الخلل بين القلب والجسد
يضع هذا الموضوع لفظ المرض في موضعين متمايزين متجاورين: موضعٌ في القلب، وموضعٌ في الإنسان حين تعترضه حالٌ تؤثّر في بعض ما يتوجّه إليه من عمل. والسؤال الذي تجمعه الآيات ليس عن تسمية واحدة تستوي في كل مقام، بل عن الكيفية التي يظهر بها الخلل: أهو في القلب فيتصل بالارتياب والقول والفعل وما يخفى، أم هو حالٌ جسديّة تقترن باليُسر ورفع الحرج وتبديل ما يلائم القدرة؟
تبدأ الصورة القلبية بحركة زيادة لا سكون فيها: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ﴾ سورة البَقَرَة ١٠. وتقابلها الصورة الجسدية التي ترد فيها الحال سببًا لترتيب التيسير، كما في سورة البَقَرَة ١٨٤ و١٨٥ وسورة النِّسَاء ٤٣ وسورة المَائدة ٦. فالموضوع يرسم تمييزًا دقيقًا بين خللٍ يضاف إلى القلب وتتبدّى آثاره في الموقف، وحالٍ جسدية تدخل في بناء الأحكام دون أن تجعل صاحبها موضع ذمّ بذاتها.
جذر الخلل الناقص للسلامة
الجذر المعروض هو «مرض»، وخلاصته المحكمة: خلل يعتري القلب أو الجسد فينقص سلامته وقدرته. وتعرض الآيات هذه الخلاصة في وجهيها من داخل الاستعمال نفسه. ففي القلب لا يقف اللفظ عند تسمية باطنة مجردة؛ إذ يصل إلى قولٍ مفضوح أو خوفٍ أو ارتياب أو أضغان: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ سورة النور ٥٠.
وفي الجسد تظهر القدرة الناقصة في صلة مباشرة بالفعل المطلوب: فالمريض أو من به أذى من رأسه له فدية في سورة البَقَرَة ١٩٦، والمرضى مع الأذى من مطر يجيز لهم وضع الأسلحة مع بقاء الحذر في سورة النِّسَاء ١٠٢. فلفظ المرض يحفظ جهة الخلل في الموضعين، لكنّ ما يجاوره في الآيات هو الذي يبيّن هل الخلل في القلب وآثاره، أم في الجسد وما يترتب على حاله.
مسارات المرض وآثاره
مرض القلب: زيادةٌ وانكشافٌ وابتلاء
تتكرر صيغة ﴿ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ في مواقع تجعل المرض مقترنًا بما يخرج إلى العلن. ففي سورة المَائدة ٥٢ تأتي المسارعة مصحوبةً بقول الخشية، وفي سورة الأنفَال ٤٩ يأتي القول في الدين، وفي سورة الأحزَاب ١٢ يرد قول الغرور، وفي سورة مُحمد ٢٠ يظهر النظر عند ذكر القتال، وفي سورة المُدثر ٣١ يرد السؤال عن المثل. وليس التكرار ترديدًا للاسم وحده؛ فكل موضع يكشف وجهًا من انتقال ما في القلب إلى قول أو حركة أو نظر.
وتضيف آيات أخرى طبقاتٍ إلى هذا المسار. ففي سورة التوبَة ١٢٥ زيادةٌ متصلة بالرجس، وفي سورة مُحمد ٢٩ سؤال عن إخراج الأضغان، وفي سورة الحج ٥٣ يجعل ما يلقي الشيطان فتنةً للذين في قلوبهم مرض وللقاسية قلوبهم. وتبلغ الصورة في سورة البَقَرَة ١٠ ذروة وصل الخلل بالكذب والعذاب، بينما يضع سورة الأحزَاب ٦٠ المرضى في القلب بجوار المنافقين والمرجفين. وهكذا لا تُقرأ الإضافة إلى القلب بوصفها اسمًا ساكنًا؛ بل بوصفها حالًا تظهر حولها زيادة وفتنة وكشفٌ لما أُسرّ.
القول ومحلّ الطمع
يمدّ سورة الأحزَاب ٣٢ هذا الخيط إلى مجال القول، فيأمر بقول معروف ويجعل الخضوع بالقول موضع طمع الذي في قلبه مرض: ﴿فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا﴾ سورة الأحزَاب ٣٢. فالآية لا تعزل المرض عن المحيط الذي تظهر فيه آثاره، بل تصل بين هيئة القول وطمعٍ ينسب إلى قلبٍ مريض. ويقابل هذا سورة النور ٥٠ حيث يأتي المرض في سؤال متتابع مع الارتياب والخوف، فيتحدد المحور من خلال آثارٍ تعرضها الآيات، لا من خلال دعوى غير معروضة.
المرض الجسدي وبناء اليُسر
في الجانب الجسدي، يعود المريض في مقام الصيام مع السفر وتُجعل العدة من أيام أخر في سورة البَقَرَة ١٨٤ و١٨٥؛ ثم يصرّح الموضع الثاني باليُسر ونفي إرادة العسر. ويعود المرض مع الغسل والتيمم في سورة النِّسَاء ٤٣ وسورة المَائدة ٦، فيكون عدم الماء مع المرض أو السفر من السياق الذي ينتقل إلى التيمم. فهذه الآيات لا تصف المرض باعتباره انقطاعًا عن العمل، بل تجعله حاضرًا في ترتيب طريقٍ آخر للعمل.
