الفَرق بَين النور والظُلمة في القُرءان الكَريم

الجَذر الأَوَّل: نور · الجَذر الثاني: ظلم · المَنهَج: نَفي التَرادُف

النور والظُلمة في القُرءان الكَريم زَوج تَقابُل بِنيويّ لا تَرادُف بَينَهما. هَذه الصَفحَة تَكشِف الفَرق بَينهُما عَبر تَحليل لِسانيّ مُحكَم لِجَذرَيهِما — جَذر «نور» (50 مَوضعًا) وجَذر «ظلم» (315 مَوضعًا) — على مَنهَج نَفي التَرادُف، مَع الآية المَركَزيّة لِلتَقابُل واختِبار الاستِبدال وَ29 الشَواهِد القُرءانيّة.

الآية المَركَزيّة لِلتَقابُل

البقرة 257: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ﴾

هَذه الآية تَجمَع الجَذرَين في سياق واحِد، وَتَكشِف القِسمَة الجَوهَريّة بَينَهما.

التَقابُل من جِهَة النور — جَذر نور 50 مَوضعًا

التقابل البنيوي: «نور» في القرآنِ ضَوءٌ يُكشَفُ به البَصَرُ وهُدًى يُكشَفُ به القَلبُ، يُنسَبُ إلى الله نِسبَةَ تَملِيكٍ ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ (النور 35)، ويُجعَلُ في الإنسانِ عَطاءً ﴿وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ﴾ (الأنعام 122)، ويُنزَلُ كِتابًا ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا﴾ (النساء 174). و«ظلم» جذرٌ ذو وَجهَين: ﴿ظُلُمَٰت﴾ مَكانيَّةٌ بَصَريَّةٌ، و﴿ظُلۡم﴾ أَخلاقيٌّ يَعني وَضعَ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، وأَخَصُّه تَجاوُزُ حَدِّ الله. والنُّورُ يَكفي ضِدًّا لِكِلَيهِما، لأَنَّ النُّورَ القُرءانيَّ يَجمَعُ الضَّوءَ والهُدى في صِفَةٍ واحِدَةٍ، فَيَكفي كَونُه ضِدًّا لِلظُّلُماتِ بِجِهَتِها الحِسِّيَّةِ ولِلظُّلمِ بِجِهَتِه القَلبيَّةِ والسُّلوكيَّة.

الآية المركزية للتقابل: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ (البقرة 257). أَتَى التَّقابُلُ في هذه الآيَةِ بِالنَّظمِ التَّشاكُليِّ: شَطرٌ من النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، وشَطرٌ من الظُّلُماتِ إلى النُّور. هذا التَّناظُرُ النَّحويُّ يَجعَلُ التَّقابُلَ مَنطوقًا بِالبُنيَةِ، لا بِالألفاظِ فَحَسبُ، فَيَكونُ النُّورُ نُهايَةَ فِعلِ الرَّبِّ في عِبادِ الإيمانِ، والظُّلُماتُ نُهايَةَ فِعلِ الطَّاغوتِ في عِبادِ الكُفر.

نِسبَةُ النُّورِ إلى الله: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ﴾ (النور 35). جَعَلَ القرآنُ النُّورَ مُضافًا إلى الذَّاتِ الإِلَٰهيَّةِ إِضافَةً تَمَلُّكِيَّةً ﴿لِنُورِهِۦ﴾، ومَوصوفًا بِالتَّضاعُفِ ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖ﴾. والظُّلمُ في المُقابِلِ مَنفيٌّ عن الله نَفيَ تَأكيدٍ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا﴾ (يونس 44)، ﴿وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ (الكهف 49)، ﴿لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ (الأنفال 51). فالنُّورُ مَنسوبٌ، والظُّلمُ مَنفيٌّ؛ وهذا أَبلَغُ مَراتِبِ التَّقابُلِ في النِّسبَةِ.

