مُتكامِلان — تَضايُف لا تَضادّ · قَولات
التكامُل بين جذر صفح وجذر عفو في القرءان
خلاصة مباشرة
لا يملك عفو ضدا نصيا مباشرا، لكن له علاقات مكمّلة قوية يجب تمييزها عن الضدية. صفح أعلى الجذور المجاورة لأنه يجاور العفو في إسقاط المؤاخذة والمعاتبة، وغفر يجاوره في رفع أثر الذنب بالستر، وكسب يقترن به لأن العفو يقع عن كثير مما كسبت الأيدي، لا لأنه ضد الكسب. أما حبب وفضل وقرب ووسع فهي دوافع أو سياقات إحسان، ونسي/نسو يظهران من باب النساء أو ترك الذكر لا من باب ضد العفو، وحلم صفة أناة بعد الإسقاط. لذلك تكون العلاقة الرئيسة مكمّلة لا ضدية، والشاهد الدلالي هو جمع العفو والصفح والغفر في مواضع واحدة مع اختلاف وظائفها.
الشاهد المركزيّ
﴿ وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ﴾
مدلول الآية
الآية تنهى أصحاب الفضل والسعة من المؤمنين عن عقد الامتناع عن الإيتاء، وتحوّل الموقف من رد الفعل إلى عفو وصفح وبذل في سبيل الله، ثم ترد رغبتهم في مغفرة الله لهم إلى فعل مماثل في التعامل مع غيرهم. التحليل الكامل ←
التضايُف كما يرسمه القرءان
لا يملك عفو ضدا نصيا مباشرا، لكن له علاقات مكمّلة قوية يجب تمييزها عن الضدية. صفح أعلى الجذور المجاورة لأنه يجاور العفو في إسقاط المؤاخذة والمعاتبة، وغفر يجاوره في رفع أثر الذنب بالستر، وكسب يقترن به لأن العفو يقع عن كثير مما كسبت الأيدي، لا لأنه ضد الكسب. أما حبب وفضل وقرب ووسع فهي دوافع أو سياقات إحسان، ونسي/نسو يظهران من باب النساء أو ترك الذكر لا من باب ضد العفو، وحلم صفة أناة بعد الإسقاط. لذلك تكون العلاقة الرئيسة مكمّلة لا ضدية، والشاهد الدلالي هو جمع العفو والصفح والغفر في مواضع واحدة مع اختلاف وظائفها.
لا يظهر في آيات الصفح السبع ضد صريح جامع، بل يقترن الصفح بالعفو، وتضاف المغفرة في سورة التغَابُن ١٤. والعلاقة الأثبت هنا تقارب الأفعال واجتماعها في التجاوز، لا تقابلها تقابل الأضداد. لا يثبت من ترتيب الألفاظ مسار لازم يبدأ بالعفو ثم الصفح ثم المغفرة. كما لا تصلح الإساءة والعداوة أضدادًا للصفح؛ لأنها مما يستدعيه السياق، وليست فعلًا مقابلًا له. ويبقى موضع سورة الزُّخرُف ٥ مانعًا من حصر الجذر في المؤاخذة؛ إذ يتعلق بصرف الذكر عن المخاطبين. لذلك لا يصح جعل الإصرار الباطن على المؤاخذة ضدًا جامعًا لكل مواضعه.
