جَذر سلح في القُرءان الكَريم — ٤ مَوضعًا
التَعريف المُحكَم لجَذر سلح في القُرءان الكَريم
«سلح» في القرءان: أَداةُ الدِّفاع البَدَنيَّة التي تُحمَل على المُقاتِل في حالَة المُواجَهَة، يَدور حُكمُها على ثَلاثَة أَفعالٍ مَخصوصَة: الأَخذ (واجبٌ في الخَوف)، الغُفلَة (ثَغرَةُ العَدوّ)، الوَضع (رُخصَةٌ بِعُذر). كُلُّ مَواضِعِها في آيَةٍ واحِدَة (النساء ١٠٢) بِصيغَة جَمعٍ مُضاف.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
«سلح» = أَداةُ الدِّفاع المَحمولَة على المُقاتِل. ٤ مَواضع في آيَة واحِدَة (النساء ١٠٢ — صَلاة الخَوف) بِصيغَة الجَمع «أَسۡلِحَة» مُضافًا إلى ضَمير. ٣ أَفعالٍ تَدور عليها: الأَخذ (واجب)، الغُفلَة (ثَغرَة)، الوَضع (رُخصَة).
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر سلح
جذر «سلح» في القرءان جذرٌ نادرُ الورود إلى أَقصى حَدّ (٤ مَواضع جميعها في آيَةٍ واحِدَة هي النساء ١٠٢ — آيَة صَلاة الخَوف). كلُّ صيغَه الأَربَع جاءَت بِجَمع التَكسير على وَزن أَفعِلَة «أَسۡلِحَة»، فلا مُفرَدَ ولا فِعلَ ولا مَصدَرَ غَير ذلك في القرءان كُلِّه. وهذا الإنفِرادُ السوريّ والآييّ الكامِل (١٠٠٪ في آيَةٍ واحِدَة، ١٠٠٪ بِصيغَةِ الجَمع، ١٠٠٪ بالإضافَة إلى ضَميرٍ بَشَريّ) ظاهِرَةٌ نادِرَة جدًّا في الجذور القرءانيَّة المُتَوَسِّطَة، إذ يَتَعَيَّن المَعنى كُلُّه في سياقٍ واحِد. السِّياقُ هو حالَةُ المُواجَهَة العَسكَريَّة في حَضرَة العَدوّ مع وُجوب أَداءِ الصَّلاة. ﴿وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ﴾ (الأَوَّل، الطائفَة المُصَلِّيَة)، ﴿وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ﴾ (الثاني، الطائفَة الأُخرى)، ﴿لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ﴾ (الثالث، عَن الكافرين الذين يَتَرَبَّصون)، ﴿أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ﴾ (الرَّابع، الرُّخصَة لِلمَريض والمُتَأَذّي بِالمَطَر). هذه التَّوزُّعاتُ الأَربَع تَكشِف بِنيَةَ المَعنى: السِّلاحُ في القرءان أَداةُ الإستِعداد العَسكَريّ المَحمولَة على البَدَن، تَنتَقِل بَين ٣ حالات: (أ) الأَخذُ الإلزاميُّ في حالَة الخَوف، (ب) الغُفلَةُ عنه = ثَغرَةُ العَدوّ، (ج) الوَضعُ المَأذونُ في حالَة العُذر. المَعنى الجامِع: أَداةُ الدِّفاع المَحمولَة التي تَتَعَلَّق سَلامَةُ الجَماعَة المُؤمِنَة بِأَخذِها أَو وَضعِها بِحَسَب المَوقِف.
الآية المَركَزيّة لِجَذر سلح
الآيَةُ المَركَزِيَّة هي الآيَةُ الوَحيدَة لِلجذر: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا﴾ (النساء ١٠٢). تُكَوِّن الآيَةُ كاملةً البِنيَةَ المُحكَمَة لِلجذر — كلُّ مَواضع «أَسۡلِحَة» الأَربَعة فيها.