تَقابُلٌ في حَركَةِ المُكَلَّفِ: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَا﴾ (الأنعام 122). فالنُّورُ مَوصوفٌ بِالمَشيِ، والظُّلُماتُ مَوصوفَةٌ بِعَدَمِ الخُروجِ. ومِثلُه ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ (الزمر 22). فالمُؤمِنُ على نُورٍ من رَبِّه، والقاسي قَلبُه في ضَلالٍ مُبين. هذا التَّقابُلُ الحَرَكيُّ يَجعَلُ النُّورَ سَبيلًا والظُّلمَ انغِلاقًا.

تَقابُلٌ في يَومِ القِيامَةِ: ﴿يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِم﴾ (الحديد 12). والمُنافِقُونَ في المُقابِلِ يَستَجدُونَ النُّورَ ولا يَجِدونَه ﴿ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ﴾ ﴿فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ﴾ (الحديد 13). فالنُّورُ في الآخِرَةِ علامَةُ النَّجاةِ، والظُّلمَةُ علامَةُ المَحرومينَ من النُّورِ. ويَدعُو المُؤمِنونَ ﴿رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَا﴾ (التحريم 8)، فَيَكونُ النُّورُ هَدَفًا في الدُّعاءِ، والظُّلمُ مَا يُستَغفَرُ عنه.

نَفي التَّسوِيَةِ: ﴿أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُ﴾ (الرعد 16)، ﴿وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ﴾ (فاطر 20). جَعَلَ القرآنُ نَفيَ المُسَاوَاةِ بَينَ النُّورِ والظُّلُماتِ مَوضِعَ تَحَدٍّ، يُطلَبُ به الجَوابُ على نَحوٍ يُثبِتُ أَنَّ المُساوَاةَ بَينَهُما مُحالٌ في الحُجَّةِ. ولو كانا مُتَقارِبَينِ لَما تَكَرَّرَ نَفيُ التَّسوِيَةِ بِهذا الإِلحاحِ. هذا التَّكرارُ القَرءانيُّ هو مِفتاحُ التَّقابُلِ بَينَ الجَذرَين.

اختبار الاستبدال: لو وُضِعَ «الهُدَى» مَوضِعَ «ٱلنُّورِ» في ﴿إِلَى ٱلنُّورِ﴾ (البقرة 257)، لانتَقَلَ المَعنى من إفاضَةٍ بَصَريَّةٍ قَلبيَّةٍ جامِعَةٍ إلى دَلالَةٍ على الجِهَةِ فَحَسبُ، ولفُقِدَ التَّناظُرُ النَّحويُّ مع ﴿ٱلظُّلُمَٰتِ﴾. ولو وُضِعَ «ٱلظَّلامُ» مَوضِعَ «ٱلظُّلُمَٰتِ»، لانكَسَرَت الجَمعيَّةُ التي تَدُلُّ على تَعَدُّدِ مَواقِعِ الظُّلمَةِ ﴿ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ﴾ (النور 40)، ولانتَقَلَ المَعنى من ظُلمَةٍ مُتَضاعِفَةٍ إلى ظُلمَةٍ مُفرَدَةٍ. ولو وُضِعَ «الإِضاءَةُ» مَوضِعَ ﴿نُورٗا﴾ في ﴿وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا﴾، لانتَقَلَ المَعنى من نُورٍ مَوصولٍ بِالحَياةِ ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ﴾ إلى ضَوءٍ مُجَرَّدٍ لا يَلزَمُ مِنه إِحياءٌ.

النُّورُ والكِتابُ: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ﴾ (المائدة 15)، ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا﴾ (النساء 174)، ﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَا﴾ (التغابن 8)، ﴿جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَا﴾ (الشورى 52). جَعَلَ القرآنُ نَفسَه نُورًا، فَيَكونُ النُّورُ في القرآنِ مُتَجَلِّيًا في الكِتابِ، والظُّلُماتُ في المُقابِلِ تَأتي وَصفًا لِلكُفرِ بِالكِتابِ ﴿صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ (الأنعام 39). فالنُّورُ كِتابٌ يُنزَلُ، والظُّلُماتُ تَكذيبٌ بِالكِتاب.

