جعلٌ في الأرض يَسأل عن العمل
يقع موضوع خلائف في باب الإنسان عند خلقه، غير أنّ آياته لا تقف عند ابتداء الوجود؛ بل تجعل الأرض موضعًا يتعاقب فيه الناس، ويُسأل فيه اللاحق عمّا يصنع. وتُفتتح الصورة بجعل خليفة في الأرض وبذكر إمكان الإفساد وسفك الدماء: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ سورة البَقَرَة ٣٠. ثم تتكرر الخلائف في الأرض مقترنة بالنظر في العمل، وبالحق والهوى، وبالإيمان والكفر؛ فالسؤال المركزي ليس عن مجرّد الحضور في الأرض، بل عن الوجه الذي يأخذه هذا الحضور بعد من سبق.
الأثر الباقي بين سابق ولاحق
تجمع ألفاظ الموضوع من الجذر خلف صورة اللاحق الذي لا يُقرأ منعزلًا عن سابقه: فقد يكون بعده، أو مخالفًا له، أو قائمًا في موضعه. لذلك لا تأتي الخلافة هنا وصفًا ساكنًا؛ بل تنبّه إلى انتقالٍ يبقى فيه السابق حاضرًا في تحديد ما يليه. ويكشف قوله: ﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ﴾ سورة الأنعَام ١٣٣ أن اللاحق نفسه داخل سلسلة سابقة عليه، فلا يملك أن يجعل موقعه أصلًا منقطعًا. وبين خليفة وخلائف واستخلاف ومستخلفين تتبدل جهة النظر: فردٌ يُخاطب، وجماعات تتعاقب، وانتقال يقع، وشيء يكون المرء مستخلفًا فيه.
التعاقب في الأرض تحت ميزان العمل
في بعض مواضع الخلائف يظهر الابتلاء لا وصفًا ملازمًا لكلّ سياقاتها. يصرح النص بأن تفاوت الناس فيما أوتوا داخل الجعل نفسه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ﴾ سورة الأنعَام ١٦٥. ويعيد هذا المعنى بصيغة النظر إلى الفعل: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ﴾ سورة يُونس ١٤. فلا تحجب صفة الخلائف المسؤولية الفردية: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ إِلَّا مَقۡتٗاۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ إِلَّا خَسَارٗا﴾ سورة فَاطِر ٣٩. ويظهر هذا في ما جُعل المخاطبون مستخلفين فيه: ﴿ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ﴾ سورة الحدِيد ٧.
وفي خطاب فردٍ بعينه يظهر الحدّ العملي للخلافة: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ سورة صٓ ٢٦. وفي جماعة مؤمنة يرتبط الاستخلاف بالعمل الصالح والعبادة والأمن: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ سورة النور ٥٥. وتأتي الخلائف بعد كشف السوء في سياق سؤال يرفض جعلها منسوبة إلى غير الله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ سورة النَّمل ٦٢.
والاستخلاف تعاقبٌ قابل للاستبدال. تُظهر الآيات سلسلة متصلة: قوم ينشؤون من ذرية قوم آخرين، ثم يجيء قوم بعد قوم، ولا يضمن السابق بقاءه. ﴿أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ وَزَادَكُمۡ فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ سورة الأعرَاف ٦٩. ثم يتكرر النداء لجماعة جاءت بعد عاد، مع وصل التبوئة في الأرض بالنهي عن الإفساد: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ﴾ سورة الأعرَاف ٧٤. ويبلغ التبدل صورة النجاة ثم الجعل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ خَلَٰٓئِفَ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ﴾ سورة يُونس ٧٣. وتؤكده إمكانية ذهاب المخاطبين ومجيء غيرهم: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ﴾ سورة هُود ٥٧. وتأتي صيغة «عسى» في هلاك العدو واستخلاف المخاطبين، مقرونة بالنظر في العمل: ﴿قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ﴾ سورة الأعرَاف ١٢٩.
ما الذي تضيفه الخلائف إلى خلق الإنسان
يمتاز الموضوع عن بدء الخلق بأن الشاهد هناك يضع النظر عند الإيجاد: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ سورة آل عِمران ٥٩؛ أمّا الخلائف فتضعه عند ما يأتي بعد السابق في الأرض وما يترتب عليه من عمل. وموضوع نفس واحدة يبرز جهة المنشأ الجامع والمستقر والمستودع: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ﴾ سورة الأنعَام ٩٨، بينما الخلائف تجعل التعاقب والقيام في الأرض بؤرتها.
والاصطفاء يتجه إلى اختيار شخص أو دين أو ملك؛ ويظهر في قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ سورة البَقَرَة ٢٤٧؛ أمّا الخلافة فلا تكتفي ببيان الاختيار، بل تسوق الحكم بالحق والنظر في العمل. والتكريم يبرز في علاقات الإحسان والخطاب: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾ سورة الإسرَاء ٢٣؛ فلا يستبدل محور الخلائف الذي يربط الإنسان بمن قبله ومن بعده.
كثافة الأرض وتكرار التعاقب
تتوزع تسع عشرة آية موثقة للموضوع بين أربع عشرة آية محورية وخمس آيات ذات صلة؛ وهذا يجعل الصيغة المباشرة هي الغالبة، فيما تُظهر الآيات المساندة صورًا دقيقة من القيام مقام الغائب، ومن الخلف الذي لا يفي بما ورث. ويظهر الأعرَاف بست آيات، فيجعل التعاقب بين الجماعات ظاهرًا متصلًا بالذكر والإصلاح والإفساد. وتحضر الأنعام بآيتين ويُونس بآيتين، أما البقرة وهود فلكل منهما آية واحدة؛ فتتجاور بداية الجعل، وإمكان الاستبدال، ومآل العمل دون أن تنحصر الصورة في موضع واحد.
خيوط الخلف والإصلاح والوراثة
تفتح الآيات ذات الصلة خيطًا يميز بين الاستخلاف في الأرض وبين أن يخلُف إنسانٌ غيره في قومه؛ ففي سورة الأعرَاف ١٤٢ يقترن القيام مقام الغائب بالإصلاح وترك سبيل المفسدين، وفي سورة الأعرَاف ١٥٠ يظهر تقويم ما وقع بعده. كما تكشف سورة الأعرَاف ١٦٩ وسورة مَريَم ٥٩ أن مجيء الخلف لا يحمل في ذاته صلاحًا؛ إذ قد يتصل بوراثة الكتاب ثم الانصراف عنه. وهكذا يمتد الموضوع إلى بدء الخلق ونفس واحدة واصطفاء وتكريم، مع احتفاظه بسؤاله الخاص: كيف يعمل اللاحق في الموضع الذي صار إليه؟