قَ
قَولات
موسوعة جذور القرءان
المَوضوعاتالمال والمعاملات والقانون ‹ المال والتجارة والقانون ‹ الأمانة

الإسراف

7 آياتٍ موثَّقة · 4 آياتٍ محوريّة · 3 آياتٍ ذات صلة
موضوع «الإسراف» في القرءان الكريم — 7 آياتٍ موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
الجذور الحاملة: قتر

قراءة في الموضوع

السرفُ سؤالُ القِوام في المال وما يتجاوزُه

يقع الإسراف في باب الأمانة ضمن المال والتجارة والقانون، لكن آياته المحورية لا تحصره في مقدارٍ ماليّ مجرد. فهي تبدأ بمال اليتيم، وتصل إلى الثمرة والحصاد، ثم الطعام والشراب، وتضع الإنفاق بين طرفين متقابلين. والسؤال الذي تصوغه هذه الآيات هو: كيف يُستعمل ما في اليد استعمالًا يحفظ الحق ولا يقلب الوفرة أو الولاية إلى تعدٍّ؟

تجعل آية اليتامى السؤال أمانةً مؤجلةً إلى صاحب المال؛ فالدفع معلّق بالرشد، والأكل من المال منهيّ عنه إذا صار إسرافًا أو مبادرةً قبل أن يكبر أصحابه. ثم يأتي الحصاد ليصل الإيتاء بالنهي، وتأتي الزينة والطعام والشراب لتمنع أن يُفهم النهي على أنه إلغاء للانتفاع. وتختم الآيات المحورية بلفظ القوام: ليس المطلوب يدًا مغلولة ولا يدًا مبسوطة كل البسط، بل موضعًا بين الإسراف والتقتير.

سرفٌ يتجاوز القِوام وقترٌ يحبس العطاء

تجمع خلاصة جذر «سرف» بين صور متباعدة ظاهرًا: التعدي في الأمر والمال والطعام والقتل والشهوة والكفر والنفس. وتدل الشواهد المعروضة على هذا الاتساع؛ فليس اللفظ وصفًا للإنفاق وحده، وإن كانت آيات المال تجعله ظاهرًا فيه. وفي المقابل يجمع جذر «قتر» ضيق العطاء، وانقباض النفس، وغشاء الكدر على الوجه؛ ولذلك لا يقف القوام في آية الإنفاق عند كفّ الإسراف، بل يرفض التقتير معه في عبارة واحدة: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا﴾سورة الفُرقَان ٦٧.

ويكشف الشاهد الآخر أن القتور ليس مجرد قلة في الموجود، بل إمساكٌ عند تصوّر الإنفاق: ﴿قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا﴾سورة الإسرَاء ١٠٠. فالجذران لا يرسمان طرفين ماليين ساكنين؛ بل يكشفان حركةً في التصرف: اندفاعًا يتجاوز الحد، أو إمساكًا يحبس العطاء، وبينهما قوام يضبط الفعل.

القِوام يحرس الحقَّ والانتفاعَ معًا

في مال اليتيم، لا يرد الإسراف نهيًا عن الإنفاق الشخصي فحسب، بل نهيًا عن استهلاك حقٍّ مودع في الولاية: ﴿وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾سورة النِّسَاء ٦. وتتجاور في الآية الرشد، والدفع، والاستعفاف، والمعروف، والإشهاد؛ فيظهر الإسراف هنا مهددًا للأمانة ولزمن تسليمها معًا.

وفي الثمرة والطعام لا يقع النهي بعد منع النعمة، بل في داخل الإذن بها. فالآية تجمع اختلاف الأكل، والأمر بالأكل، وإيتاء الحق يوم الحصاد، ثم النهي: ﴿۞ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾سورة الأنعَام ١٤١. ويؤكد خطاب بني آدم البنية نفسها: ﴿۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾سورة الأعرَاف ٣١. فالانتفاع مأذون، لكنّه لا ينفصل عن حدٍّ يحفظه وعن حقٍّ يخرج منه.

وتصوغ آيتا الإنفاق القوام بصورة مقابلة. الأولى تجعل بسط اليد كله نهايةً إلى اللوم والحسرة: ﴿وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا﴾سورة الإسرَاء ٢٩. والثانية تسمّي الوسط قوامًا. بهذا لا يكون القوام تسويةً باهتة بين طرفين، بل قدرةً على منع ضياع المال ومنع حبس العطاء في وقت واحد.

