جَذر يبس في القُرءان الكَريم — ٤ مَوضعًا

الحَقل: أنواع النباتات والأشجار والفواكه · المَواضع: ٤ · الصِيَغ: ٤

التَعريف المُحكَم لجَذر يبس في القُرءان الكَريم

«يبس» هو خلو الشيء من الرطوبة أو الماء حتى يظهر جفافه أو صلابته، فيقابل الرطب والخضر ويظهر في طريق البحر اليابس.

الخُلاصَة الجَوهَريّة

الجذر قليل ومحكم: يابس مقابل رطب، ويابسات مقابل خضر، ويبسًا في البحر مقابل حال الماء. لذلك زاويته ليست الجفاف العام وحده، بل الجفاف حين يظهر مقابِلًا للرطوبة أو الخضرة أو البحر.

المَفهوم القُرءانيّ لجَذر يبس

«يبس» يدل على زوال الرطوبة أو خلو الموضع من الماء حتى يصير صالحًا للمشي أو مقابِلًا للخضرة والرطوبة. يرد في أربعة مواضع فقط.

- يابس في مقابل رطب: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾. - سنبلات يابسات في مقابل خضر: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ﴾، ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾. - طريق في البحر يبسًا: ﴿وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ﴾.

الآية المَركَزيّة لِجَذر يبس

الأنعام 59 — ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾

هذه الآية مركزية لأنها تضع «يابس» في تقابل نصي مباشر مع «رطب».

المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة

الصيغ المعيارية في `wn`: يابس: 1، يابسات: 2، يبسا: 1. أما صور `wt` الرسمية فهي أربع صور بعد احتساب الرسم والضبط وعلامة الوقف: يَابِسٍ في الأنعام 59، يَابِسَٰتٖۖ في يوسف 43، يَابِسَٰتٖ في يوسف 46، ويَبَسٗا في طه 77.

- يابس: مفرد نكرة في سياق الجمع بين الرطب واليابس. - يابسات: جمع مؤنث يتكرر في رؤيا يوسف ثم في طلب تأويلها. - يبسا: مصدر/وصف جامد للطريق في البحر، فينقل الجذر من النبات إلى موضع خال من الماء.

المَواضع القُرءانيّة لِجَذر يبس

إجمالي المواضع من `data/data.json`: 4 كلمات في 4 آيات، بلا تكرار داخل الآية الواحدة. ترتيب الصفوف هو: الأنعام 59 ثم يوسف 43 ثم يوسف 46 ثم طه 77. صيغ `wn` المعيارية ثلاث: يابس، يابسات، يبسا؛ وعدها 1/2/1. صور `wt` الرسمية أربع لأن موضع يوسف 43 يأتي بعلامة وقف في `يَابِسَٰتٖۖ` بينما يوسف 46 يأتي `يَابِسَٰتٖ` بلا هذه العلامة، ومعهما `يَابِسٍ` و`يَبَسٗا`. لذلك لا يدمج العد الرسمي بين الرسمين عند الحديث عن صور `wt`، مع بقاء صيغة `wn` واحدة هي يابسات في الموضعين.

سورة الأنعَام — الآية 59
﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾
سورة يُوسُف — الآية 43
﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ﴾
سورة يُوسُف — الآية 46
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾
عرض 1 آية إضافية
سورة طه — الآية 77
﴿وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ﴾

القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر

القاسم المشترك: زوال أثر الرطوبة أو الماء. في النبات يظهر يبسه في مقابل الخضر، وفي الطريق يظهر يبس البحر حين يصير مسلكًا لا غمرًا.

مُقارَنَة جَذر يبس بِجذور شَبيهَة

- يبس يختلف عن جف: الجذر جف غير مستعمل في هذه المواضع، أما يبس فالنص يستعمله في تقابل مع الرطب والخضر والبحر. - يبس يختلف عن قحل: لا يرد هنا وصف أرض مقفرة، بل حالة شيء أو طريق خال من الماء. - يبس يختلف عن صلد: الصلادة صفة قسوة، واليبس صفة انعدام رطوبة.