مفهوم كلّ جذر على حدة
جذر صفح
8 موضعًا في القرءان · الحقل: العفو والمغفرة والصفح
صفح يدل على الصرف والإعراض بحسب المتعلّق والسياق؛ فيأتي تجاوزًا في التعامل مع المسيء، ويأتي في السؤال عن صرف الذكر عن المسرفين. فلا يلزم من كل استعمال ترك المؤاخذة، ولا يدل اقترانه بالعفو والمغفرة على مراتب متتابعة. الجذر صفح ينتظم في ثمانية مواضع من سبع آيات، عبر سبع مجموعات صيغية تجمع صورتَي «فاصفح». والمحور المستخلص من السياقات هو الصرف والإعراض، ويتحدد متعلّقه وأثره بالسياق. في سياقات التجاوز عن المسيء يصدق الوصف الآتي: > صفح يدل في نصوص الجذر المحلي على الإعراض المتجاوز الذي يترك المؤاخذة أو يصرف الوجه عن التعلق بالمذنب أو بالمخاطب لكن هذا الوصف لا يستوعب وحده سورة الزُّخرُف ٥؛ فمتعلّق الصرف فيها الذكر عن المخاطبين، ضمن استفهام ينكر ترك تذكيرهم بسبب إسرافهم. لذلك لا يكون ترك المؤاخذة قيدًا… صفح يدل على الصرف والإعراض بحسب المتعلّق والسياق؛ فيأتي تجاوزًا في التعامل مع المسيء، ويأتي في السؤال عن صرف الذكر عن المسرفين. فلا يلزم من كل استعمال ترك المؤاخذة، ولا يدل اقترانه بالعفو والمغفرة على مراتب متتابعة. الجذر صفح ينتظم في ثمانية مواضع من سبع آيات، عبر سبع مجموعات صيغية تجمع صورتَي «فاصفح». والمحور المستخلص من السياقات هو الصرف والإعراض، ويتحدد متعلّقه وأثره بالسياق. في سياقات التجاوز عن المسيء يصدق الوصف الآتي: > صفح يدل في نصوص الجذر المحلي على الإعراض المتجاوز الذي يترك المؤاخذة أو يصرف الوجه عن التعلق بالمذنب أو بالمخاطب لكن هذا الوصف لا يستوعب وحده سورة الزُّخرُف ٥؛ فمتعلّق الصرف فيها الذكر عن المخاطبين، ضمن استفهام ينكر ترك تذكيرهم بسبب إسرافهم. لذلك لا يكون ترك المؤاخذة قيدًا لازمًا للجذر، ولا يُحمل صرف الوجه هنا على حركة جسدية يصرّح بها النص. تتوزع الصيغ بين فعل الأمر، والمضارع مع لام الأمر، والمضارع في الشرط، والمصدر. ويظهر التجاوز في التعامل مع الناس، كما يظهر صرف الذكر عنهم في السؤال الإنكاري.
التحليل الكامل لجذر صفح ←جذر عفو
35 موضعًا في القرءان · الحقل: العفو والمغفرة والصفح | العقوبة والحد والقصاص | الإنفاق والعطاء | السَعَة والاستيعاب
عفو = تَركُ الأخذِ بما للفاعل أن يأخذ به: مؤاخذةِ ذنبٍ، أو حقِّ قصاصٍ، أو حقٍّ ماليٍّ في سياق الطلاق، أو مشاحّةٍ في أخذٍ وإنفاق، أو كشفِ ما أُخفي ﴿وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ (سورة المَائدة ١٥). ويجيء لازمًا في زوال أثر النقص السابق ﴿حَتَّىٰ عَفَواْ﴾ (سورة الأعرَاف ٩٥). وتلتقي هذه السياقات في الإسقاط والتوسعة وترك المطالبة، مع تمييز الاستعمال اللازم من العفو عن ذنبٍ أو حقٍّ. الجذر «عفو» يدور على تَركِ الأخذِ بما للفاعل أن يأخذ به: مؤاخذةٍ، أو حقِّ مطالبةٍ، أو مشاحّةٍ، أو كشفِ ما أُخفي — كما في ﴿يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ (سورة المَائدة ١٥)، فالمتروك فيه بيانُ ما أُخفي لا مؤاخذةٌ عليه. ويجيء لازمًا في زوال أثر النقص السابق. لذلك يأتي في عفو… عفو = تَركُ الأخذِ بما للفاعل أن يأخذ به: مؤاخذةِ ذنبٍ، أو حقِّ قصاصٍ، أو حقٍّ ماليٍّ في سياق الطلاق، أو مشاحّةٍ في أخذٍ وإنفاق، أو كشفِ ما أُخفي ﴿وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ (سورة المَائدة ١٥). ويجيء لازمًا في زوال أثر النقص السابق ﴿حَتَّىٰ عَفَواْ﴾ (سورة الأعرَاف ٩٥). وتلتقي هذه السياقات في الإسقاط والتوسعة وترك المطالبة، مع تمييز الاستعمال اللازم من العفو عن ذنبٍ أو حقٍّ. الجذر «عفو» يدور على تَركِ الأخذِ بما للفاعل أن يأخذ به: مؤاخذةٍ، أو حقِّ مطالبةٍ، أو مشاحّةٍ، أو كشفِ ما أُخفي — كما في ﴿يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ (سورة المَائدة ١٥)، فالمتروك فيه بيانُ ما أُخفي لا مؤاخذةٌ عليه. ويجيء لازمًا في زوال أثر النقص السابق. لذلك يأتي في عفو الله عن الذنب، وعفو الناس بعضهم عن بعض في القصاص والطلاق والصفح، وفي «العفو» المأخوذ أو المنفق بلا مشاحة، وفي «عفوا» بالأعراف 95 حيث ذهبت آثار السيئة بالحسنة حتى اتسع حالهم. لا يساوي عفو غفر ولا صفح؛ فسورة النور ٢٢ يجمعها في سياق واحد: ﴿وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْ﴾ ثم ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ﴾. العفو يرفع أثر المطالبة، والصفح يترك المعاتبة، والغفر يتعلق بإذهاب أثر الذنب بالستر والمغفرة.
