مدلول الآية · قراءة داخليّة من الجذور والسياققُرَيش١
لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ ١
روابط الآية
خلاصة المدلول
الآية لا تبدأ السورة بخبر ولا بتعريف، بل تفتح علّة مخصوصة: إيلاف منسوب إلى جماعة مسمّاة. لِإِيلَٰفِ تجعل انتظام العادة المؤتلفة مدخلًا لما يأتي، وتترك مضمون هذا الإيلاف مفتوحًا حتى تُعيّنه الآية الثانية بالرحلة. وقُرَيۡشٍ لا تعمل وصفًا يقبل التعميم، بل تحسم الطرف الذي تعلّقت به النعمة وتعود إليه ضمائر السورة. لذلك فمدلول الآية مركّب من قطبين: فتح انتظام نعمة، وتعيين طرفها المسمّى. وبغير هذا التركيب يضيع مسار السورة كله: الرحلة في الآية الثانية، والعبادة في الثالثة، والإطعام والأمن في الرابعة.
كيف وصلنا إلى المدلول
⌄
تقوم الآية على كلمتين فقط، غير أنها لا تعمل جملةً ناقصة المعنى، بل مفتاحًا منظِّمًا لبنية السورة بأسرها.
- القَولة الأولى لِإِيلَٰفِ تدخل باللام على مصدر من جذر ءلف، فتجعل الإيلاف علّةً أو مدخلًا لما يتلوه لا مجرّد إخبار عن عادة.
- وهذا التأطير مهم لأن الآية لا تذكر الرحلة ولا البيت ولا الجوع ولا الخوف، ومع ذلك تفتح الطريق إليها كلها.
- فلو بدأت السورة باسم الرحلة مباشرة ضاق المعنى إلى حركة في الطريق، ولو بدأت بالأمن أو الإطعام انتقل القارئ إلى ثمرة النعمة قبل أن يرى نظامها.
- أما لِإِيلَٰفِ فتضع قبل كل ذلك الرابطة المؤتلفة المستقرة في نفسها: حال منتظمة مستمرة، لها طرف مسمى هو قريش، ولها بيان تالٍ هو الرحلة، ولها غاية تكليفية هي عبادة رب البيت.
الفرق بين لِإِيلَٰفِ وبين ما يقترب منها دلاليًا من جهة الجمع أو الألفة أو الرحلة فرقٌ موضعي محدد: جمع يضم متفرقين لحظة ما لكنه لا يثبت استمرار الانتظام واعتياده، وألفة تعمل في جهة الشعور النفسي لا نظام المسير الموسمي المتكرر، والرحلة تُفصح عن المضمون قبل الفتح.
- وصفحة جذر ءلف تؤكد هذا التمييز بمنعها قراءة المصدر هنا من جهة التأليف بين القلوب أو من جهة الكثرة العددية؛ ذلك أن عمل الجذر في هذا الموضع هو إثبات نظام مؤتلف متكرر، لا مصالحة بين أطراف ولا مقدار كمي.
القَولة الثانية قُرَيۡشٍ تحسم الطرف.
- ليست وصفًا اشتقاقيًا يقبل التعميم على قوم أو أهل مكان، ولا تفتح نسبًا أو سردًا خارج المتن.
- في بيانات المتن الداخلية يأتي جذر قرش هنا علمًا بهذه الصورة العلمية.
- لذلك فوظيفتها الدلالية ليست الاشتقاق ولا الوصف، بل التعيين الصريح الذي تقوم عليه سلسلة إحالة السورة كلها: الاسم في الآية الأولى، ثم الضمير في إِۦلَٰفِهِمۡ بالآية الثانية، ثم الضميران في أَطۡعَمَهُم وءَامَنَهُم بالآية الرابعة.
- ولو استُبدل الاسم بقوم أو ناس بقيت فكرة النعمة ممكنة لكنها تفقد طرفها المسمى، وتنقطع سلسلة الإحالة التي تجعل السورة تتكلم على جماعة بعينها لا على أيّ جماعة.