اختِبار الاستِبدال

لو قيل «ولا رطب ولا جاف» في الأنعام 59 لفات اللفظ القرآني الذي يقابل الرطب باليابس. ولو قيل «طريقًا في البحر جافًا» في طه 77 لفات معنى الطريق الذي صار يبسًا داخل البحر نفسه.

الفُروق الدَقيقَة

موضعا يوسف ليسا مجرد تكرار؛ الأول صيغة الرؤيا، والثاني صيغة طلب التأويل. أما طه 77 فينقل الجذر من النبات إلى الطريق، لكنه يحفظ معنى خلو المسلك من الماء.

الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه

هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: أنواع النباتات والأشجار والفواكه.

الجذر يتصل بحقل الرطوبة واليبس مباشرة، وبالماء والبحر في طه 77، وبالنبات والثمار في موضعي يوسف. هذا التعدد قليل ومنضبط بشواهد أربعة.

مَنهَج تَحليل جَذر يبس

استُعملت كل مواضع الجذر لشدة قلته، وثُبت التقابل النصي مع رطب لأن الجذر المقابل يحيل عكسيًا إلى يبس.

الجَذر الضِدّ

الجذر الضد: رطب.

التَّقابل البِنيوي: «يبس» في القرءان جَذر فَقد المَاء وانقِطاع الحَياة الخَضِرَة، يَدُلُّ على ما جَفَّ وانقَطَعَ سَريانه فاستَوَى راسِخًا ساكِنًا (سُنبُلَة جَفَّت بَعد خُضرَة، أَو طَريقٌ جافٌّ ضُرِبَ في بَحر). أَمَّا «رطب» فجَذر النَّداوَة الحَيَّة، يَدُلُّ على ما اكتَنَزَ ماءَه فبَقي طَريًّا قابِلًا للسُّقوط الجَنِيِّ والإِنبات والإِثمار. التَّقابُل البِنيويُّ بَين الجَذرَين قُطبيٌّ صَريحٌ في طَبيعَتَيهما: «يبس» = جَفافٌ راسِخٌ يُثَبِّت الجِسم بَعد أَن غادَرَ المَاءُ خَلاياه، و«رطب» = حَياةٌ سارِيَة في الجِسم النَباتيِّ تَدِبُّ فيه ماءً. ولأَنَّ الجَذرَين كِلاهما قَليلٌ جِدًّا في القرءان (يبس في أَربعة مَواضع، ورطب في مَوضِعَين فقط)، فقد جَمَعَهما القرءان في مَوضِعٍ واحِدٍ جامِعٍ هو قوله ﴿وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ (الأَنعَام 59)، وهو أَكثَف تَقابُلٍ لَفظيٍّ بَين جَذرَين قَليلَين في القرءان كلِّه. هذا الاجتِماع الواحِد يَكشف أَنَّ القرءان لم يَستعمل التَّقابُل بَين اليُبس والرُّطوبَة استِعمالًا مُتَكَرِّرًا، بل وَضَعَه في صَيغَةٍ بَيانيَّة كُلِّيَّة استَوعَبَت طَرَفَي الحَياة النَّباتيَّة كلَّها: المَيِّت الجافُّ من المَاء، والحَيُّ المُكتَنِز بالمَاء، فلا يَخرُج عَن أَحدهما شَيءٌ من النَّبت، وكلاهما مَعلومٌ مَكتوبٌ في الكِتاب المُبين.