مَكرُ الإطفاءِ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ (الصف 8). يَستَخدِمُ القرآنُ صورَةَ الإِطفاءِ كَفِعلٍ يَنسِبُه المُكَذِّبونَ إلى أَنفُسِهِم، فَيَكونُ ضِدُّ النُّورِ في فِعلِهِم إطفاءً مَنوطًا بِفَمٍ، وضِدُّه في فِعلِ الله إِتمامًا مَنوطًا بِسُلطانٍ. والنَّتيجَةُ في الآيَةِ نَفسِها: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ﴾؛ فَيَكونُ النُّورُ مُتَّجِهًا للإِتمامِ، والظُّلمُ مُتَّجِهًا للزَّوال.

خلاصة دلالية: «نور» إفاضَةٌ تَكشِفُ بِها العَينُ والقَلبُ، مُنسوبَةٌ إلى الله بِالذَّاتِ ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾، مَوصوفَةٌ بِالتَّضاعُفِ ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖ﴾، مُتَنَزِّلَةٌ في الكِتابِ، ومَجعولَةٌ في الإنسانِ المُؤمِنِ مَشيًا ﴿يَمۡشِي بِهِۦ﴾. و«ظلم» بُنيَةٌ ثُنائيَّةٌ في النَّصِّ: ظُلُماتٌ يُقابِلُها ضَوءُ النُّورِ، وظُلمٌ سُلوكيٌّ مَنفيٌّ عن الله، يَلتَقي شَطراه في تَجاوُزِ حَدِّ الله. والنُّورُ يَكفي ضِدًّا لِكِلَيهِما لأَنَّه في القرآنِ ضَوءٌ في البَصَرِ وهُدًى في القَلبِ مَعًا، فَيَنفُذُ إلى الوَجهَينِ بِنَفسِ الوَصفِ. والتَّقابُلُ مُحكَمٌ في النِّسبَةِ والفِعلِ والمَآلِ: النُّورُ مَنسوبٌ، والظُّلمُ مَنفيٌّ؛ النُّورُ غايَةٌ، والظُّلُماتُ مَخرَجٌ مِنها؛ النُّورُ يَسعى ويَتِمُّ، والظُّلمَةُ تَنطَفِئُ وتَزولُ.

التَقابُل من جِهَة الظُلمة — جَذر ظلم 315 مَوضعًا

التقابل البنيوي: «ظلم» في القرآنِ جذرٌ ذو وَجهَينِ في النَّصِّ: وَجهٌ حِسِّيٌّ بِصِيغَةِ ﴿ظُلُمَٰت﴾ ومُشتَقَّاتٍ مِثلِ ﴿مُظۡلِم﴾ و﴿أَظۡلَمَ﴾ يَدُلُّ على فَقدِ الإضاءَةِ في المَكانِ والبَصَرِ، ووَجهٌ أَخلاقيٌّ بِصِيغَةِ ﴿ظُلۡم﴾ و﴿ظَلَموا﴾ و﴿ٱلظَّٰلِمين﴾ يَدُلُّ على وَضعِ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، وأَخَصُّه تَجاوُزُ حَدِّ الله. والقرآنُ يَستَخدِمُ النُّورَ ضِدًّا لِكِلَيهِما: ضِدًّا حِسِّيًّا لِلظُلُمَاتِ، وضِدًّا أَخلاقيًّا لِلظُّلمِ من جِهَةِ أَنَّ ٱلنُّورَ مَوصولٌ بِالعِلمِ والهُدَى والإيمانِ، والظُلمَ مَوصولٌ بِالجَهلِ والضَّلالِ والكُفر. التَّقابُلُ بَينَهُما إِذَن تَقابُلٌ مُزدَوِجٌ في الحِسِّ والمَعنى مَعًا، ولا تَنفَكُّ فيه إِحدى الجِهَتَينِ عن الأُخرى في القرآن.

الآية المركزية للتقابل: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ (البقرة 257). تَجمَعُ الآيَةُ في مَشهَدٍ واحِدٍ شَطرَيِ التَّقابُلِ: الإيمانُ خُروجٌ من الظُّلُماتِ إلى النُّور، والكُفرُ خُروجٌ من النُّورِ إلى الظُّلُمات. والوِلايَةُ في الأَوَّلِ لله، وفي الثَّاني للطَّاغوتِ، فَيَكونُ النُّورُ مَنوطًا بِوِلايَةِ الله، والظُّلُماتُ مَنوطَةً بِوِلايَةِ الطَّاغوت. هذه الآيَةُ هي أَوضَحُ بُنيَةٍ تَقابُليَّةٍ في القرآنِ لِجَمعِ النُّورِ والظُّلمَةِ بِوَجهَيها.

