جَذر نصر في القُرءان الكَريم — ١٥٨ مَوضعًا
التَعريف المُحكَم لجَذر نصر في القُرءان الكَريم
«نصر» هو زوالُ المغلوبيّة عن جهةٍ وقيامُ الغلبة لها في موضع ضعفٍ أو خصومةٍ أو ظلمٍ، على مَسلكين: (أ) النُّصرة — قيامُ ناصرٍ مع جهةٍ إسنادًا ودفعًا للخذلان، من الله لعباده، ومن المؤمنين لله ورُسله، وطلبًا لها؛ (ب) الانتصار — استرجاعُ المظلومِ حقَّه وغلبتُه على مَن بغى عليه بلا طرفٍ ثانٍ. والجامعُ بينهما زوالُ الغلبة عمّن استُضعِف لِصالحه، سواءٌ أتاه المددُ من غيرِه أم انتصف لِنفسه. ويَنتظم فيه وصفُ النصير والأنصار، واسمُ «النصارى» طائفةً منسوبةً إلى النُّصرة أو دعواها.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
هو زوالُ المغلوبيّة عن جهةٍ في موضع ضعفٍ أو خصومةٍ، تُؤتاه من ناصرٍ يَدفع عنها الخذلان، أو تَنتزِعه لِنفسها انتصافًا بعد الظلم.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر نصر
يدور الجذر «نصر» على زوال المغلوبيّة عن جهةٍ وقيام الغلبة لها في موضع ضعفٍ أو خصومةٍ أو ظلم. ويَرِد هذا المعنى على مَسلكين متمايزين بنيويًّا: مَسلك النُّصرة، وفيه تأتي الجهةَ إعانةٌ من ناصرٍ غيرِها يَدفع عنها الخذلان حتى تَثبُت أو تَظهَر — كنصر الله لعباده، ونصر المؤمنين لله ورُسله، وطلب النصرة عند المواجهة؛ ومَسلك الانتصار، وفيه تَنتزِع الجهةُ المظلومةُ حقَّها وغلبتَها لِنفسها على مَن بغى عليها بلا طرفٍ ثانٍ يُسنَد إليه، كما في ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ﴾.
ويَجمع المسلكين أنّ النصر لا يكون إلّا في مقام مواجهةٍ أو عجزٍ أو بَغيٍ، وأنّ ثمرته رفعُ الغلبة عمّن استُضعِف؛ غير أنّ مصدر المدد يَختلف: واردٌ من غيرٍ في النُّصرة، ومنتزَعٌ من الذات في الانتصار. ويَدخل في الجذر وصفُ النصير الثابت، واسمُ الأنصار جماعةً قائمةً بالنصرة، واسمُ «النصارى» طائفةً منسوبةً إلى دعوى النصرة. وهذا التنوّع يُملي أن يُؤخَذ مركزه الدلاليّ من مجموع المسالك والصيغ لا من شاهدٍ مفرد.
الآية المَركَزيّة لِجَذر نصر
الآية المركزيّة الجامعة لزاوية الجذر: آل عمران 160 — ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾.
تَكشف الآيةُ محورَ الجذر في موضعٍ واحد: النصرُ يَرفع الغلبة فلا يَبقى غالبٌ، والخذلانُ نقيضُه يُسلِم إلى الغلبة؛ فالنصرُ مقابِلُ المغلوبيّة، ومناطُه قيامُ جهةٍ ناصرة. ويُسنَد المعنى بأربعة شواهد تُجلّي بقيّة مسالكه: - البقرة 250 — ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ — طلبُ النصرة عند المواجهة. - الأنفال 10 — ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ — حصرُ مصدر النصر في الله. - الشوري 39 — ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ﴾ — مَسلكُ الانتصار الذي يَنتزِع فيه المظلومُ حقَّه لِنفسه. - النصر 1 — ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ — اقترانُ النصر بالفتح مع تمايزهما.