الآيَة المركزيَّة للتَّقابل: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ (الأَنعَام 59). تَجمَع الآيَةُ الجَذرَين في تَقابُلٍ بِنيويٍّ صَريح: «وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ» — صيغَة نَكِرَة مَنفيَّة مَجرورَة تَأتي مَعَ «لَا» المُكَرَّرَة لِيُستَوعَب طَرَفا النَّبات كلَّيهما: الحَيُّ بالماء (رطب) والمَيِّت من المَاء (يابس). ويَلتقِيان في «إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ» التي تَجمَعهما تَحت إحاطَةٍ كِتابيَّةٍ واحِدَة، فلا يَفلت يَابِسٌ ولا رَطبٌ من العِلم الإِلهيِّ المَكتوب. والاستِعمال هُنا يَستوعب كلَّ مَراحِل النَّبات: من الحَبَّة المَدفونَة في ظُلُمات الأَرض (وهي بَين الرُّطوبَة واليُبس)، إلى الوَرَقَة الَّتي تَسقُط (وهي قد تَسقُط رَطبَة وقد تَسقُط يابِسَة)، إلى ما يَنمو رَطبًا ثُمَّ يَؤول إلى يَبس، إلى ما يَيبَس ثُمَّ يُحييه المَاء فيَعود رَطبًا. كلُّ هَذه الدَورات في كِتابٍ مُبين.

الآيَات المُشتَرَكَة: يَجتَمع الجَذران في القرءان في مَوضِعٍ واحِدٍ فقط: ١. ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ (الأَنعَام 59).

أَنماط التَقابُل في القرءان:

١. الانفِراد بمَوضِعٍ جامِعٍ واحِد: التَقابُل بَين «يبس» و«رطب» في القرءان لم يَتكرَّر في أَكثَر من مَوضِعٍ واحِد، وهو الأَنعَام 59. هذا الانفِراد لافِتٌ لأَنَّ القرءان حَيث يَتقابَل جَذران غالِبًا ما يَكرِّر المَوضِع، لكنَّ هذا التَقابُل بِنيويٌّ تَعميميٌّ وَضَعه القرءان في صيغَةٍ كُلِّيَّةٍ مَرَّةً واحِدَةً تُغني عن التَّكرار، إذ هو من قَبيل الجَذرَين اللَذَين يَستوعبان طَرَفَي صِنفٍ كامِلٍ من المَخلوقات (النَّبات الجافُّ والنَّبات الحَيُّ).

٢. تَوزيع «يبس» على ثَلاث صُوَر دَلاليَّة: مَواضع «يبس» الأَربَعَة في القرءان تَتَوزَّع على ثَلاث دَلالات. الأُولى: «يَابِسٍ» في الأَنعَام 59 — وهي الصُّورَة المُجرَّدَة الجامِعَة لكلِّ نَبتٍ يابِسٍ في الأَرض (نَكِرَة مَنفيَّة مَجرورَة). الثَّانيَة والثَّالثَة: «يَابِسَٰتٖ» في يُوسُف 43 و46 — وهي صُورَة سُنبُلَة جَفَّت بَعد خُضرَة في الرُّؤيا، تَأكُلُ السُّنبُلات السِّمان ﴿سَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ﴾. وهنا التَقابُل اللَّفظيُّ ضِمنيٌّ بَين «خُضر» (الحَياة في النَّبت) و«يَابِسَٰت» (المَوت فيه)، لكنَّ القرءان لم يَستعمل «رطب» في مَوضِع «خُضر» لأَنَّ السُّنبُلَة قبلَ الجَفاف خَضراءُ لا رَطبَة. الرَّابِعَة: «يَبَسٗا» في طه 77 — صُورَة الطَّريق الجافِّ الَّذي ضُرِب في البَحر لِبَني إسرائيل ﴿فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا﴾، وهو يَبَسٌ مُعجِزٌ يَنقَلِب فيه مَوضِع المَاء إلى مَوضِع جَفاف. فالجَذر يَستوعب اليُبس النَباتيَّ (السُّنبُلات) واليُبس الجَغرافيَّ (الطَّريق في البَحر) معًا.

