسخر يَفقِد التَخصيص بِالاسم. كَذلك لا يُستَبدَل بِشتم لِأَنَّ النَبز تَسميَة لا سَبّ مَفتوح.
التَقريع بِالذَنب القَديم وتَعداد الجَريرَة بَعد القُدرَة
الجَوهَر
التَثريب هو المُؤاخَذَة عَلى الذَنب بِتَعدادِه وإبرازِه وتَذكير الجاني بِجريرَتِه — لَومٌ يُبقي المُذنِب في مِرءاة فِعلِه. يَرِد في القُرءان مَوضِعًا واحِدًا، في أَعمَق سياق العَفو: يوسف يَرفَع التَثريب عَن إخوَتِه يَومَ القُدرَة عَلَيهم.
المُمَيِّز
ثرب أَخَصّ من لوم وعتب: فاللوم تَوجيهٌ عامّ، والعَتب مُعاتَبَة قد تَكون لَطيفَة. أَمّا التَثريب فَيَستَلزِم تَعداد الذَنب القَديم وتَذكير الجاني بِما اقتَرَف بَعد التَجاوُز عَنه. كَذلِك يُسنَد «عَلى» الشَخص كَثِقل يُرفَع أَو يُلقى، ويُقابِله في المَوضِع الوَحيد المَغفِرَة الإلهيَّة.
مَدى الاستِخدام
مَوضِع واحِد فَقَط بِصيغَة المَصدَر «تَثريب» في سياق إعلان يوسف العَفو عَن إخوَتِه، مَقرونًا بِإحالَة المَغفِرَة إلى الله.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال «تَثريب» بِـ«لَوم» أَو «عَتب» في الآيَة: لَو قيل «لا لَومَ عَلَيكُم» لانتَفى مُجَرَّد التَوجيه، أَمّا «لا تَثريبَ» فَيَنفي تَحديدًا تَعداد الذَنب وتَذكيرَه وتَعيير الجاني بِجَريرَتِه القَديمَة — وهو المَعنى المَقصود يَومَ القُدرَة عَلى المُذنِب.
الذَمّ القَوليّ الواقِع عَلى المَوصوف — حالُ إبليس عِندَ الطَرد
الجَوهَر
ذءم في القُرءان جَذرٌ فَريد الوُرود، جاء بِصيغَة اسم المَفعول «مَذءوماً» في مَوضِع واحِد. يَدُلّ عَلى مَن وَقَعَ عَلَيه الذَمّ — أَي جُعِلَ مَوضِعاً لِلقَول الذامّ الإلهيّ. والذَمّ نَقيض المَدح.
المُمَيِّز
ذءم يَخُصّ الإيقاع تَحتَ القَول الذامّ (إقصاء بِالقَول)، بَينَما لعن إبعاد من الرَحمَة، وقبح تَشويه ووَصم. اقتَرَنَ في مَوضِعه الوَحيد بِـ«مَدحوراً» لِيَتَكامَل بُعدا الإقصاء: الذَمّ قَولاً والطَرد فِعلاً. ويُفارِق «ذمم» (مَذموماً) صَرفيًّا: ذءم مَهموز خاصّ بِإبليس، وذمم مُدغَم جاء لِطالِب العاجِلَة والمُشرِك.
مَدى الاستِخدام
مَوضِع واحِد فَريد (الأَعراف 18)، صيغَة وَحيدَة (اسم مَفعول نَكِرَة مَنصوب عَلى الحال)، مَخصوص بِحال إبليس عِندَ إخراجه. لا فِعل ولا اسم فاعِل ولا مَصدَر من الجَذر.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا﴾
اختبار الاستِبدال
لو استُبدِلَ «مَذءوماً» بِـ«مَلعوناً» لَزالَ بُعد الإيقاع تَحتَ القَول الذامّ وانحَصَرَ في الإبعاد من الرَحمَة — وقَد جاء اللَعن لِإبليس في مَوضِع آخَر (الحجر 35) فَدَلَّ عَلى أَنَّ الجَذرَين مُتَكامِلان لا مُتَرادِفان. ولو استُبدِلَ بِـ«مَذموماً» لَفَقَدَ التَخصيص الصَرفيّ الذي حَفِظَه القُرءان لِإبليس وَحدَه.