السياق القريب يضبط هذا الفتح بدقة: الآية الثانية لا تأتي بمعنى منفصل، بل تشرح صورة الإيلاف بتخصيصه بالرحلة الموسمية.
- والفارق بين لِإِيلَٰفِ في الأولى وإِۦلَٰفِهِمۡ في الثانية فارق بنيوي: في الأولى اللام بلا ضمير والمصدر مفتوح، وفي الثانية الإضمار والبيان بالرحلة.
- ثم تأتي الثالثة بالأمر بعبادة رب البيت فيظهر أن الإيلاف ليس نعمة معيشية منفصلة عن التكليف، بل مقدمة إلزامية لمن انتظمت له الرحلة وتحقق له قوام العيش والأمن.
- وتختم الرابعة ببيان الأثرين: الإطعام من جوع، والأمن من خوف.
- بهذا يكون مدلول الآية الأولى قائمًا على ما بعدها بنيويًا، لا تامَّ التفصيل في نفسها، لكنها تامة الوظيفة في الشبكة الكاملة للسورة.
وخلاصة المدلول: الآية تثبت انتظام إيلاف مخصوص لقريش، ثم تجعل هذا الانتظام بابًا ينفتح على الرحلة فالعبادة فالإطعام والأمن.
- ومن قرأها معزولة عن جيرانها فقد هيئتها الوظيفية في بنية السورة.
أثر كلّ جذر في بناء المدلول
⌄
هذه الخريطة تفصل أثر كل جذر في الآية ثم تجمعها: الجذور هنا هي ءلف، قرش. المقصود ليس إعادة تعريف الجذور، بل بيان كيف تدخل كل مادة في بناء مدلول الآية.
جذر ءلف1 في الآية
مدلول الجذر: ءلف يدل على كثرة منظومة: إما عدد مكتمل هو الألف وآلافه، وإما تأليف يضم المتفرق حتى يصير رابطة واحدة بين قلوب أو سحاب أو إيلاف رحلة.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «ءلف» هنا في 1 موضع/مواضع: لِإِيلَٰفِ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «الأعداد والكميات الخلط والاجتماع» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: ءلف يدل على كثرة منظومة: إما عدد مكتمل هو الألف وآلافه، وإما تأليف يضم المتفرق حتى يصير رابطة واحدة بين قلوب أو سحاب أو إيلاف رحلة.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: يفترق ءلف عن جمع بأن الجمع ضم المتفرق في موضع أو حالة، أما التأليف فيضيف رابطة ملائمة بين الأجزاء.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة لِإِيلَٰفِ: في سورة الأنفَال ٦٣ لا يكفي جمع بين قلوبهم؛ لأن النص يذكر عداوة سابقة وربطًا لا يصنعه إنفاق الأرض جميعًا. وفي سورة النور ٤٣ لا يكفي يجمع السحاب؛ لأن يؤلف بينه ثم يجعله ركامًا يدل على ترتيب أجزاء متفرقة. وفي ألف سنة لا يصلح التأليف، لأن السياق عددي صريح. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
جذر قرش1 في الآية
مدلول الجذر: قريش علمٌ على جماعة بعينها يخاطبها النصّ بإيلافها ورحلتيها، جاء ذكرها في القرءان مرةً واحدة في سياق امتنان الله عليها بالأمن والرزق عبر الرحلتين، مما يستوجب إخلاص عبادتها لرب البيت.
وظيفته في مدلول الآية: تظهر مادة «قرش» هنا في 1 موضع/مواضع: قُرَيۡشٍ. الأثر الدلالي ليس تسمية الحقل «أقوام وأماكن» وحده، بل حمل هذا الموضع حد الجذر: قريش علمٌ على جماعة بعينها يخاطبها النصّ بإيلافها ورحلتيها، جاء ذكرها في القرءان مرةً واحدة في سياق امتنان الله عليها بالأمن والرزق عبر الرحلتين، مما يستوجب إخلاص عبادتها لرب البيت.. لذلك يشارك الجذر في بناء مدلول الآية بقدر ما تضبطه الصيغة والرتبة والتركيب داخل السياق. وفروق الجذر القريبة تضبط حد الاستبدال: - لا تشابه دلالي مع جذور أخرى إذ هو اسم علم لا يشاركه جذر آخر في الدلالة.