٣. تَقابُلُ «خُضر» مَع «يَابِسَٰت» في يُوسُف 43 و46: لاحِظ أَنَّ القرءان حَيث يَتَقابَل اليُبس مَعَ الحَياة النَّباتيَّة في غَير الأَنعَام 59 لا يَستعمل «رطب» بل يَستعمل «خُضر». فالخَضارُ يَلتقي بالنُّضرَة لا بالنَّداوَة الجَنِيَّة. والرُّطوبَة تَأتي حَيث تَكون الثَّمَرَة قد بَلَغَت غايَة نُضجها («رُطَبٗا جَنِيّٗا» في مَريَم 25). فالتَقابُل بَين «خُضر/يَابِسَٰت» تَقابُلٌ بَين طَوري النُّمُوِّ (نُضرَة وذُبول)، أَمَّا التَقابُل بَين «رطب/يابس» في الأَنعَام 59 فهو تَقابُلٌ شامِلٌ بَين كلِّ ما فيه ماءٌ من النَّبات وكلِّ ما فاتَه المَاء.

٤. التَقابُل النَكِرَة المَنفيَّة: يَأتي «يبس» في الأَنعَام 59 بِصيغَة «يَابِسٍ» نَكِرَة مَجرورَة بِلا (المَزيدَة لِلتَأكيد)، ويَأتي «رطب» بِصيغَة «رَطۡبٖ» نَكِرَة مَجرورَة بِلا أَيضًا. فالنَكِرَتان المَنفيَّتان تُفيدان عُمومَ النَّفي (لا فَرد من اليابِس ولا فَرد من الرَّطب يَفلت)، ثُمَّ يَأتي الاستثناء «إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ» لِيَستوعب كُلَّ فَردٍ منهما في الكِتاب. هذا النَّمط البَيانيُّ (لا ... ولا ... إِلَّا) يُستَعمَل في القرءان لاستِيعاب طَرَفَي صِنفٍ كامِلٍ، فدلَّ على أَنَّ «يبس» و«رطب» يَستوعبان طَرَفَي النَّبات كلَّه: المَيِّت الجافُّ من المَاء والحَيُّ المُكتَنِز بِه.

٥. تَخصُّص الصِّيَغ: «يبس» في القرءان يَأتي في صيغَة اسمِ الفاعِل «يَابِسٍ» (الأَنعَام 59) أَو جَمعِها «يَابِسَٰتٖ» (يُوسُف 43، 46)، أَو في صيغَة المَصدَر الجامِد «يَبَسٗا» (طه 77). ولا يَأتي مُطلقًا في صيغَة فِعلِيَّة (يَيبَس / يَبَسَ / أَيبَسَ)، فالجَذر في القرءان حالَةٌ تَوصِفُ شَيئًا قد جَفَّ، لا فِعلٌ يَتَطَوَّر من رُطوبَةٍ إلى يُبس. وهذا يَدُلُّ على أَنَّ القرءان يَستعمل «يبس» للدَلالَة على الحالَة المُستَقِرَّة بَعد فَقد المَاء، لا على الحَدَث الَّذي يَنقُل من رُطوبَةٍ إلى يُبس. ومثله «رطب» يَأتي في صيغَة الاسم النَّكِرَة «رَطۡبٖ» (الأَنعَام 59) أَو في صيغَة الجَمع «رُطَبٗا» (مَريَم 25)، ولا يَأتي في صيغَة فِعلِيَّة. فكِلا الجَذرَين يَدُلَّان في القرءان على حالَتَين قائمَتَين، لا على حَدَثَين مُتَغَيِّرَين.

٦. اختبار الاستبدال: لو وُضع «خُضر» موضع «رَطۡبٖ» في الأَنعَام 59 («وَلَا خُضۡرٖ وَلَا يَابِسٍ») لاختَلَّ التَقابُل الكُلِّيُّ، إذ «خُضر» يَدُلُّ على لَون النَبات في طَور النَّماء، و«رطب» يَدُلُّ على نَداوَته في كُلِّ أَطواره (حَتَّى الثَّمَرَة الجَنِيَّة كَما في مَريَم 25). ولو وُضع «جافٌّ» موضع «يَابِسٍ» (لَفظًا عامِّيًّا) لانكَسَر النَّمط القرءانيُّ، إذ «يبس» في القرءان يَدُلُّ على الجُمود الراسِخ بَعد فَقد المَاء (يَبَسٗا في طه 77 = الطَّريق الراسِخ في البَحر)، وهَذه الدَلالَة المُحدَّدَة لا تُغطِّيها كَلِمَة عامَّة. فالتَقابُل البِنيويُّ يَنكَشِف بهذا الاستِبدال: «يبس» يَستوعب كُلَّ مَا فاتَه المَاء من النَّبات أَو ضُرِبَ يَبَسًا في البَحر، و«رطب» يَستوعب كُلَّ مَا فيه ماءٌ من النَّبات.