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
تَصرَّفَت «سلح» في القرءان في صيغَةٍ واحِدَة فَقَط هي «أَسۡلِحَة» (جَمع تَكسير على وَزن أَفعِلَة، مُضافٌ دائمًا إلى ضَمير)، تَتَوَزَّع على ٤ مَواضع بِأَربَع تَنويعاتٍ في الإضافَة وعَلامَةِ الإعراب: (١) «أَسۡلِحَتَهُمۡۖ» (الأَوَّل) — مَنصوبَةٌ مَفعولًا بِه لِـ«وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ»، الضَّميرُ يَعود على الطائفَة الأُولى المُصَلِّيَة. (٢) «وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ» (الثاني) — مَنصوبَةٌ بِالعَطف على «حِذۡرَهُمۡ»، الضَّميرُ يَعود على الطائفَة الثانيَة. (٣) «أَسۡلِحَتِكُمۡ» (الثالث) — مَجرورَةٌ بِـ«عَن»، الضَّميرُ يَعود على المُؤمِنين كَجَماعَة («تَغۡفُلُونَ»). (٤) «أَسۡلِحَتَكُمۡۖ» (الرابع) — مَنصوبَةٌ مَفعولًا بِه لِـ«تَضَعُوٓاْ»، الضَّميرُ يَعود على المُؤمِنين كَجَماعَة. الظَّواهِرُ البِنيَويَّة الأَربَع: (أ) انعِدامُ المُفرَد — لا «سِلاح» في القرءان كُلِّه، فَالجَمعيَّة لازِمَة. (ب) انعِدامُ الفِعل — لا «سَلَّحَ» ولا «يَتَسَلَّحُ» ولا أَيُّ صيغَةٍ فِعليَّة. الجذرُ اسميٌّ بَحت. (ج) الإضافَة لازِمَة — كلُّ المَواضع الأَربَع مُضافَة، فَلا «أَسۡلِحَة» مُنفَرِدَة بِغَير ضَمير. (د) الضَّميرُ بَشَريٌّ دائمًا (هُم/كُم)، فَلا تُضاف الأَسلِحَة إلى الله ولا إلى الكافرين بصورَةٍ صَريحَة (الكافرون في الآيَة هم المُتَرَبِّصون، لا حامِلو الأَسلِحَة المَوصوفَة).
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر سلح
المَوضع الأَوَّل ﴿فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ﴾ — السِّياق: الطائفَةُ الأُولى تُصَلِّي مع النَّبيّ. الأَخذُ هنا أَمرٌ صَريح بِحَملِ السِّلاح أَثناءَ الصَّلاة نَفسِها، فَلا تَنفَكُّ العِبادَةُ عن الإستِعداد العَسكَريّ. المَوضع الثاني ﴿وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ﴾ — السِّياق: الطائفَةُ الثانيَة تَأتي لِلصَّلاة. الأَخذُ هنا مَقرونٌ بـ«حِذۡرَهُمۡ» — فَالحِذرُ والسِّلاحُ مُتَلازمان: الحِذرُ بِنيَةٌ ذِهنيَّة، والسِّلاحُ أَداةٌ بَدَنيَّة، يَجتَمِعان في الإستِعداد. المَوضع الثالث ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ﴾ — السِّياق: تَعليلُ الأَمر بِأَخذ السِّلاح. الكافرون يَتَمَنَّون لَحظَةَ الغَفلَة عن السِّلاح لِيَنقَضُّوا. الجَمعُ بَين «أَسۡلِحَة» و«أَمتِعَة» يَدُلّ على أنَّ السِّلاحَ في الحَربِ من جِنسِ المَتاع البَدَنيّ المَحمول، لكنَّه أَخصُّ الحَمل. المَوضع الرابع ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ﴾ — السِّياق: الرُّخصَةُ في وَضعِ السِّلاح. عُذرانِ مُحَدَّدان: المَطَر والمَرَض. وَوَضعُ السِّلاح هنا مُقابَلٌ بـ«وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡ» — أيّ أنَّ الحِذرَ يَبقى لازمًا حَتَّى مَع وَضعِ السِّلاح. الأَربَعَةُ مَواضِع تَتَوَزَّع على ثَلاث أَفعالٍ: الأَخذ (مَوضِعان)، الغُفلَة (مَوضِع)، الوَضع (مَوضِع). كلُّها في سياقٍ واحِدٍ هو صَلاةُ الخَوف.
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
كلُّ مَواضع «سلح» في القرءان (وَهي مَوضِعٌ آيِيٌّ واحِد) تَشتَرِك في خَمسَة عَناصِر: (١) الجَمعيَّة — كُلُّها بِصيغَة الجَمع «أَسۡلِحَة»، فَلا مُفرَد. (٢) الإضافَة البَشَريَّة — كُلُّها مُضافَة إلى ضَميرٍ بَشَريٍّ (هُم/كُم). (٣) سياقُ المُواجَهَة — كُلُّها في حالَة وُجود عَدوٍّ مُحارِب. (٤) التَّلازُم مع الحِذر — في ٢ من أَربَع مَواضع («حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ» + «أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ»)، فَالسِّلاحُ والحِذرُ زَوجٌ مُتَلازم. (٥) التَّحَرُّكُ بَين أَفعال — السِّلاحُ في القرءان فاعِلٌ مُتَحَرِّك يُؤخَذ ويُترَك ويُغفَل عَنه، لا يُوصَف بِنَوعٍ ولا قِيمَة.