كيف أفادت صفحة الجذر: صفحة الجذر أفادت هنا في ضبط اختبار الاستبدال لصيغة قُرَيۡشٍ: غير قابل للاستبدال لكونه علمًا على قبيلة. فالاستفادة ليست نقل تعريف عام، بل تحديد ما يضيع من مدلول الآية إذا عوملت القولة كقريبة عابرة.
اجتماع هذه الجذور يصنع مدلول الآية من الحركة بين جذورها وصيغها وسياقها. فكل جذر يضيف حدًا، ثم تأتي الصيغ والترتيب والاستبدال لتبيّن أي حد هو أصل المعنى وأي حد يقيّده أو يوسعه.
شبكة الاستبدال لكلّ قَولة
2 قَولتين · مُختبَرة كاملةً⌄
لو وُضع جمع مكان لِإِيلَٰفِ بقي ضمّ متفرقين لكن يضيع معنى الاعتياد المنتظم الذي يفسّره تكرار الرحلة. ولو وُضع رحلة مكانها استُبقت صورة الحركة لكنها سبقت دور الآية الثانية التي وُكل إليها البيان. ولو وُضع أمن مكانها قفز المعنى إلى خاتمة السورة قبل بناء نظام النعمة. لِإِيلَٰفِ تحفظ هذه الطبقات كلها بجعلها عنوان الانتظام الذي ينفتح عليها جميعًا.
لو استُبدل الاسم بقوم صار الإيلاف حالة عامة قابلة للتعميم، وفقدت السورة طرفها المسمى الذي تعود إليه ضمائر إِۦلَٰفِهِمۡ وأَطۡعَمَهُم وءَامَنَهُم. ولو وُضع ناس أو أهل فقدت الإحالة اسمها الخاص وصارت النعمة على كل قريب المكان لا على جماعة بعينها. قُرَيۡشٍ لا تُحلَّل اشتقاقيًا في هذا الموضع، وإنما تعمل تعيينًا صريحًا لا بديل له.
لطائف وثمرات
⌄
- الآية مفتاح لا تفصيل
لا تطلب من الآية الأولى كل مضمون السورة؛ هي تفتح العلة ثم يشرح السياق القريب الرحلة والعبادة والإطعام والأمن. قراءتها وحدها تُضيّق، وقراءتها مع جيرانها تُظهر وظيفتها البنيوية.
- الإيلاف انتظام لا مجرد ألفة
المعنى الأقرب هنا هو نظام عادة مستقر متكرر، لا شعور مودة عام ولا جمع عابر. ولذلك يفسّره النص بالرحلة الموسمية المزدوجة لا بالتعلق النفسي.
- قريش تعيين لا وصف
اسم قريش لا يفتح سردًا خارجيًا ولا تحليلًا اشتقاقيًا؛ أثره أن يجعل النعمة على جماعة مسمّاة تعود إليها ضمائر السورة، فتصير الآية رأس إحالة لا مجرد ذِكر عابر.
روابط موسوعيّة من الآية
⌄
لا توجد وحدات موسوعية أخرى مرتبطة بهذه الآية في البيانات الحالية.
قرائن بناء المدلول
⌄
- افتتاح بالعلّة لا بالتفصيل
لِإِيلَٰفِ تأتي في صدر السورة بلا ذكر مباشر للرحلة ولا للبيت ولا للأمن. التفصيل يتأخر إلى الآية الثانية قصدًا، فتعمل الأولى عنوانًا للسبب. وهذا التأخير جزء من بنية الحجة: الانتظام أولًا، ثم صورته، ثم مقتضاه التكليفي.
- تعيين الطرف بالاسم العلم
قُرَيۡشٍ يثبت الجماعة التي عُلّق بها الإيلاف. خصوصية جذر قرش في هذا السياق تمنع تحويله إلى وصف عام، وتجعل العلمية نفسها هي الأثر الدلالي الحاكم: النعمة ليست مطلقة، بل موجهة إلى طرف مسمى تتسلسل إليه ضمائر السورة.
- التكرار المفسِّر لا الحشو
الآية الثانية تعيد جذر ءلف في إِۦلَٰفِهِمۡ، فتضيف الضمير وتذكر الرحلة. فصار الاسم في الأولى افتتاحًا مفتوحًا، والمضاف في الثانية بيانًا مغلقًا بالمضمون. التكرار هنا بنية لا إطالة.
- من النعمة إلى التكليف
بعد الإيلاف والرحلة يأتي الأمر بعبادة رب البيت، ثم يُكشَف أثر النعمة في الإطعام والأمن. هذا الترتيب يجعل مدلول الآية الأولى مقدمةً إلزامية لمطالبة التكليف، لا مجرد وصف لحال اجتماعية.
الرسم والهيئة
المحسوم وغير المحسوم⌄
- صورة لِإِيلَٰفِ
المحسوم داخليًا أن الصورة لِإِيلَٰفِ تأتي بهذا الموضع في السياق، وأن مقابلتها في السورة نفسها إِۦلَٰفِهِمۡ مع ضمير وبيان الرحلة. الفرق الدلالي بينهما مسنود إلى البنية والسياق: اللام بلا ضمير في الأولى تجعلها افتتاحًا مفتوحًا، والضمير والإضافة في الثانية يغلقانها ببيان المضمون. هذه القَولة لم ترد في المصحف إلّا في هذا الموضع — ﴿لِإِيلَٰفِ﴾ صورةٌ واحدة بلا نظيرٍ ثانٍ يُقابَلها. وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.
- صورة قُرَيۡشٍ
المحسوم داخليًا أن قُرَيۡشٍ تأتي بهذا الموضع في السياق، وأن جذر قرش لا يملك بدائل صيغية ولا صورًا أخرى. لذلك لا يوجد تقابل رسمي داخل المتن يُثبت فرقًا دلاليًا بين صورتين. الحكم الدلالي هنا من خصوصية العلم وموقعه بعد الإيلاف، لا من مقارنة رسمية غير موجودة.
- فصل الرسم عن الحكم
الرسم يؤكد حدود القَولات ولا يوسّع معناها وحده. ما ثبت من الصيغة والموقع يُعرض كقرينة. قِسنا قَولاتِ هذه الآية كلَّها — قَولتين: كلُّ واحدةٍ منها رسمُها هيكلٌ واحدٌ في المصحف بلا صورةٍ ثانية تُقابَلها. فلا تنويعَ رسميًّا في هذه الآية يُقاس، وليس هذا عجزًا عن الحسم بل قياسٌ نفى وجودَ المتغيّر: الحكمُ الرسميُّ المخصوص يلزمه تقابلُ صورتين، ولا تقابلَ.
إحصاءات الآية واستنباطات عابرة للصفحات
⌄
مخططات سريعة
⌄
توزيع جذور الآية
حقول الآية
أكثر جذور السياق حضورًا
لا توجد نافذة سياق كافية.
الجذور في الآية
بيان مختصَر داخل الصفحة⌄
ءلف يدل على كثرة منظومة: إما عدد مكتمل هو الألف وآلافه، وإما تأليف يضم المتفرق حتى يصير رابطة واحدة بين قلوب أو سحاب أو إيلاف رحلة.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: ءلف ليس عددًا محضًا ولا جمعًا محضًا؛ بل كثرة تُضبط في وحدة، عددًا أو تأليفًا.