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
تَرِد صيغ الجذر في 97 شكلًا رسميًّا، تَنتظم في أبوابٍ صرفيّةٍ ينبغي استيعابُها كلَّها لا الترتيبَ التكراريّ وحده:
- الفعل الثلاثيّ المجرّد (نَصَرَ/يَنصُر) — الدالُّ على فعل النُّصرة الواردة من ناصرٍ: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ﴾ (آل عمران 123)، ﴿إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ﴾ (محمد 7)، والمبنيّ للمفعول ﴿وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة 48). - المصدر «نَصْر» واسمُه — حصرًا ووعدًا: ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ﴾ (الأنفال 10)، ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ (النصر 1). - اسم الفاعل «ناصِر/ناصرين» — فاعلٌ في موقفٍ بعينه، يَغلب نفيُه عن الظالمين: ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ (محمد 13)، ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ (آل عمران 22). - الصفة المشبّهة «نصير/النصير» — وصفٌ ثابتٌ يَلزَم الموصوف: ﴿وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ (الأنفال 40)، ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا﴾ (النساء 45). - الباب الرابع «أنصار/أنصاريّ» — جماعةً قائمةً بالنصرة: ﴿كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ﴾ و﴿مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (الصف 14)، ﴿مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ﴾ (التوبة 100). - الصيغة الثامنة «الانتصار» (أحد عشر موضعًا) — الدالّةُ على انتزاع الجهةِ غلبتَها لِنفسها بعد الظلم: ﴿هُمۡ يَنتَصِرُونَ﴾ (الشوري 39)، ﴿وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ﴾ (الشوري 41)، ﴿وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ (الشعراء 227)، واسم الفاعل ﴿وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ (الكهف 43) و﴿نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ﴾ (القمر 44) و﴿مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ﴾ (القصص 81)، والأمر ﴿فَٱنتَصِرۡ﴾ (القمر 10). - الصيغة السادسة «التناصُر» — الدالّةُ على إعانةٍ متبادَلةٍ بين أطراف: ﴿مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ (الصافات 25). - الصيغة العاشرة «الاستنصار» — طلبُ النصرة من غيرٍ: ﴿فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ﴾ (القصص 18)، ﴿وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ﴾ (الأنفال 72). - اسم المفعول «منصور/المنصورون» — الجهةُ الموقَعُ عليها النصر: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا﴾ (الإسراء 33)، ﴿إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ﴾ (الصافات 172). - اسمُ الطائفة «النصارى/نصرانيّ» — منسوبةً إلى دعوى النصرة: ﴿وَٱلنَّصَٰرَىٰ﴾ (البقرة 62)، ﴿وَلَا نَصۡرَانِيّٗا﴾ (آل عمران 67).
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر نصر
يَنتظم الجذر في 158 موضعًا داخل 137 آية فريدة (roots-stats.json: c=158)، تَتوزّع على ستّة مسالكَ دلاليّةٍ مستوعِبةٍ للحدّ:
(١) إثباتُ النصر الإلهيّ ووعدُه — حيث يُسنَد فعل النصر إلى الله للمؤمنين والرُّسل، كما في آل عمران 123 والروم 47 وغافر 51، وهو أكثر المسالك ورودًا. (٢) نفيُ النصرة عن المعذَّبين والمهزومين ويومَ القيامة — حيث يُنفى الناصر دليلًا على خِذلان الباطل، كما في البقرة 48 والأنبياء 39 والطور 46، ومنه نفيُها عن الظالمين ﴿وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾. (٣) طلبُ النصرة عند المواجهة والابتلاء — دعاءً يَرفعه المؤمنون والرُّسل، كما في البقرة 250 والمؤمنون 26 والقمر 10. (٤) الانتصارُ بعد الظلم — انتزاعُ المظلومِ غلبتَه لِنفسه، كما في الشوري 39 والشوري 41 والشعراء 227. (٥) النصيرُ والأنصارُ وصفًا وجماعةً — صفةً ثابتةً لله، وجماعةً قائمةً بنصرة دينه، كما في الفرقان 31 والأنفال 40 والتوبة 100 والصف 14. (٦) النصارى اسمًا لطائفةٍ — منسوبةً إلى دعوى النصرة، كما في البقرة 62 والمائدة 82 والتوبة 30.