مُقارَنَة جَذر سلح بِجذور شَبيهَة
«سلح» يُقارَن بِثَلاثَة جذور قَريبَة دلاليًّا: «متع»، و«حذر»، و«درع». (١) «متع» يَدُلّ على المَحمول البَدَنيّ بِعُمومٍ (لِباس، طَعام، سِلاح)، أمَّا «سلح» فَأَخصُّ الأَنواع بِالقِتال. الفَرقُ يَبدو في النساء ١٠٢ نَفسِها حَيث يُذكَران مَعًا ﴿عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ﴾ — العَطفُ يَدُلّ على المُغايَرَة. (٢) «حذر» يَدُلّ على الإستِعداد الذِّهنيّ، أمَّا «سلح» فَالإستِعداد البَدَنيّ بِأَداةٍ خارِجيَّة. الجَمعُ بَينَهما في الآيَة دالٌّ على تَكامُلَين، لا مُتَرادِفَين. (٣) «درع» (سَرد الدُّروع المَنصوصُ في الأنبياء ٨٠، سَبَأ ١٠) يَدُلّ على لِباس الدِّفاع، أمَّا «سلح» فَأَداةُ الهُجوم/الدِّفاع المَحمولَة. الدُّرعُ يُلبَس على البَدَن، السِّلاحُ يُؤخَذ بِاليَد. الفَرقُ الجَوهَريّ: «متع» مَحمولٌ عامّ، «حذر» إستِعدادٌ ذِهنيّ، «درع» لِباسٌ دِفاعيّ، «سلح» أَداةٌ بِاليَد. ولِذَلِك انفَرَدَ «سلح» في القرءان بِصيغَةِ الجَمعِ المُضاف وبالإقتِران بِأَفعال الأَخذ والوَضع والغُفلَة.
اختِبار الاستِبدال
إن أَبدَلتَ «أَسۡلِحَتَهُمۡ» في النساء ١٠٢ بـ«مَتاعَهُمۡ»، فَقُلتَ: «وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ مَتاعَهُمۡ» — يَفقِد المَعنى دَلالَةَ التَّأَهُّب القِتاليّ المَخصوص. المَتاعُ يَشمَل لِباسًا وطَعامًا، أمَّا الأَسلِحَةُ فَأَداةُ الدِّفاع. وإن أَبدَلتَها بـ«حِذۡرَهُمۡ»، يَفقِد المَعنى البُعدَ المادِّيّ المَحمول؛ الحِذرُ ذِهنيٌّ، أَمَّا السِّلاحُ فَجِسمٌ يُؤخَذ بِاليَد. ولِذَلِك جاء العَطفُ في المَوضع الثاني ﴿حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ﴾ ليُجمَع بَينَهما لا لِيُستَبدَل أَحَدُهما بالآخَر. وإن أَبدَلتَها بـ«دُروعَهُمۡ»، يَفقِد المَعنى دَلالَة الأَداة الفاعِلَة (السِّلاح يَضرِب)؛ الدِّرعُ لِباسٌ ساكِنٌ يَقي.
الفُروق الدَقيقَة
ثَلاثُ فُروقٍ دَقيقَة بَين «سلح» والجذور المُشابِهَة: (١) جذر «سلح» في القرءان لا يَأتي إلا بِصيغَة الجَمع المُضاف، فَلا «سِلاح» مُفرَدًا ولا «أَسلِحَة» مُجَرَّدَة من الإضافَة. هذا الإلزامُ البِنيَويّ نادِر؛ بينما جذور القِتال الأُخرى («قتل»، «حرب»، «جهد») تَأتي بِصيَغ كَثيرَة. (٢) جذر «سلح» لَيس له فِعلٌ مُصَرَّف في القرءان كُلِّه، خِلافًا لـ«حذر» (يَحۡذَرُ، فَٱحۡذَرُوهُ) و«أخذ» (وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ) و«وضع» (تَضَعُوٓاْ). فَالجذرُ اسميٌّ بَحت لا يَتَصَرَّف فِعليًّا في النَّصّ. (٣) جذر «سلح» يَحمِل في القرءان دَلالَةً مَوقِفيَّة لا أَخلاقيَّة — السِّلاحُ نَفسُه ليس مَمدوحًا ولا مَذمومًا، إنَّما حُكمُه مُتَعَلِّقٌ بالمَوقِف: واجبٌ في الخَوف، مُباحُ الوَضعِ في العُذر. هذه الدَّلالَةُ المَوقِفيَّة تَتَّضِح بِنفي الحَرَج ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ﴾ في الرُّخصَة.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: القتال والحرب والجهاد.