تَقابُلُ الخَلقِ الأَوَّلِ: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ﴾ (الأنعام 1). جَعَلَ القرآنُ مَنذُ افتِتاحِ الأنعامِ التَّقابُلَ بَينَ ٱلظُّلُماتِ والنُّورِ مِن لَوازِمِ الخَلقِ، فهُما من السُّنَنِ الكَونيَّةِ المُجَلَّى فيها قُدرَةُ الله. ويُؤَكِّدُ ذلك ﴿أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُ﴾ (الرعد 16)، ﴿وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ﴾ (فاطر 20)؛ فَيَنفي القرآنُ التَّسوِيَةَ بَينَهُما نَفيَ تَأكيدٍ. ولو كانا مُتَكافِئَينِ لَما احتاجَ القرآنُ إلى تَكرارِ نَفيِ المُسَاوَاة.

تَقابُلٌ في مَوقِفِ المُؤمِنِ والكافِرِ: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَا﴾ (الأنعام 122). فالمُؤمِنُ مَعَه نورٌ يَمشي بِه، والكافِرُ في ظُلُماتٍ لا يَخرُجُ مِنها. ومِثلُه ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ (الأنعام 39). والظُّلُماتُ هاهُنا حالٌ مَعنَويَّةٌ للقَلبِ، لا حالٌ بَصَريَّةٌ مَحضَةٌ، فَيَكشِفُ التَّعبيرُ أَنَّ المَعنى الحِسِّيَّ يَتَّسِعُ في القرآنِ إلى المَعنى القَلبيِّ، وأَنَّ النُّورَ يُسَمَّى نُورًا بِاعتِبارِ كِليهِما.

تَقابُلُ المُنافِق: ﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ﴾ (البقرة 17). فالمُنافِقُ يَطلُبُ نُورًا فَيُذهَبُ بِه، ويُترَكُ في ظُلُمات. ومِثلُه ﴿أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ﴾ (البقرة 19). ويَنتَهي هذا النَّمَطُ في الآخِرَةِ ﴿ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ﴾ (الحديد 13) حين يُحتَجَزُ المُؤمِنُونَ بِنُورِهِم ويُترَكُ المُنافِقُونَ في ظُلمَةٍ، فَيَكونُ النُّورُ علامَةَ النَّجاةِ والظُّلمَةُ علامَةَ الهَلاك.

اختبار الاستبدال: لو وُضِعَ «الجَهلَ» مَوضِعَ «ٱلظُّلُمَٰت» في البقرة 257، لانتَقَلَ التَّعبيرُ من بَيانِ حالٍ كُلِّيَّةٍ تَشمَلُ الحِسَّ والقَلبَ والمَآلَ إلى تَخصيصٍ مَعرِفيٍّ مَحضٍ، ولفُقِدَ التَّقابُلُ البَصَريُّ مع النُّورِ. ولو وُضِعَ «الهُدَى» مَوضِعَ «ٱلنُّورِ» لانتَقَلَ المَعنى من إفاضَةٍ تُبصِرُها العَينُ والقَلبُ مَعًا إلى دَلالَةٍ على الجِهَةِ فَحَسبُ، ولفُقِدَ المَعنى الكَونيُّ المُؤَكَّدُ في ﴿وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ﴾. ولو وُضِعَ «عَدَلَ» مَوضِعَ «ظَلَمَ» في ﴿وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ (الكهف 49) لانعَكَسَ المَعنى المَقصودُ من نَفيِ الظُّلمِ إلى إِثباتِ العَدلِ بِصيغَةٍ غَيرِ مُنسَجِمَةٍ مع البُنيَةِ النَّحويَّةِ في الآية.