وتُختبَر مطابقةُ الحدّ على كلّ موضعٍ من هذه المسالك دون أن يَشِذّ منها واحد.
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
الرابطُ البِنيويّ بين مواضع الجذر أنّه يُوزَّع بين قُطبَين توزيعًا يَكشف ميزانَ الولاء: فهو في أكثر مواضعه منفيٌّ عن الباطل — عن المعذَّبين والمهزومين والظالمين والآلهةِ المعبودةِ من دون الله — إذ نفيُ الناصر عنهم دليلُ خِذلان الله إيّاهم؛ وهو مُثبَتٌ للحقّ صفةً لازمةً لِجهة الإيمان، إذ النصرُ من الله للمؤمنين والرُّسل وعدٌ لا يَتخلّف. فمَدارُ الجذر على أنّ النصر يَلحَق مَن قام مع الله، ويَنقطِع عمّن أعرض عنه.
مُقارَنَة جَذر نصر بِجذور شَبيهَة
يَفترق «نصر» عن «عون» بأنّ العون مددٌ عامٌّ على أيّ أمرٍ، أمّا النصرُ فمددٌ في مقام غلبةٍ أو خصومةٍ أو ظلمٍ ثمرتُه زوالُ المغلوبيّة. ويَفترق عن «فتح» لأنّ الفتح رفعُ إغلاقٍ وانكشافُ طريق، أمّا النصرُ فقيامُ جهةٍ مع المنصور أو انتصافُه لِنفسه حتى يَثبُت أو يَظهَر — ولذلك جُمِعا متغايرَين في ﴿نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾. ويَفترق عن «تثبيت» لأنّ التثبيت إحكامُ القدم أو القلب، والنصرُ أوسعُ منه في دفع الخذلان وإقامة الغلبة، ولذلك قُرِنا معًا في ﴿وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا﴾ دون ترادف.
اختِبار الاستِبدال
لو وُضِع «فتح» مكان «نصر» في ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ﴾ (الأنفال 10) لضاع معنى الإسناد المباشر للمنصور وحلَّ محلَّه انكشافُ الطريق، ولم يَستقِم حصرُ رفع المغلوبيّة في الله. ولو وُضِع «عون» في ﴿وَنَصَرۡنَٰهُمۡ فَكَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ﴾ (الصافات 116) لضاع مقامُ الغلبة المترتِّبة على النصر، إذ العونُ لا يَستلزِم غلبةً. ولو وُضِع «نصر» مكان «انتصار» في ﴿هُمۡ يَنتَصِرُونَ﴾ (الشوري 39) لانقلب المعنى من انتزاع المظلومِ حقَّه لِنفسه إلى انتظار مددٍ من غيرٍ. فلا يُساوي الجذرُ شبيهَه مع اشتراكها في أصل الإمداد.
الفُروق الدَقيقَة
فروقٌ دقيقةٌ قابلةٌ للاختبار داخل الجذر وحقله:
- النُّصرة ↔ الانتصار: النُّصرةُ مددٌ يأتي الجهةَ من ناصرٍ غيرِها، ويُختبَر بوجود طرفٍ ثانٍ يُسنَد إليه الفعل ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ (آل عمران 160)؛ والانتصارُ غلبةٌ تَنتزِعها الجهةُ المظلومةُ لِنفسها، ويُختبَر بكون الفاعل هو المستفيد بلا طرفٍ ثانٍ ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ﴾ (الشوري 39). - النصير ↔ الناصر: النصيرُ صفةٌ ثابتةٌ تَلزَم الموصوف ولا تَتقيّد بموقفٍ ﴿وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ (الأنفال 40)؛ والناصرُ فاعلٌ في موقفٍ بعينه يُنفى عند العجز ﴿فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ (محمد 13). - النصارى داخل الجذر: حضورُ «النصارى» اسمًا لطائفةٍ لا يُخرِج الجذرَ عن محوره، لأنّ الاسمَ نفسَه منسوبٌ إلى النُّصرة أو دعواها — ويَشهد له ربطُ القرآن دعوى الحواريّين ﴿نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ﴾ (الصف 14) بالطائفة؛ فهو فرعٌ من الجذر لا خروجٌ عنه.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: القتال والحرب والجهاد.