«سلح» في حَقل «القِتال والحَرب والجِهاد». في هذا الحَقل، يَتَخَصَّص «سلح» بِزاويَةٍ مَخصوصَة: (أ) الأَداةُ المَحمولَة لا الفِعل — يَتَّصِل الجذر بِالأَداة (الجَمع «أَسۡلِحَة»)، لا بِالقَتل ولا بِالحَرب ولا بِالغَزو. (ب) الإستِعداد لا المُمارَسَة — السِّلاحُ في النساء ١٠٢ يُؤخَذ في الصَّلاة لِلتَأَهُّب، لا في القِتال نَفسِه. (ج) القَرينُ مع الحِذر — يَلتَقي مَع جذر «حذر» في حَقلٍ فَرعيّ هو «التَأَهُّب الدِّفاعيّ». (د) حُكمٌ شَرعيٌّ مَوقِفيّ — يَدخُل «سلح» في الحَقل من بابِ الحُكم الشَّرعيّ التَكليفيّ (أَخذٌ مُستَحَبّ أو واجِب، وَضعٌ مُباح بِعُذر).
مَنهَج تَحليل جَذر سلح
في تَحليل هذا الجذر اتُّبِعَت ٤ خَطوات: (١) حَصرُ الـ٤ مَواضع كلِّها في الآية الوَحيدَة (النساء ١٠٢)، (٢) تَحليلُ التَوزيع النَحَويّ والإضافيّ لكلّ مَوضع، (٣) رَصدُ الأَفعال الثَلاثَة المُتَعَلِّقَة بالسِّلاح (الأَخذ، الغُفلَة، الوَضع) والتَّلازُم مع جذر «حذر» في الإستِعداد، (٤) اختِبار التَّعريف على الـ٤ مَواضع كلِّها — اجتَمَعَت على «أَداةُ الدِّفاع المَحمولَة على المُقاتِل، يَدور حُكمُها على المَوقِف لا على ذاتِها». لم يُستَعمَل مَصدَرٌ خارجيّ.
الجَذر الضِدّ
الجذر الضِّدّ لـ«سلح» في القرءان يَتَّخِذ ثَلاثَة وُجوهٍ بِحَسَب الفِعل الذي يَنفي الإستِعداد، وأَوضَحُها هو «غفل» (الغَفلَة)، يَليه فِكرَة الإستِسلام بِوَضع السِّلاح بِغَير عُذر، ثُمَّ فِكرَة العُزل التامّ. التَّقابُل الأَوَّل والأَوضَح في النساء ١٠٢ نَفسِها ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ﴾: التَّقابُلُ بِنيَويٌّ صَريحٌ في الآيَة نَفسِها. أَخذُ الأَسلِحَة فِعلُ المُؤمِنين (﴿وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ﴾)، والغُفلَةُ عنها أُمنيَةُ الكافرين الذين يَتَرَبَّصون. الكافرون لا يَتَمَنَّون أن يَضَعَ المُؤمِنون سِلاحَهم بإذن، بَل يَتَمَنَّون أن يَغفُلوا عنه لَحظَةً فَيَنقَضُّوا. فَالغَفلَةُ هي الثَّغرَةُ التي يَستَغِلُّها العَدوّ، والسِّلاحُ المَأخوذ هو السَّدُّ الذي يَمنَعُها. ومن جذر «غفل» المُتَوازي نَجِد ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ﴾ (الأَعراف ٢٠٥): النَّهيُ عَن الغَفلَة عامٌّ في حَقّ الذِّكر، وَيَتَخَصَّص في النساء ١٠٢ في حَقّ السِّلاح. ومن سُورَة الأَنبياء ١ ﴿ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ﴾: الغَفلَةُ موصولَةٌ بِسوءِ المَآل. ومن سُورَة الأَنبياء ٩٧ ﴿قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ﴾: الإعتِرافُ بالغَفلَة كَنَدَمٍ يَوم القِيامَة. هذه الشَواهِدُ تُوَضِّح أنَّ «الغُفلَة» في القرءان تَحمِل دَلالَةَ التَفريط الإختياريّ الذي يُؤَدّي إلى ضَرَر مُحَتَّم، وهو نَفسُ المَعنى الذي يَنفيه أَمرُ أَخذ السِّلاح في النساء ١٠٢. والقُطبُ الثاني للتَّقابُل، الأَدَقّ في حالَة «المَوضع الرابع» (وَضع السِّلاح بِعُذر)، يَتَّصِل بِفِكرَة الوَضع بِغَير عُذر؛ فَوَضعُ السِّلاح في النساء ١٠٢ مَأذونٌ فَقَط بِشَرطَين: ﴿إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ﴾. أمَّا الوَضعُ بِغَير هَذَين العُذرَين فَهو في حُكمِ الغَفلَة، إذ يُسَلِّم المُؤمِنُ نَفسَه لِـ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗ﴾. التَّقابُلُ هنا بَين «الأَخذ المُلازِم» و«الوَضعِ المَأذون» (مَشروع) أو «الوَضعِ بِلا إذن» (تَفريط). والقُطبُ الثالث، الأَدَقّ، يَتَّصِل بِفِكرَة العُزل التامّ من الأَداة؛ فَالقرءان يُؤكِّد أنَّ المُؤمِنَ في حالَة المُواجَهَة لا يَكون أَعزَل، بَل يَجمَع بَين السِّلاح البَدَنيّ والحِذر الذِّهنيّ. التَّقابُلُ هنا بَين «حامِل الأَسلِحَة المُتَأَهِّب» و«الأَعزَل المُسالِم في غَير مَوضِعه». الفُروقُ التَّفصيليَّةُ بَين القُطبَين «سلح» و«غفل»: (١) في الزَّمَن: السِّلاحُ تَأَهُّبٌ لَحظيٌّ مُتَجَدِّد، الغَفلَةُ انقِطاعٌ زَمَنيٌّ مُحَدَّد عَن الإنتِباه. (٢) في الفاعِليَّة: السِّلاحُ أَداةٌ مَحمولَة، الغَفلَةُ غِيابُ ذِهنيّ. (٣) في النَّتيجَة: السِّلاحُ يَردَع، الغَفلَةُ تَفتَح ثَغرَة. (٤) في تَموضُع الإرادَة: أَخذُ السِّلاح أَمرٌ تَكليفيّ (﴿وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ﴾)، والغَفلَةُ تَركٌ يُلام عَليه (﴿لَوۡ تَغۡفُلُونَ﴾ بِصيغَة التَمَنّي العَدائيّ). أمَّا فُروقُ القُطب الثاني بَين «سلح مَأخوذ» و«سلح مَوضوع بِعُذر»: (١) في الإذن: المَأخوذُ هو الأَصل، المَوضوعُ يَحتاج إذنًا (﴿وَلَا جُنَاحَ﴾). (٢) في العُذر: المَطَر والمَرَض هما العُذران المَنصوصان. (٣) في التَلازُم مع الحِذر: المَوضوعُ بِعُذر يُلازَم بـ﴿وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ﴾ — أيّ أنَّ وَضع السِّلاح لا يَنفي الإستِعداد الذِّهنيّ. التَّقابُلُ البِنيَويّ في القرءان واضِحٌ بَين «أَخذ» الأَسلِحَة (المُؤمِنين) و«تَمَنّي الغَفلَة» (الكافرين)، وبَين «أَخذ» (الواجب) و«وَضع» (المُباح بِعُذر). الجذر إذًا يُقابَل من ثَلاثَة وُجوه: الغَفلَةُ (للأَخذ التَأَهُّبيّ)، الوَضعُ بِغَير عُذر (للأَخذ المُحكَم)، العُزلُ التامّ (للحامِل المُتَأَهِّب).