التحليل الكامل لجذر عفو ←التحليل التضايُفيّ العميق
جامِع التضايُف وحَدّاه
العلاقة بين صفح وعفو في هذه الشواهد تضايف لا تضاد؛ فكلاهما داخل حقل التجاوز، لكن كل واحد يمسك جهة لا يستغني عنها الآخر. عفو يرفع أثرًا لازمًا: مطالبة أو مؤاخذة أو حقًا يلاحق صاحبه. وصفح يصرف جهة التعلّق بالمذنب أو المخاطب، فيغلق باب المعاتبة والتتبّع الظاهر. لذلك يأتيان متعاطفين لا متقابلين: ﴿فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ﴾ (سورة البَقَرَة ١٠٩). فلو كانا ضدين لم يجتمعا في أمر واحد، ولو كانا لفظًا واحدًا لما احتيج إلى جمعهما. الجامع هو ترك المقابلة بعد وجود موجبها، والحدّ الفارق أن العفو يتجه إلى إسقاط الأثر، والصفح يتجه إلى طيّ الالتفات إليه.
حَدّ جذر صفح في مواجهة عفو
حدّ صفح في مواجهة عفو أنه لا يبتدئ من إسقاط الحق وحده، بل من الإعراض المتجاوز بعد ظهور ما يوجب التعلّق أو العتاب. في قوله ﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ﴾ (سورة المَائدة ١٣) سبق الكلام عن نقض وتحريف ونسيان واطّلاع على خائنة؛ فالعفو يترك المؤاخذة عليهم، والصفح يزيد صرف الوجه عن دوام التعلّق بالخيانة. بهذا يثبت صفح معنى الانصراف الجميل عن المتابعة، وينفي أن يكون التجاوز مجرد إسقاط مطالبة باقٍ معها عتاب ظاهر.
حَدّ جذر عفو في مواجهة صفح
حدّ عفو في مواجهة صفح أنه يرفع أثر المطالبة أو المؤاخذة نفسه، لا يكتفي بطيّ المعاتبة. في قوله ﴿وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ﴾ (سورة النور ٢٢) جاء العفو أولًا بعد نهي أصحاب الفضل والسعة عن منع الإيتاء، فالمقام فيه حقّ عطاء وعلاقة عملية. العفو هنا يثبت ترك المطالبة والقطع، ثم يأتي الصفح ليمنع بقاء المعاتبة. لذلك يقابل عفو جهة الصفح من حيث الحكم العملي: لا يكفي أن يصرف وجهه وفي يده أثر المنع أو المؤاخذة.
قراءة مواضع التلاقي
مواضع التلاقي الأربعة تجمع الجذرين في بنية أمر أو شرط بعد وجود أذى أو موجب حذر أو قطع. في البَقَرَة يأتي الجمع بعد ودّ الردّ عن الإيمان حسدًا: ﴿فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ﴾ (سورة البَقَرَة ١٠٩)، فالبنية أمر بكبح أثر المقابلة إلى أجل الأمر الإلهي. وفي المَائدة يأتي بعد نقض الميثاق وظهور الخيانة: ﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (سورة المَائدة ١٣)، فالجمع يرسم إحسانًا لا مجرد ترك عقوبة. وفي النور ترتبط الصيغتان بترك منع الإيتاء، ثم يذكر الغفر في جهة محبة غفران الله. وفي التغَابُن تأتي صيغة الشرط: ﴿وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ (سورة التغَابُن ١٤)، فتتدرج الحركة من رفع المؤاخذة إلى طيّ المعاتبة ثم الغفر.