إِحداث نَقص ظاهِر في الشَيء لِيَخرُج عَن صورَة الكَمال
الجَوهَر
الجَذر يَرِد مَرَّة واحِدَة في القُرءان بِصيغَة «أَعيبَها» في قِصَّة الخَضِر مَع السَفينَة. الدلالَة: إِدخال خَلَل أَو نَقص مَلموس في الشَيء يَجعَله ذا عَيب ظاهِر يُخرِجه عَن حالَة الصَلاح. الفِعل هُنا واعٍ مَقصود، ومَع ذلك هو وَسيلَة حِمايَة لا إِفساد.
المُمَيِّز
العَيب صِفَة تُحدَث في المَوصوف نَفسه (تَغيير في عَين الشَيء)، بِخِلاف لمز/همز/قبح/ذءم التي هي قَول أَو إِشارَة من خارِج تَنال المَوصوف بِغَير تَغييره. كَذلك يَقَع عيب على الأَشياء (السَفينَة)، بَينَما يَقَع اللمز والهمز والذءم على الأَشخاص.
مَدى الاستِخدام
مَوضِع واحِد فَقَط (الكَهف 79) بِصيغَة فِعل مُضارِع لِمُتَكَلِّم واحِد (أَعيبَها). الفاعِل الخَضِر، والمَفعول السَفينَة. السياق: حِمايَة المَساكين من مَلِك يَغصِب كُلَّ سَفينَةٍ صالِحَة.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال «أَعيبَها» بِـ«أَلمِزَها» أَو «أَهمِزَها» أَو «أَذءَمَها» — هذه أَفعال قَوليَّة أَو إِشاريَّة لا تُحدِث تَغييرًا في جِسم السَفينَة. ولا يَصِحّ بِـ«أُفسِدَها» لِأَنَّ الفَساد إِخراج عَن الانتِفاع كُلِّيًّا، والعَيب هُنا نَقص جُزئيّ مَقصود يُبقي الانتِفاع.
كَشف ما يُخزي صاحِبَه أَمام النّاس
الجَوهَر
فضح في القُرءان يَرِد في مَوضِع واحِد فَقَط بِصيغَة النَّهي ﴿فَلَا تَفۡضَحُونِ﴾ على لِسان لوط. الدَّلالَة: إِظهار ما كان مَستورًا بِحَيث يُلحِق العار والإهانَة بِصاحِبه أَمام شُهود. فَهو كَشف مَقرون حَتمًا بِالخَزي، لا كَشف حِياديّ.
المُمَيِّز
فضح يَختَلِف عَن لعن (طَرد من الرَّحمَة) وعَن قبح (إِبعاد مَع تَشويه) في أَنَّه فِعل كَشف عَلَنيّ أَمام جُمهور — لا فَضيحَة بِدون شُهود. كَما يَختَلِف عَن مُطلَق الإِظهار (بين، أَبدى) بِأَنَّه إِظهار يَستَلزِم العار والإِهانَة، لا مُجَرَّد التَّوضيح.
مَدى الاستِخدام
مَوضِع واحِد فَقَط (الحِجر 68)، صيغَة فِعل مُضارِع مَنهيّ عَنه: تَفۡضَحُونِ. السِّياق: ضِيافَة لوط ومُطالَبَة قَومه بِالكَفّ عَن إِهانَة ضُيوفه.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال فضح بِـ«اكشِف» أَو «بَيِّن» في المَوضِع، لِأَنَّهما لا يَحمِلان أَثَر الخَزي والإِهانَة الاجتِماعيَّة المُلازِم لِفضح. ولا يَصِحّ استِبداله بِـ«تَلعَنوني» لِأَنَّ اللَّعن طَرد لا كَشف عَلَنيّ.