وخارج المال يثبت اتساع السرف. فهو إقرارٌ بإسراف في الأمر في سورة آل عِمران ١٤٧، وتجاوز في القتل مع إثبات سلطان الولي في سورة الإسرَاء ٣٣، ووصفٌ للشهوة في سورة الأعرَاف ٨١، وللعلو في الأرض في سورة يُونس ٨٣ وسورة الدُّخان ٣١، وللتكذيب والارتياب في سورة غَافِر ٢٨ و٣٤، وللكفر بالآيات في سورة طه ١٢٧. كما تتكرر عاقبته أو التحذير منه في سورة الأنبيَاء ٩ وسورة الشعراء ١٥١ وسورة يسٓ ١٩ وسورة غَافِر ٤٣ وسورة الزُّخرُف ٥ وسورة الذَّاريَات ٣٤. هذه السلسلة تمنع اختزال الموضوع في حساب النفقة: فالمقياس الذي يحرس مال اليتيم والحصاد يفتح قراءةً أوسع لكل فعل يتعدى حدَّه. ومع ذلك يبقى باب الرجوع حاضرًا لمن أسرف على نفسه: ﴿۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾سورة الزُّمَر ٥٣.

حدودٌ تفصل الإسراف عن أشقّائه

أوثق مجاورة هي التبذير، لأن الشاهدين يردان في الإيتاء والإنفاق؛ غير أن التبذير يركّز نهيه في هذا الموضع: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا﴾سورة الإسرَاء ٢٦، بينما يمتد الإسراف في شواهده إلى الطعام والقتل والأمر والنفس. فلا يستبدل أحدهما بالآخر من غير أن تضيع هذه السعة.

والبخل يصف حبس ما أُوتي الإنسان، كما في ﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ﴾سورة التوبَة ٧٦؛ أما الإسراف فيعرض تجاوز الحد في الاستعمال، ويقرن آية القوام به وبالتقتير معًا. والكيل والميزان يحددان وفاءً في معاملة مقيسة: ﴿فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ﴾سورة الأعرَاف ٨٥، في حين يكشف الإسراف حدًّا في التصرف لا ينحصر في الكيل.

أما الغنى والفقر فيظهران في الولاية لتفريق حال الغني عن الفقير وبيان الأكل بالمعروف، ويظهر الطمع في توقّع الزيادة: ﴿ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ﴾سورة المُدثر ١٥. والبطر يصف موقفًا من المعيشة: ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَا﴾سورة القَصَص ٥٨. أما الإسراف فيجمع هذه الحدود حين يتحول المال أو الشهوة أو السلطان أو الاعتقاد إلى تجاوز للقوام.

خريطةٌ عدديةٌ تكشف سعة الباب

تضم المادة أربعًا وعشرين آية موثقة: خمس آيات محورية وتسع عشرة ذات صلة. وهذه النسبة تجعل المحور المالي واضحًا ومركزًا، ثم تحيطه شبكةٌ أوسع تمنع قصر اللفظ عليه.

وتتقدم الإسراء وغافر بثلاث آيات لكل منهما؛ ثم الأعرَاف ويونس بآيتين لكل منهما؛ وتظهر النِّسَاء بآية. ويكشف هذا التوزع أن المال ليس مدخلًا عارضًا للموضوع: فآية اليتامى تجعل الأمانة موضع اختبار مباشر، وتعيد مواضع أخرى لفظ السرف إلى القتل والإنفاق والإنسان، ثم توسع غافر دائرة الوصف إلى الكذب والارتياب والنار.

من أمانة المال إلى أمانة النفس

يفتح القوام خيطًا يصل أمانة الولاية في سورة النِّسَاء ٦ بحق الحصاد في سورة الأنعَام ١٤١، وبالإنفاق في سورة الفُرقَان ٦٧. ويفتح جذر قتر خيطًا مقابلًا يبيّن أن النجاة من الإسراف لا تكون بانغلاق اليد. ثم تمتد آيات السرف على النفس والأمر والقتل لتجعل حفظ الحد جامعًا بين ما يملكه الإنسان وما يفعله وما يوقعه على غيره.

المواضع في القرءان

4 آياتٍ محوريّة
سورة الأنعَام ١٤١
۞ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ
مدلول الآية
سورة الأعرَاف ٣١
۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ
مدلول الآية
سورة الإسرَاء ٢٩
وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا
مدلول الآية
سورة الفُرقَان ٦٧
وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا
مدلول الآية
3 آياتٍ ذات صلة
سورة البَقَرَة ٢٣٦
لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ
مدلول الآية
سورة يُونس ١٢
وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
مدلول الآية
سورة الإسرَاء ١٠٠
قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا
مدلول الآية

موضوعات ذات صلة