يَنتمي الجذرُ إلى حقل «القتال والحرب والجهاد»، ويُبرِّر هذا الإسنادَ نصُّ مواضعه لا غير: فأكثرُها يَرِد عند الصراع والمواجهة (طلبُ النصر على القوم الكافرين، الوعدُ بالغلبة يوم بدرٍ وحُنين)، ويَقترن بنفي الأنصار عن الباطل والمعذَّبين، ويَدخل في سياق الجهاد ﴿وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ﴾ ومَسلكِ الانتصار بعد البَغي. فمنطُ الجذر في النصّ هو مقامُ الغلبة والمدافعة، وهو لُبُّ هذا الحقل.
مَنهَج تَحليل جَذر نصر
البصيرةُ المنهجيّةُ في هذا الجذر أنّ التعريف لا يَصِحّ إلّا إذا استوعب مسالكَ متباينةً بنيويًّا في القرآن: نُصرةً واردةً من غيرٍ، وانتصارًا منتزَعًا من الذات، واسمَ طائفةٍ. فالحدُّ المبنيُّ على «إسناد جهةٍ لجهة» وحده يَفشل في الصيغة الثامنة حيث المظلومُ يَنتصِف لِنفسه؛ ولذلك صيغ الحدّ على جامعٍ أعلى — زوالِ المغلوبيّة وقيامِ الغلبة — يَسَع المصدرَين معًا. ولم يُبْنَ التعريفُ على مَسلك «النصارى» مع كثرة وروده، لأنّه فرعٌ تسميةٌ منسوبةٌ إلى النُّصرة لا أصلُ المعنى. وقد سُجِّل اختلافٌ عدديٌّ يسيرٌ بين أداتَي العدّ، واعتُمِد الفهرسُ الداخليّ ونصُّ الآيات (roots-stats.json: c=158).
الجَذر الضِدّ
الجذرُ الضدُّ: «خذل». التقابُلُ بينهما بِنيويٌّ صريح: النصرُ يَرفع المغلوبيّة ويُقيم الغلبة، والخذلانُ يُسلِم الجهةَ إلى الغلبة ويَترُكها لخصمها. ويَجمعهما القرآنُ في شرطٍ واحدٍ متقابلِ الطرفَين في آل عمران 160 ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦ﴾ — فالنصرُ يَنفي الغالب، والخذلانُ يَنفي الناصر؛ وهما حدّا ميزانٍ واحد. ويَتأكّد التقابُل في وصف الشيطان بالخذلان جزاءً لمن أطاعه ﴿وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا﴾ (الفرقان 29)، وفي عاقبة المشرك ﴿فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا﴾ (الإسراء 22) — فمَن قَعَد عن نصرة الله أُسلِم إلى الخذلان.
نَتيجَة تَحليل جَذر نصر
«نصر» هو زوالُ المغلوبيّة وقيامُ الغلبة لِجهةٍ في موضع مواجهةٍ أو عجزٍ أو بَغيٍ، تَتّسع صورُه للنُّصرة الواردة من ناصرٍ، وللانتصار المنتزَع بعد الظلم، ولوصف النصير والأنصار، ولاسم النصارى المنسوبين إلى دعوى النصرة؛ يَجمعها كلَّها أنّ الغلبة تَنتقِل لِصالح المنصور سواءٌ أتاه المددُ من غيرِه أم انتصف لِنفسه.