القُبح: حالُ الرَدّ والاستِهجان التامّ في الآخِرَة
الجَوهَر
قبح في القرءان يَرِد في مَوضِع واحِد فَقَط بِصيغَة المَقبوحين، يَصِف حالَ قَوم فِرعَون يَومَ القيامَة. هو وَصمَة لاحِقَة بَعد اللَعنَة الدُنيَويَّة، تُدرِج المَوصوف في فِئَة المَردودين المُستَهجَنين بِحُكم إلهيّ.
المُمَيِّز
قبح حالٌ ثابِتَة في المَوصوف لا فِعل واقِع عَلَيه: اللَعن طَردٌ مِن الرَحمَة (حُكم)، والقبح هَيئَةُ المَطرود (نَتيجَة لازِمَة). يَختَلِف عَن ذءم بِسياقه (قَوم فِرعَون لا إبليس) وعَن الذَمّ بِكَونه صِفَة دائمَة لا فِعل لَوم يَصدُر عَن أَحَد.
مَدى الاستِخدام
مَوضِع وَحيد بِصيغَة جَمع اسم المَفعول، في سِياق آخِرَويّ يَتبَع لَعنَة دُنيَويَّة.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ إبدال المَقبوحين بِالمَلعونين هُنا: اللَعنَة سَبَقَت في صَدر الآيَة، فَلَو كان القُبح مُرادِفًا لَكان تَكرارًا. التَتابُع يَدُلّ عَلى أَنَّ القُبح حالٌ تالِيَة لِلَعن، لا مُساوِيَة لَه.
اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة — حَيث تَجتَمِع الجذور
﴿وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ﴾
الآيَة المَفصَليَّة لِفَكّ التَرادُف بَين لعن وَقبح — يَجتَمِعان في آيَة واحِدَة بِتَوزيع زَمَنيّ صَريح. ﴿لَعۡنَةٗ﴾ في ﴿هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا﴾ (لعن — حُكم إلَهيّ بِالإِقصاء عَن الرَحمَة يَلحَق بِالمَطرود في حَياتِه)، ثُمَّ ﴿هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ﴾ في ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ (قبح — حالُ المَطرود بَعد نَفاذ الحُكم، صِفَة ثابِتَة في المَوصوف). البِنيَة كاشِفَة: اللَعن فِعل واقِع (تُسنَد إلَيه اللَعنَة)، وَالقُبح هَيئَة لازِمَة (يُجعَل المَلعون من جُملَة المَقبوحين). لو قُرِئَت ﴿لَعۡنَةٗ … وَهُم مِّنَ ٱلۡمَلۡعُونِينَ﴾ لَكان تَكرارًا لِجَذرٍ واحِد، وَلَفَقَدَت الآيَة الانتِقال من طَبَقَة الحُكم إلى طَبَقَة الحال. وَلَو قُرِئَت ﴿قُبۡحٗا … وَهُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ﴾ في الدُّنيا، لَفَقَد القُرءان قَيدَه البِنيَويّ: القُبح لا يُسنَد إلى المَطرود وَهُو حَيٌّ، لِأَنّه حالُ ما بَعد نَفاذ الحُكم. التَرتيب الزَمَنيّ ﴿فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا … وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ يَكشِف أَنّ الجَذرَين في طَبَقَتَين: لعن إِجراء، قبح نَتيجَة.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾
الآيَة الفَريدَة في القُرءان التي تَجمَع لمز وَنبز في خِطاب واحِد، إلى جانِب السُّخريَة. التَوزيع البِنيَويّ صَريح: ﴿لَا يَسۡخَرۡ﴾ (سخر — استِخفاف ظاهِر بِالغَير)، ثُمَّ ﴿وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ (لمز — طَعن تَعييبيّ بِالقَول الخَفيّ، يُسنَد إلى ﴿أَنفُسَكُمۡ﴾ لِأَنّ المؤمنين كَجَسَد واحِد)، ثُمَّ ﴿وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِ﴾ (نبز — جَهرٌ بِاللَقَب البَديل المُلصَق، يَستَلزِم تَفاعُلًا «تَنابُز»). ثَلاثَة نَواهي مُتَتاليَة لَو كانَت مُتَرادِفَة لَاكتَفى القُرءان بِواحِدَة. لو قُرِئَت ﴿وَلَا تَلۡمِزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِ﴾ لانكَسَر المَعنى — اللَمز خَفيّ لا يَكون بِالأَلقاب العَلَنيَّة. وَلَو قُرِئَت ﴿وَلَا تَنَابَزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ بَدون ﴿بِٱلۡأَلۡقَٰبِ﴾ لَفَقَدَ الفِعل قَيدَه (النَبز لا يَكون إِلّا بِتَسميَة بَديلَة). التَعقيب ﴿بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِ﴾ يَكشِف لِماذا اختير النَبز خَتمًا — لِأَنّه الفِعل الوَحيد من الثَلاثَة الذي يُغَيِّر اسم المَنبوز.
﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾
الآيَة الافتِتاحيَّة لِسورَة كامِلَة، وَهي المَوضِع البِنيَويّ الأَدَقّ لِفَكّ التَرادُف بَين همز وَلمز — يَجتَمِعان في صيغَتَي مُبالَغَة مُتَلاحِقَتَين ﴿هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾ بِلا فاصِل. لَو كانا مُتَرادِفَين لَكان التَكرار حَشوًا، وَالقُرءان لا يَحشي. التَرتيب يَكشِف: هُمَزَة سابِق (نَخسَة خَفيَّة مُتَكَرِّرَة في الغَيب)، لُمَزَة لاحِق (طَعن تَعييبيّ بِالقَول الخَفيّ في الحُضور). البِنيَة كاشِفَة: الهَمز إِشارَة أَو طَعن مِن وَراء، اللَمز قَول أَو إِيماء في المُواجَهَة. صيغَة المُبالَغَة «فُعَلَة» تَدُلّ عَلى الإِدمان — فَالهُمَزَة مُدمِن النَخس مِن وَراء، وَاللُمَزَة مُدمِن الطَعن بِالقَول. لو قُرِئَت ﴿لُمَزَةٖ هُمَزَةٍ﴾ لَفَقَدَ التَرتيب البِنيَويّ (الإِدبار قَبل الإِقبال). وَلَو اكتَفى القُرءان بِواحِدَة ﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ﴾ لَفَقَدَ الجانِب القَوليّ المَوصوف فيما بَعد ﴿ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا﴾ — جَمع المال وَتَعديدُه يَستَلزِم لِسانًا، لا غَمزًا فَقَط.
﴿قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾
المَوضِع الوَحيد لِجَذر ذءم في القُرءان، وَهُو في خِطاب الطَرد الإِلَهيّ لِإبليس. صيغَة ﴿مَذۡءُومٗا﴾ اسم مَفعول نَكِرَة مَنصوب عَلى الحال، اقتَرَن بِـ﴿مَّدۡحُورٗا﴾ في تَكامُل بُعدَي الإِقصاء: الذَّأم قَول ذامّ يَقَع عَلى المَوصوف، وَالدَّحر طَرد فِعليّ. لَو استُبدِل ﴿مَذۡءُومٗا﴾ بِـ﴿مَلۡعُونٗا﴾ لانكَسَر التَوزيع البِنيَويّ — اللَعن حُكم إِقصاء عَن الرَحمَة (وَهُو نَتيجَة الخِطاب، لا الخِطاب نَفسه)، وَالذَّأم هُو القَول الذامّ الذي يُنزِل المَنزِلَة في إبليس عِندَ الطَرد. التَمييز الصَرفيّ الدَقيق كاشِف: ذءم (مَهموز) خاصّ بِإبليس هُنا، وَذمم (مُدغَم) في الإِسراء 18 ﴿مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا﴾ يَخصّ طالِب العاجِلَة — القُرءان حَفِظَ التَمييز بَين الذَأم وَالذَمّ رَغم تَقارُب الجَذرَين، وَأَلحَق الأَوَّل بِالمَطرود الأَعظَم، وَالثاني بِمَن آثَرَ العاجِلَة. ثُمَّ في الحجر 35 يَأتي إبليس مَرَّة أُخرى بِجَذر آخَر ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ — لِيَكتَمِل ثُلاثيّ الإِقصاء عَنه: ذءم قَولاً، دَحر فِعلًا، لَعنَة حُكمًا.