ملاحظَةٌ على فِعلِ ٱلإِخراجِ: تَكَرَّرَ في القرآنِ نَمَطُ ﴿لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ في إبراهيم 1، 5؛ المائدة 16؛ الأحزاب 43؛ الحديد 9؛ الطلاق 11. هذا التَّكرارُ يَدُلُّ على أَنَّ التَّقابُلَ ليس مُجَرَّدَ تَضادِّ صِفَتَينِ، بل تَوصيفٌ لِفِعلِ الرَّبِّ في عِبادِه: يُخرِجُهُم من شَطرٍ إلى شَطر، ومَوقِعُ المُؤمِنِ هو نُهايَةُ الفِعلِ ﴿إِلَى ٱلنُّورِ﴾، ومَوقِعُ الكافِرِ هو نُقطَةُ الانتِكاسِ ﴿مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ كما في البقرة 257. النُّورُ هاهُنا غايَةُ الفِعلِ، والظُّلُماتُ مَبدَؤُه أو مُنتَكَسُه.

ملاحظَةٌ على ظُلمِ النَّفسِ: «ظلم» يَأتي في القرآنِ غالِبًا مُتَّصِلًا بِظُلمِ النَّفسِ أَكثَرَ من ظُلمِ الغَيرِ ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ (آل عمران 117)، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ (يونس 44)، ﴿رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا﴾ (الأعراف 23). والنُّورُ في القرآنِ يُجعَلُ في الإنسانِ ﴿وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ﴾ (الأنعام 122)، ﴿فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ (الزمر 22). فالنُّورُ في الذَّاتِ، والظُّلمُ على الذَّاتِ. فَيَكونُ التَّقابُلُ بَينَهُما تَقابُلًا في عَلاقَةِ المُكَلَّفِ بِنَفسِه: مَن يَستَمِدُّ نُورًا مِن رَبِّه ينجو، ومَن يَظلِمُ نَفسَه يَخسَر.

نَفي الظُّلمِ عن الرَّبِّ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ﴾ (النساء 40)، ﴿وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ (الكهف 49)، ﴿لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ (الأنفال 51)، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ (فصلت 46)، ﴿وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ﴾ (غافر 31)، ﴿لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَ﴾ (غافر 17). فالقرآنُ يَنفي الظُّلمَ عن الرَّبِّ نَفيَ تَأكيدٍ في مَواضِعَ كَثيرَةٍ، ويَنسِبُ النُّورَ إلى الرَّبِّ نِسبَةَ تَملِيكٍ ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ (النور 35). فالنُّورُ صِفَةٌ مَوصولَةٌ بِالرَّبِّ، والظُّلمُ مَنفيٌّ عنه نَفيًا قاطِعًا. هذا التَّقابُلُ في النِّسبَةِ هو ذُروَةُ تَأكيدِ التَّضادِّ البِنيَويِّ بَينَ الجَذرَين.

خلاصة دلالية: «ظلم» بُنيَةٌ ثُنائيَّةُ الجِهَةِ في القرآن: حِسٌّ يُقابِلُهُ ضوءُ النُّورِ، ومَعنًى يُقابِلُهُ هُدى النُّور. والجامِعُ في القرآنِ بَينَ الجِهَتَينِ هو النُّور: فالنُّورُ مَنسوبٌ إلى الله ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾، والظُّلُماتُ مَنوطَةٌ بِفُقدانِ الوِلايَةِ الإِلَٰهيَّةِ والوُقوعِ في وِلايَةِ الطَّاغوت. الظُّلُماتُ والظُّلمُ كِلاهُما يَلتَقيانِ في القرآنِ تَحتَ هذا الجَذرِ، والنُّورُ يَكفي ضِدًّا لِكِلَيهِما لأَنَّ النُّورَ في القرآنِ ضَوءٌ في البَصَرِ وَنُورٌ في القَلبِ، تَتَّحِدُ فيه الجِهَتانِ. هذا الانتِظامُ النَّصيُّ هو الذي يَجعَلُ «نور» الجَذرَ الضِّدَّ المُحكَمَ لـ«ظلم» بِوَجهَيه.