يَنتظم هذا الحكمُ في 158 موضعًا داخل 137 آية.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر نصر
شواهدُ كاشفةٌ تُغطّي تنوّع مسالك الجذر وصيغه:
- النصرُ الإلهيّ المُثبَت — آل عِمران 3:123: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾. - مَسلكُ الانتصار الانعكاسيّ — الشُّوري 42:39: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ﴾. - الانتصافُ بعد الظلم — الشعراء 26:227: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ﴾. - النصيرُ صفةً ثابتةً لله — الأنفَال 8:40: ﴿وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾. - الأنصارُ جماعةً قائمةً بالنصرة — الصَّف 61:14: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ﴾. - النصارى اسمًا لطائفةٍ — المَائدة 5:82: ﴿۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ﴾. - نفيُ النصرة يوم القيامة — البَقَرَة 2:48: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ﴾. - اقترانُ النصر بالفتح متمايزَين — النَّصر 110:1: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾. - النُّصرةُ والانتصارُ متقابلَين في موضعٍ واحد، يَكشف عجزَ آلهةِ الباطل عن المَسلكين كليهما — الشعراء 26:93: ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلۡ يَنصُرُونَكُمۡ أَوۡ يَنتَصِرُونَ﴾. - صيغةُ الاستنصار طلبًا للنُّصرة من غيرٍ عند المواجهة — الأنفَال 8:72: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾. - اسمُ المفعول «منصور» للجهةِ الموقَعِ عليها النصرُ بعد الظلم — الإسرَاء 17:33: ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا﴾. - نفيُ النصير عن الظالمين دليلَ خِذلانهم — الشُّوري 42:8: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾. - صيغةُ التناصُر إعانةً متبادَلةً يُنفى وقوعُها عن الباطل يوم الفصل — الصَّافَات 37:25: ﴿مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ﴾.
لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر نصر
من لطائف الجذر أنّ آية آل عمران 160 تَجمع النصر والخذلان في ميزانٍ واحدٍ بشرطَين متقابلَين، فيَنكشف بهما أنّ النصرَ نفيُ الغالب والخذلانَ نفيُ الناصر. ومنها أنّ سورة النصر تَربط مجيء النصر بالفتح دون أن تَجعلهما لفظًا واحدًا — فالنصرُ إسنادٌ ورفعُ مغلوبيّة، والفتحُ انكشافُ طريق. ومنها أنّ مَسلك الانتصار يَنفرِد بكون الفاعل هو المستفيد، فلا يَحتاج إلى طرفٍ ثانٍ، كما في ﴿هُمۡ يَنتَصِرُونَ﴾ و﴿لَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ﴾.
— لطائف إحصائيّة آليّة — • دلالةُ الإسناد: اللهُ يَفعل هذا الجذرَ في 76 موضعًا — 63٪ من إجماليّ 120 إسنادًا. • تركّزٌ مِحوَريّ: 75٪ من الإسنادات تَعود لفاعلي مِحوَر «إلهيّ» — 90 من 120. • تنوّعٌ صرفيٌّ كبير: 97 شكلًا رسميًّا مختلفًا في القرآن. • اقترانٌ نصّيّ: يَرِد مع جذر «قول» في 35 آية. • اقترانٌ نصّيّ: يَرِد مع جذر «ولي» في 29 آية. • اقترانٌ نصّيّ: يَرِد مع جذر «ءمن» في 22 آية. • الجِوارُ اللفظيّ الأبرز (نافذةُ كلمتين): «وَلَا» 25 مرّةً، ثمّ «ٱللَّهِ» و«لَا» 12 مرّةً لكلٍّ، ثمّ «ٱللَّهُ» 11 مرّةً — وغلبةُ «وَلَا» تَكشف كثرةَ نفي النصرة عن الباطل ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾.
— الفاعلون الأبرز — • أبرزُ الفاعلين: اللهُ (76)، الذين آمَنوا (17)، اليهودُ (13). • توزيعٌ مِحوَريّ: إلهيّ (90)، المؤمنون (17)، أهلُ الكتاب (13).
— اقتراناتٌ مُصنَّفة — • اقترانٌ مُتلازِمٌ تامّ: «ٱلنَّصۡرُ إِلَّا» — تَكرّر 3 مرّاتٍ في سورتَين.
إحصاءات جَذر نصر
- المَواضع: ١٥٨ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
- الصِيَغ: ٩٧ صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: يُنصَرُونَ.
- أَبرَز الصِيَغ: يُنصَرُونَ (١١) نَّٰصِرِينَ (٧) نَصِيرٗا (٧) وَٱلنَّصَٰرَىٰ (٤) نَصِيرًا (٤) نَصِيرٖ (٤) نَصِيرٍ (٣) ٱلنَّصَٰرَىٰ (٣)