فروق قريبة: يفترق ءلف عن جمع بأن الجمع ضم المتفرق في موضع أو حالة، أما التأليف فيضيف رابطة ملائمة بين الأجزاء. ويفترق عن عدد بأن العدد مطلق تقدير كمي، أما الألف في هذه المواضع حد كثرة مخصوص، ومعه صيغ التأليف غير العددية.
اختبار الاستبدال: في سورة الأنفَال ٦٣ لا يكفي جمع بين قلوبهم؛ لأن النص يذكر عداوة سابقة وربطًا لا يصنعه إنفاق الأرض جميعًا. وفي سورة النور ٤٣ لا يكفي يجمع السحاب؛ لأن يؤلف بينه ثم يجعله ركامًا يدل على ترتيب أجزاء متفرقة. وفي ألف سنة لا يصلح التأليف، لأن السياق عددي صريح.
فتح صفحة الجذر الكاملةقريش علمٌ على جماعة بعينها يخاطبها النصّ بإيلافها ورحلتيها، جاء ذكرها في القرءان مرةً واحدة في سياق امتنان الله عليها بالأمن والرزق عبر الرحلتين، مما يستوجب إخلاص عبادتها لرب البيت.
أكمل بيان الجذر داخل الصفحة
حد الجذر: اسم علم لقبيلة. الآية الوحيدة تربط اسم القبيلة بنعمتين: إيلاف الرحلتين (الشتاء والصيف)، والأمن من الخوف والجوع. هذا الربط بين الاسم العلمي والنعمة يجعل ذكرها تذكيرًا بالإلزام بعبادة الله وحده.
فروق قريبة: - لا تشابه دلالي مع جذور أخرى إذ هو اسم علم لا يشاركه جذر آخر في الدلالة.
اختبار الاستبدال: غير قابل للاستبدال لكونه علمًا على قبيلة.
فتح صفحة الجذر الكاملةالقَولات (تفكيك ميكانيكيّ)
⌄
| الترتيب | القَولة ↗ | الصيغة | الجذر |
|---|---|---|---|
| 1 | لِإِيلَٰفِ | لإيلاف | ءلف |
| 2 | قُرَيۡشٍ | قريش | قرش |
السياق القريب (٥ قبل · ٥ بعد)
⌄
السياق القريب يبيّن أن الآية الأولى لا تُقرأ منفصلة. الآية الثانية تحدد مضمون الإيلاف بالرحلة الموسمية المزدوجة، والثالثة تحول النعمة إلى أمر بعبادة رب البيت، والرابعة تكشف طرفي النعمة في قوام البدن وأمن النفس. لذلك فمدلول ﴿لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ﴾ هو رأس حجة السورة لا كلمتان مستقلتان: إيلاف مخصوص، فرحلة منتظمة، فعبادة لرب البيت، فإطعام وأمن. ومن قرأ الآية وحدها فقد مسار هذا الترتيب كله.
-
لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ
-
إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ
-
فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ
-
ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ
السياق الأوسع — موضع الآية في حجّة السورة
⌄
يفتح الإيلاف المنسوب إلى قريش أصل الحجة بتحديد نعمة تخص جماعة بعينها، ويهيئ لمعرفة صورتها قبل أن يطلب منها جوابًا.
حجّة السورة كاملةًقُرَيش⌄
تبني السورة حجّةً واحدة محكمة: انتظام الإيلاف المنسوب إلى قريش ليس خبرًا قائمًا لذاته، بل نعمة مخصوصة يُكشف مضمونها في رحلة منظمة تجمع الشتاء والصيف. ومن هذا الانتظام لا تستنتج السورة وصفًا للمعيشة فحسب، بل تثبت أن النعمة حين تتصل بجماعة بعينها وتقوم لها على دورة مهيأة، فإنها تقتضي توجيه تلك الجماعة إلى عبادة رب البيت. ثم لا تترك جهة العبادة مجردة، إذ تعرّف الرب بالفعل الذي رفع عنهم جوعًا وخوفًا؛ فتغدو العبادة جوابًا لازمًا لتدبير حفظ القوام والأمن معًا.