موقع هذا التضايُف في حقله الدلاليّ
هذا التضايف يختلف عن مجرد اجتماع ألفاظ الحقل؛ لأنه لا يضع عفو وصفح في جهة واحدة مسطّحة. الشواهد نفسها تذكر الغفر معهما في النور والتغَابُن، فيظهر أن الحقل الواحد يضم وظائف متجاورة: العفو لرفع أثر المطالبة، والصفح لترك المعاتبة والإعراض، والغفر في جهة إذهاب أثر الذنب بالستر والمغفرة. لذلك فتمييز هذا الزوج قائم على تعاطف فعلين بشريين مأمور بهما غالبًا، لا على صفة عامة للرحمة ولا على عقوبة مقابلة.
امتحان الاستبدال
امتحان الاستبدال الأوضح في النور: ﴿وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ﴾ (سورة النور ٢٢). لو حذف العفو وبقي الصفح وحده، انكسر اتصال الآية بما قبلها من الإيتاء؛ لأن المطلوب ليس ترك اللوم فقط، بل رفع أثر المنع والمطالبة في علاقة أصحاب الفضل والسعة بذوي القربى والمساكين والمهاجرين. ولو حذف الصفح وبقي العفو وحده، بقيت زاوية المعاتبة والالتفات إلى الإساءة غير مصروفة. وكذلك في المَائدة، جعل الصفح مكان العفو وحده لا يؤدي معنى ترك المؤاخذة بعد النقض والخيانة، وجعل العفو مكان الصفح وحده لا يؤدي معنى إغلاق التعلّق الظاهر بما وقع.
الخلاصة الميسَّرة
العفو والصفح في هذه الآيات ليسا ضدين. العفو يترك أثر المؤاخذة أو المطالبة، والصفح يطوي العتاب والالتفات إلى الخطأ؛ فإذا اجتمعا صار التجاوز أتمّ في الفعل والوجه.
مواضع التلاقي في آية واحدة (4)
﴿ وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ﴾
مدلول الآية
مدلول الآية أن إرادة الردّ عن الإيمان ليست اعتراضًا نظريًا ولا اختلافًا مجردًا، بل ميلٌ عاملٌ يريد نقل المخاطبين من حال اعتمادهم على الحق بعد ظهوره إلى حال ستره. تتعاقب القَولات لتكشف مصدر هذه الإرادة: «من أهل الكتاب» يحدد جهة لها اختصاص بالكتاب، و﴿حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ ينقل الدافع إلى ضيق ذاتيّ صادر من الداخل، لا إلى حجة. ثم يضبط «من بعد ما تبين لهم الحق» ثقل الجرم؛ فالرغبة جاءت بعد انكشاف لا قبل التباس.… التحليل الكامل ←
﴿ فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ﴾
مدلول الآية
مدلول الآية أن نقض الميثاق لم يبق حدثًا سابقًا منفصلًا، بل صار علةً متفرعةً عليها ثلاثة آثار: إبعاد، وتصير القلوب في حال قسوة، وسلوك تحريف ونسيان وخيانة ينكشف تباعًا. ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم﴾ يجعل الحكم نتيجة للنقض لا وصفًا عامًا للجماعة، و﴿مِّيثَٰقَهُمۡ﴾ يحفظ ثقل الربط الذي أُحكم عليهم. ثم لا تقف الآية عند تقرير العقوبة؛ إذ تنقل الخطاب إلى تدبير الرسول: ﴿فَٱعۡفُ﴾ و«وَٱصۡفَحۡ» بعد ﴿إِلَّا قَلِيلٗا﴾ يمنعان تحويل الخيانة… التحليل الكامل ←
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ﴾
مدلول الآية
مدلول الآية أنّ الإيمان لا يعفي بيت المؤمن من احتمال مزاحمة طريق الطاعة، ولا يحوّل القرابة كلّها إلى عداوة. ﴿إِنَّ مِنۡ﴾ يثبت وجود بعضٍ صادر من دائرة الأزواج والأولاد، و﴿عَدُوّٗا لَّكُمۡ﴾ يجعل الخطر عائدًا على المخاطبين في جهة الموالاة والطاعة لا في أصل الرحم. لذلك جاء الأمر ﴿فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ﴾ يقظةً عملية لا قطيعة. ثم يعطف الشرط باب المعالجة: ﴿تَعۡفُواْ﴾ إسقاط مؤاخذة، و﴿وَتَصۡفَحُواْ﴾ تجاوز إعراض، و﴿وَتَغۡفِرُواْ﴾… التحليل الكامل ←
لطائف هذا التضايُف
- العفو يرفع أثر المطالبة، والصفح يطوي المعاتبة الظاهرة.