﴿قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾
المَوضِع الوَحيد لِجَذر ثرب في القُرءان، وَهُو نَفي صَريح في لَحظَة الاقتِدار. يوسف يَملِك القُدرَة عَلى المُحاسَبَة وَتَعداد الذَنب عَلى إِخوَتِه، فَيَنفي التَثريب لا اللَوم وَلا العَتب وَلا التَوبيخ. الكَشف البِنيَويّ: التَثريب أَخَصّ من اللَوم — يَستَلزِم تَعداد الذَنب القَديم وَتَذكير الجاني بِما اقتَرَف بَعد التَجاوُز، وَلِذا اختير في هذا المَقام بِالذات. لو قال يوسف ﴿لَا لَوۡمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ﴾ لَنَفى مُجَرَّد التَوبيخ، وَلَبَقي بابُ التَذكير بِالذَنب مَفتوحًا. وَلَو قال ﴿لَا عَتۡبَ عَلَيۡكُمُ﴾ لَنَفى المُعاتَبَة اللَطيفَة، وَهي أَدنى من المَطلوب نَفيُه (الإِخوَة اقتَرَفوا فِعلًا جَسيمًا يَستَحِقّ أَكثَر من العَتب). التَثريب يَجمَع القُدرَة وَالحَقّ وَتَعداد الجَريرَة — نَفيُه يَعني التَجاوُز التامّ. اقتِران ﴿لَا تَثۡرِيبَ﴾ بِـ﴿يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡ﴾ يَكشِف أَنّ التَثريب يُجاوِر الحَقّ في المُحاسَبَة، فَيَنفيه يوسف وَيَترُك المَغفِرَة لِله — قَطع لِأَيّ مَنفَذ لَوميّ مُستَقبَليّ.
﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا﴾
المَوضِع الوَحيد لِجَذر عيب في القُرءان بِصيغَة الفِعل، وَهُو الشاهِد الأَوَّل عَلى أَنّ العَيب — في الاستِخدام القُرءانيّ — تَغيير في عَين المَوصوف نَفسه، لا قَول من خارِج. ﴿أَنۡ أَعِيبَهَا﴾ فِعل مادّيّ يَلحَق بِالسَفينَة، يُحدِث فيها نَقصًا ظاهِرًا يُخرِجُها عَن صورَة الكَمال. هذا الجَذر يَفصِلُه القُرءان عَن كل الحَقل: لمز/همز/قبح/ذءم/فضح كُلُّها أَقوال أَو إِشارات أَو أَحكام تَنال المَوصوف بِغَير تَغييره الذاتيّ، أَمّا عيب فَيُحدِث الفَرق في عَين الشَيء. وَلِذا اختير لِالسَفينَة (جِسم مادّيّ يَقبَل الإِحداث) لا لِالجِدار وَلا لِالغُلام في القِصَّة نَفسها. التَوزيع البِنيَويّ كاشِف: الإِصلاح في الجِدار (لِحِفظ كَنز اليَتيمَين)، القَتل في الغُلام (لِدَفع أَذى)، العَيب في السَفينَة (لِحِفظِها من غَصب المَلِك). كل فِعل يُناسِب طَبيعَة المَوصوف. لو استُبدِل ﴿أَعِيبَهَا﴾ بِـ﴿أَلۡمِزَهَا﴾ أَو ﴿أَذۡءَمَهَا﴾ لَكان مَعنى مُختَلِفًا تَمامًا — العَيب يَحفَظ السَفينَة بِنَقص، أَمّا اللَمز فَطَعن لا يَمَسّ الجِسم.