يُعقد أصل الحجة في الافتتاح حين يطرح الإيلاف عنوانًا مضافًا إلى الجماعة، ثم يُختبر هذا العنوان بأن يُجسّد في ﴿إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ﴾، فلا يبقى معنى معلقًا. ويقع الحسم عند الفاء في ﴿فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ﴾؛ فهي تنقل ما سبق من صورة النعمة إلى مقتضى العبادة، ثم تأتي الخاتمة لتبرهن وجه الربوبية الذي يحمل هذا المقتضى: إطعام يرفع الجوع وأمن يرفع الخوف. وهكذا يلتئم أول البناء وآخره: إيلاف منظم يظهر في الرحلة، ثم واجب عبادة، ثم بيان الفعل الذي يجعل ذلك الواجب محكمًا.
- تعيين الإيلاف وصورته﴿ لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ ﴾١سورة قُرَيش﴿ إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ ﴾٢سورة قُرَيشيفتتح هذا المحور العلة باسم إيلاف مخصوص لجماعة مسماة، ثم يمنع بقاءها عنوانًا عامًا حين يبيّنها رحلة مهيأة موزعة بين الشتاء والصيف. لذلك لا تكون الرحلة تفصيلًا زائدًا، بل الصورة التي تجعل انتظام النعمة قابلًا لأن يحمل ما بعده. ومن هذا البيان يسلم المحور إلى الأمر التالي: فما ثبت انتظامه وتعلقه بالجماعة يتحول إلى موجب يطلب منهم جوابًا.
- تحويل النعمة إلى عبادة﴿ فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ ﴾٣سورة قُرَيشيجمع هذا المحور ما تقدم في نتيجة عملية؛ فالفاء تربط أمر العبادة بالإيلاف الذي ظهر في الرحلة، فلا يبدأ الطلب منفصلًا عن علته. كما أن إضافة الرب إلى هذا البيت تجعل جهة العبادة متصلة بالتدبير القريب من المخاطبين. وبعد أن يقرر هذا التحويل، يسلّم البناء إلى الخاتمة لتكشف بالفعل ما الذي يملأ معنى الربوبية ويجعل الأمر واجبًا لا دعوة مجردة.
- إظهار التدبير الرافع للاضطراب﴿ ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ ﴾٤سورة قُرَيشتختم الآية الحجة ببيان الرب من أثره: الإطعام يرفع حالة الجوع، والأمن يرفع حالة الخوف، فيتوازى قوام البدن مع سكون الحركة. وهي لا تنشئ معنى جديدًا بعد الأمر، بل تفسر الجهة التي استحق بها رب البيت العبادة. وبهذا يعود المحور الأخير إلى الإيلاف والرحلة فيبين أن انتظامهما داخل تدبير أوسع يحفظ الجماعة من النقص والاضطراب.
تبدأ الحركة من تعيين جماعة دخلت في إيلاف مخصوص، فلا يظل الافتتاح اسمًا مبهمًا، لأن الآية التالية تعرض مادته في ﴿إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ﴾. بهذا ينتقل الكلام من عنوان النعمة إلى نظامها العملي الممتد بين طرفين زمنيين، ويظهر أن ما يتعلق بهم ليس حركة عارضة. ثم تقطع الفاء هذا الوصف إلى نتيجته، فتجعل ﴿فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ﴾ جوابًا لما سبق لا أمرًا منفصلًا عنه. وبعد أن تحدد الآية وجهة العبادة، لا تختم السورة بطلب مجرد، بل تصل الرب بالفعلين اللذين يفسران تدبيره: ﴿ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ﴾. فتسير الحجة من نعمة منظمة، إلى إلزام بعبادة ربها، إلى كشف الإطعام والأمن اللذين يحكمان معنى تلك النعمة ويكملان برهانها.