- قوة الرفع لصفح لا تجعله ضدا بل قرينا وظيفيا.
- العفو يسقط أثر المؤاخذة، والصفح يصرف الوجه عن التعلق بها.
- اقتران الفعلين يمنع جعلهما متطابقين أو ضدين.
أسئلة شائعة
ما العلاقة بين جذر صفح وجذر عفو في القرءان؟
العلاقة بينهما: تكامُل / تَضايُف لا تَضادّ (في الآية نفسها). لا يملك عفو ضدا نصيا مباشرا، لكن له علاقات مكمّلة قوية يجب تمييزها عن الضدية. صفح أعلى الجذور المجاورة لأنه يجاور العفو في إسقاط المؤاخذة والمعاتبة، وغفر يجاوره في رفع أثر الذنب بالستر، وكسب يقترن به لأن العفو يقع عن كثير مما كسبت الأيدي، لا لأنه ضد الكسب. أما حبب وفضل وقرب ووسع فهي دوافع أو سياقات إحسان، ونسي/نسو يظهران من باب النساء أو ترك الذكر لا من باب ضد العفو، وحلم صفة أناة بعد الإسقاط. لذلك تكون العلاقة الرئيسة مكمّلة لا ضدية،… العلاقة بينهما: تكامُل / تَضايُف لا تَضادّ (في الآية نفسها). لا يملك عفو ضدا نصيا مباشرا، لكن له علاقات مكمّلة قوية يجب تمييزها عن الضدية. صفح أعلى الجذور المجاورة لأنه يجاور العفو في إسقاط المؤاخذة والمعاتبة، وغفر يجاوره في رفع أثر الذنب بالستر، وكسب يقترن به لأن العفو يقع عن كثير مما كسبت الأيدي، لا لأنه ضد الكسب. أما حبب وفضل وقرب ووسع فهي دوافع أو سياقات إحسان، ونسي/نسو يظهران من باب النساء أو ترك الذكر لا من باب ضد العفو، وحلم صفة أناة بعد الإسقاط. لذلك تكون العلاقة الرئيسة مكمّلة لا ضدية، والشاهد الدلالي هو جمع العفو والصفح والغفر في مواضع واحدة مع اختلاف وظائفها.
كم مرة يلتقي جذر صفح وجذر عفو في آية واحدة؟
يلتقيان في 4 آية يجتمع فيها الجذران معًا. من ذلك قوله تعالى في البَقَرَة آية 109.
ما مفهوم جذر صفح في القرءان؟
صفح يدل على الصرف والإعراض بحسب المتعلّق والسياق؛ فيأتي تجاوزًا في التعامل مع المسيء، ويأتي في السؤال عن صرف الذكر عن المسرفين. فلا يلزم من كل استعمال ترك المؤاخذة، ولا يدل اقترانه بالعفو والمغفرة على مراتب متتابعة.
ما مفهوم جذر عفو في القرءان؟
عفو = تَركُ الأخذِ بما للفاعل أن يأخذ به: مؤاخذةِ ذنبٍ، أو حقِّ قصاصٍ، أو حقٍّ ماليٍّ في سياق الطلاق، أو مشاحّةٍ في أخذٍ وإنفاق، أو كشفِ ما أُخفي ﴿وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ (سورة المَائدة ١٥). ويجيء لازمًا في زوال أثر النقص السابق ﴿حَتَّىٰ عَفَواْ﴾ (سورة الأعرَاف ٩٥). وتلتقي هذه السياقات في الإسقاط والتوسعة وترك المطالبة، مع تمييز الاستعمال اللازم من العفو عن ذنبٍ أو حقٍّ.
ما خلاصة الفرق بين صفح وعفو؟
العفو والصفح في هذه الآيات ليسا ضدين. العفو يترك أثر المؤاخذة أو المطالبة، والصفح يطوي العتاب والالتفات إلى الخطأ؛ فإذا اجتمعا صار التجاوز أتمّ في الفعل والوجه.