نَتيجَة تَحليل جَذر سلح
نَتيجَةُ الاستِقراء: «سلح» جذرٌ يُكَوِّن قُطبًا تَطبيقيًّا في حَقل القِتال في القرءان، يُقابِله من جِهَة «غفل» (الغَفلَة)، ومن جِهَةٍ ثانيَة الوَضعُ بِغَير عُذر، ومن جِهَةٍ ثالِثَة العُزل التامّ. الجذر مَفتوحٌ على ثَلاثَة أَفعالٍ مَوقِفيَّة: الأَخذ (واجب في الخَوف)، الغُفلَة (ثَغرَةُ العَدوّ)، الوَضعُ (مُباحٌ بِعُذر مَنصوص). والقَدر المُشتَرَك بَين الأَفعال الثَلاثَة: السِّلاحُ أَداةُ التَأَهُّب البَدَنيّ التي يَتَوَقَّف عليها أَمنُ الجَماعَة المُؤمِنَة في حَضرَة العَدوّ.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر سلح
الشاهِدُ الأَوحَدُ كامِلًا (وَهو الذي يَحوي مَواضِع الجذر الأَربَع): ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا﴾ (النساء ١٠٢). شَواهِدُ التَّقابُل من جذر «غفل»: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ﴾ (الأَعراف ٢٠٥)، ﴿ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ﴾ (الأَنبياء ١).
لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر سلح
ملاحظات نَمَطيَّة من المَسح الكُلِّيّ للمَواضع الأَربَعة: (١) الإنفِرادُ السوريّ والآييّ الكامِل — كلُّ مَواضع الجذر الأَربَع في آيَةٍ واحِدَة هي النساء ١٠٢ (١٠٠٪). لا يُذكَر «سلح» في القرءان كُلِّه خارج هذه الآيَة. هذه الظَّاهِرَة نادِرَة جدًّا في الجذور القرءانيَّة. (٢) الإلزامُ بِصيغَة الجَمع المُضاف — كلُّ المَواضع الأَربَع بِصيغَة «أَسۡلِحَة» مُضافَة (هُم/كُم). لا «سِلاح» مُفرَدًا، ولا «أَسۡلِحَة» مُجَرَّدَة. هذا الإلزامُ يَدُلّ على أنَّ السِّلاح في القرءان لا يُتَصَوَّر إلا في يَد جَماعَة. (٣) انعِدامُ الفِعل — لا «سَلَّحَ» ولا «يَتَسَلَّحُ» ولا أَيُّ فِعلٍ من الجذر. الجذرُ اسميٌّ بَحت في القرءان كُلِّه. (٤) التَّلازُم مع جذر «حذر» — في ٢ من ٤ مَواضع («حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ» + «أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ»)، فَالسِّلاح والحِذر زَوجٌ مُتَلازم في الإستِعداد. (٥) التَوزيعُ على ٣ أَفعال — كلُّ المَواضع الأَربَع تَدور على ٣ أَفعالٍ مَخصوصَة: الأَخذ (مَوضِعان: ١، ٢)، الغُفلَة (مَوضِع ٣)، الوَضع (مَوضِع ٤). لا يَأتي في القرءان فِعلُ «الإستِعمال» أو «الإستِخدام» مَع «أَسۡلِحَة». (٦) الإقترانُ بـ«الأَمتِعَة» — في المَوضع الثالث ﴿أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ﴾ — العَطفُ يَدُلّ على أنَّ السِّلاحَ من جِنسِ المَتاعِ المَحمول، لكنَّه أَخصُّه. هذا تَخصيصٌ في الجَنسِ العامّ. (٧) حُكمٌ شَرعيٌّ مَوقِفيّ — السِّلاحُ في النساء ١٠٢ يَخضَع لِلحُكم الموقِفيّ: واجبٌ في الخَوف، مُباحُ الوَضعِ في الأَذى من المَطَر أو المَرَض. لا قِيمَةَ ذاتيَّةَ لِلسِّلاحِ في القرءان، إنَّما قِيمَتُه في الإستِعداد. (٨) عَدَدُ السِّلاحِ يَتبَعُ عَدَدَ الجَماعَة — في المَوضِعَين الأَوَّلَين كلُّ طائفَة لها أَسلِحَتُها («أَسۡلِحَتَهُمۡۖ» مَرَّتَين بِضَمير الجَماعَة)، فَالسِّلاحُ شَخصيٌّ مُضافٌ لِكُلِّ فَرد، لا سِلاحٌ جَماعيٌّ مُشتَرَك.
إحصاءات جَذر سلح
- المَواضع: ٤ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
- الصِيَغ: ٤ صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: أَسۡلِحَتَهُمۡۖ.
- أَبرَز الصِيَغ: أَسۡلِحَتَهُمۡۖ (١) وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ (١) أَسۡلِحَتِكُمۡ (١) أَسۡلِحَتَكُمۡۖ (١)