ويتسع هذا المسار في مواضع الحرج. فـسورة التوبَة ٩١ يرفع الحرج عن الضعفاء والمرضى ومن لا يجدون ما ينفقون بشرط النصح، وسورة النور ٦١ وسورة الفَتح ١٧ يذكران المريض مع الأعمى والأعرج في نفي الحرج. وفي سورة المُزمل ٢٠ يرد المرضى ضمن تنوع أحوال الجماعة، ثم يأتي الأمر بقراءة ما تيسر. وتلخّص سورة الشعراء ٨٠ وجهًا آخر من وجهة صاحب المرض: ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ﴾ سورة الشعراء ٨٠. وبين الفدية في سورة البَقَرَة ١٩٦، ووضع السلاح مع الحذر في سورة النِّسَاء ١٠٢، والتيسير في الصيام والطهارة، يتبين أن المرض الجسدي يلازم أحكامًا تحفظ المقصود مع مراعاة الحال.
الفروق عند حدود الشواهد
أوثق المجاورات هو القلب؛ إذ يرد المرض مضافًا إليه في مواضع كثيرة. لكن عيّنة القلب تعرض أيضًا الختم والقسوة: ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ سورة البَقَرَة ٧، و﴿ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗ﴾ سورة البَقَرَة ٧٤. أما المرض فيتفرّد في شواهده بالزيادة وبالطمع والارتياب والأضغان؛ فلا يحل اسم القلب محلّه من غير أن تضيع هذه الروابط.
ويختلف عن «ما في صدره»؛ فالشواهد هناك تدور حول الإخفاء والعلم بما تخفي الصدور، مثل ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُ﴾ سورة آل عِمران ٢٩، بينما المرض يسمّي خللًا مخصوصًا ويعرض أثره. ويختلف عن اللسان الذي يركّز على ليّ الألسنة والقول، وإن كان مرض القلب يلتقي به عند طمعٍ يتصل بهيئة القول. أما المشي فيعرض حركة الدواب أو هيئة السير، والموت والحياة يعرضان الإحياء والإماتة، والنكس يعرض تنكيس الخلق أو الرؤوس؛ فلا تقوم هذه الشواهد مقام المرض الجسدي الذي يدخل في الفدية والتيمم ورفع الحرج.
وتبيّن عينات النطفة والمستقر والمستودع زاوية الخلق والمآل، لا زاوية الخلل الذي يعرض في القلب أو الجسد. لذلك تتصل الموضوعات في الإنسان، لكن لكل واحد منها حدّه الذي تحفظه شواهده.
توزيع يكشف ازدواج الموضوع
الآيات الموثقة للموضوع 23، منها 23 محورية و0 ذات صلة؛ ولذلك تظهر مادته مكتفيةً بمواضعها المباشرة ولا تحتاج محورًا مبنيًا على خلفية مساندة. ويكشف العدّ الحاكم ازدواجًا واضحًا بين مرض القلب والمرض الجسدي، بينما تبرز البَقَرَة بأربعة مواضع، والأحزَاب بثلاثة، ثم النِّسَاء والمَائدة والتوبَة بموضعين لكل منها.
وليست الكثرة في البَقَرَة مجرد تجمّع؛ ففيها المرض في القلب، والصيام، والأذى من الرأس، فتجمع طرفي الموضوع في مواضع متقابلة. وفي الأحزَاب تتجاور آثار المرض القلبي في القول والوعد، ويَرِد المرجفون معطوفين على الذين في قلوبهم مرض. أما النِّسَاء والمَائدة فتلتقيان في المرض مع التيمم، وتضم التوبَة زيادة المرض في القلب ورفع الحرج عن المرضى. بهذا التوزيع ترى القراءة الجامعة أن اللفظ الواحد يتحرك بين باطن الإنسان وحاله الجسدية، مع انتظام كل وجه في سياقات تميّزه.
خيوط الإنسان الظاهرة والخفية
يفتح المرض خيطًا إلى القلب حين تُعرض فيه الزيادة والطمع والارتياب، وإلى ما في الصدور حين يظهر الفرق بين الخلل المسمى وبين المكنون الذي يعلمه الله. ويفتح خيطًا آخر إلى اللسان والقول، لأن سورة الأحزَاب ٣٢ يجعل هيئة القول متصلة بطمع الذي في قلبه مرض. كما يتصل بالمشي اتصالًا جسديًا غير متطابق: فالمشي يصف الحركة وهيئتها، بينما المرض يرد في نفي الحرج عن المريض مع الأعمى والأعرج. ويتصل بالموت والحياة من جهة حفظ الإنسان وشفائه، غير أن عبارة الشفاء في سورة الشعراء ٨٠ تبقي المرض حالًا مغايرًا لمسار الإحياء والإماتة.