خُلاصَة دلاليَّة: «يبس» جَذر فَقد المَاء وانقِطاع الحَياة الخَضِرَة، يَدُلُّ على حالَةٍ مُستَقِرَّةٍ بَعد جَفافٍ راسِخ (سُنبُلات يَابِسَات، طَريقٌ يَبَسٌ في البَحر، نَبتٌ يَابِسٌ في الأَرض). و«رطب» جَذر النَّداوَة الحَيَّة، يَدُلُّ على حالَةٍ مُستَقِرَّةٍ من اكتِناز المَاء (نَبتٌ رَطبٌ، رُطَبٌ جَنِيٌّ). والقرءان يَجمعهما في مَوضِعٍ واحِدٍ جامِعٍ (الأَنعَام 59) في صيغَة «وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ» يَستوعب فيها طَرَفَي النَبات كلَّيهما تَحت إحاطَةٍ كِتابيَّةٍ واحِدَة. هذا الانفِراد بمَوضِعٍ واحِدٍ يَكشف أَنَّ القرءان لا يُكَرِّر هَذا التَقابُل لأَنَّه وَضَعَه في صيغَةٍ كُلِّيَّةٍ مَرَّةً واحِدَةً تُغني عَن التَّكرار. وقَد تَفرَّقَت بَقِيَّة مَواضع كلٍّ من الجَذرَين على دَلالاتٍ مُتَنَوِّعَة (السُّنبُلات اليابِسات في الرُّؤيا، الطَّريق اليَبَس في البَحر، الرُّطَب الجَنِيُّ في النَّخل)، لكنَّها كلَّها تَدور حَول قَطبَي الحَياة النَّباتيَّة: المَيِّت من المَاء والحَيُّ بِه.

نَتيجَة تَحليل جَذر يبس

«يبس» هو خلو الشيء من الرطوبة أو الماء، ويظهر في 4 كلمات ضمن 4 آيات فقط، عبر 3 صيغ موحدة و4 رسوم مصحفية.

شَواهد قُرءانيّة من جَذر يبس

- الأنعام 59: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ - يوسف 43: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ﴾ - يوسف 46: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ - طه 77: ﴿وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ﴾

لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر يبس

- كل موضع من مواضع الجذر الأربعة يحمل صورة `wt` رسمية مختلفة، مع أن `wn` يدمج موضعي يوسف في صيغة معيارية واحدة هي يابسات. - موضعا يوسف يمثلان نصف الجذر، وكلاهما في تقابل خضر/يابسات، لكنهما ليسا تكرارًا سياقيًا تامًا: الأول داخل الرؤيا، والثاني داخل سؤال التأويل. - الأنعام 59 هو موضع الضد النصي المباشر: رطب في مقابل يابس، ولذلك يخدم قسم الضد أكثر من بقية المواضع. - طه 77 يثبت أن اليبس ليس خاصًا بالنبات؛ فقد يكون طريقًا في البحر، أي موضع ماء صار صالحًا للمشي بلا خوف درك ولا خشية.

إحصاءات جَذر يبس

  • المَواضع: ٤ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
  • الصِيَغ: ٤ صيغة فَريدة.
  • أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: يَابِسٍ.
  • أَبرَز الصِيَغ: يَابِسٍ (١) يَابِسَٰتٖۖ (١) يَابِسَٰتٖ (١) يَبَسٗا (١)