شَواهِد قُرءانيّة لِلتَقابُل (24 آية)

  1. البقرة 17: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ﴾
  2. البقرة 257: ﴿يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾
  3. النساء 174: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا﴾
  4. المائدة 15: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ﴾
  5. المائدة 16: ﴿وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾
  6. الأنعام 1: ﴿وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ﴾
  7. الأنعام 39: ﴿صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ﴾
  8. الأنعام 122: ﴿وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ﴾
  9. الرعد 16: ﴿أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُ﴾
  10. إبراهيم 1: ﴿لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾
  11. النور 35: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ... نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖ﴾
  12. النور 40: ﴿ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ ... وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ﴾
  13. الأحزاب 43: ﴿لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾
  14. فاطر 20: ﴿وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ﴾
  15. الزمر 22: ﴿فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦ﴾
  16. الشورى 52: ﴿وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ﴾
  17. الحديد 12: ﴿يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِم﴾
  18. الصف 8: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ﴾
  19. التحريم 8: ﴿رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا﴾
  20. البقرة 19: ﴿أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ﴾
  21. آل عمران 117: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾
  22. النساء 40: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ﴾
  23. الأعراف 23: ﴿رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا﴾
  24. الأنفال 51: ﴿لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾

الحُقول الدَلاليّة لِلجَذرَين

تَحليل كل جَذر مُنفَرِدًا

جَذر نور — النور

المَواضع: 50 في القُرءان الكَريم

نور ليس مرادفا للضياء أو السراج أو الهدى: الضياء والسراج يبرزان جهة الإشعاع أو مصدره، والهدى يبرز الدلالة على الطريق، أما النور فهو الكاشف الذي به تُرى الجهة ويُمشى فيها. أكثر تقابله النصي مع الظلمات.

اقرَأ التَحليل الكامِل لِجَذر نور ↗

أَسئِلَة شائِعة عن الفَرق بَين النور والظُلمة

ما الفَرق بَين النور والظُلمة في القُرءان الكَريم؟

النور في القُرءان: الكشف المضيء الذي يرفع الظلمة أو الحجاب فيمكّن من الرؤية والهداية والمضي؛ يكون حسيا كالقمر، وبيانيا/إيمانيا كالكتاب والوحي، وربانيا وأخرويا كهداية الله ونور المؤمنين. وَالظُلمة: «ظلم» هو حجب الحق أو النور بوضع الشيء في غير موضعه: في الفعل يكون تعديا ونقصا، وفي الظلمات يكون حجبا وانغلاقا. لا يساوي البغي ولا العدوان وحدهما، لأن الظلم أوسع في حجب المستحق وإيقاع الخلل. وَالعَلاقَة بَينَهما تَقابُل بِنيويّ لا تَرادُف.

ما الآية المَركَزيّة التي تَجمَع النور والظُلمة؟

الآية المَركَزيّة لِلتَقابُل بَين جَذر نور وجَذر ظلم: البقرة 257: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ﴾

كَم مَرّة وَرَدَ كل من النور والظُلمة في القُرءان؟

وَرَدَ جَذر نور (النور) 50 مَوضعًا في القُرءان الكَريم، ووَرَدَ جَذر ظلم (الظُلمة) 315 مَوضعًا.

هَل النور والظُلمة مُتَرادِفان في القُرءان؟

لا. على مَنهَج نَفي التَرادُف الذي يَتَّبِعه قَولات، النور والظُلمة ليسا مُتَرادِفَين بل زَوج تَقابُل بِنيويّ — كل جَذر يُؤَدّي وَظيفَة دَلاليّة مُتَمَيِّزة لا يَسُدّ مَكانَها الآخَر، وَيَكشِف اختِبار الاستِبدال في الآيات أَنّ تَبديل أَحَدِهِما بِالآخَر يُفسِد المَعنى.

كَم آية تَجمَع جَذرَي نور وظلم في القُرءان؟

تَجمَع جَذرَي نور وظلم ما لا يَقِلّ عَن 29 آية قُرءانيّة، وَتَتَوَزَّع بَين تَقابُل صَريح وَتَكامُل في الصُورَة وَالحَركَة.