جَذر خلق في القُرءان الكَريم — ٢٦١ مَوضعًا

الحَقل: الخلق والإيجاد والتكوين · المَواضع: ٢٦١ · الصِيَغ: ٩٦

التَعريف المُحكَم لجَذر خلق في القُرءان الكَريم

«خلق» هو تقديرُ شيءٍ وإنشاؤه على هيئةٍ وقدرٍ سابقَين. أغلبُه الخلقُ الإيجاديّ الإلهيّ: إيجادُ السماوات والأرض والإنسان من طينٍ والأزواج وكلِّ شيءٍ بقَدَرٍ محكم. ومنه التخليقُ البشريّ المُقدَّر بإذن الله — تشكيلُ عيسى من الطين كهيئة الطير. ومنه الاختلاقُ: افتعالُ إفكٍ أو قولٍ لا أصل له ﴿وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًا﴾ ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ﴾. وفي الاسم «خُلُق» يكون التقديرُ سجيّةً راسخةً وطبعًا ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾، و«خَلاق» نصيبًا مقدَّرًا في الآخرة. والجامعُ بين المسالك الأربعة أنّ كلَّ موضعٍ تقديرُ شيءٍ على هيئةٍ وقدر — صادقًا في الإيجاد الإلهيّ والطبع، وكاذبًا في الإفك المُختلَق الذي يُنزَع منه التقدير الحقّ. يفترق عن «جعل» بأنّ جعلًا يعيّن حال الشيء أو وظيفته بعد وجوده، أمّا خلقٌ فيُبرز أصلَ تكوينه وتقديره؛ وعن «فطر» بأنّ فطرًا يبرز شقَّ النشأة وابتداءها، وخلقٌ يبرز التقدير على الهيئة؛ وعن «كون» بأنّ كونًا تحقُّقُ وجودٍ مجرّد، والخلقُ فعلُ تقديرٍ وإنشاء.

الخُلاصَة الجَوهَريّة

هو تقديرُ شيءٍ على هيئةٍ وقدر: إيجادُ الله للكون والإنسان بقَدَر، وطبعُ الإنسان وسجيّته، وافتعالُ الإفك المُختلَق.

المَفهوم القُرءانيّ لجَذر خلق

يدور الجذر «خلق» على تقدير شيءٍ وإنشائه على هيئةٍ وقدرٍ معلومَين سابقَين. مركزه الأغلب هو الخلق الإيجاديّ الإلهيّ: إيجاد السماوات والأرض والإنسان والأزواج وكلّ شيءٍ على تقديرٍ محكم — ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ (الفرقان 2)، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ (القمر 49)، وهذا الوجه يستغرق الغالب الأعظم من المواضع وفاعله الله وحده. ومن الجذر مسلكٌ ثانٍ هو التخليق البشريّ المُقدَّر بإذن الله — تشكيلُ عيسى من الطين كهيئة الطير ﴿أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ﴾ (آل عمران 49)، والمحاجَّةُ بأنّ الآلهة المزعومة عاجزةٌ عن الخلق ﴿لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ﴾ (النحل 20). وله مسلكٌ ثالثٌ هو الاختلاق: افتعالُ إفكٍ أو قولٍ لا أصل له ﴿وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًا﴾ (العنكبوت 17)، ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ﴾ (صٓ ص 7). وفي الاسم «خُلُق» تأتي الهيئةُ المقدَّرة طبعًا راسخًا في الإنسان ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ (القلم 4). فالجذر كلّه يقوم على «التقدير على هيئة»: صدقًا في الإيجاد الإلهيّ وفي الطبع، وافتعالًا في الإفك المختلَق. وينتظم في 261 موضعًا داخل 218 آية، وأكثر صيغه ورودًا هي الفعل الماضي «خَلَقَ» مسندًا إلى الله، فمركزه الدلاليّ لا يؤخذ من شاهدٍ واحد بل من مجموع الصيغ والمواضع.

الآية المَركَزيّة لِجَذر خلق

الآية المركزيّة الجامعة هي الأعراف 54، لأنّها تجمع الخلق الإيجاديّ الإلهيّ والتقابُل البنيويّ بين الخلق والأمر في سياقٍ واحد: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾

وتُكمِلها شواهدُ تكشف بقيّة المسالك: - الفرقان 2 — ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ — قرنُ الخلق بالتقدير صراحةً. - آل عمران 49 — ﴿أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ — التخليق البشريّ المُقدَّر بإذن. - العنكبوت 17 — ﴿وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًا﴾ — مسلك الاختلاق. - القلم 4 — ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ — مسلك «خُلُق» الطبع.

المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة

أكثر الصيغ المعياريّة ورودًا: خلق (85)، خلقنا (21)، خلقكم (18)، يخلق (14)، الخلق (14)، خلقناكم (8)، خلقا (7)، خلقه (6)، خلقت (6)، وخلق (6)، خالق (5)، يخلقون (5). وأكثر صيغ الرسم ورودًا: خَلَقَ (56)، خَلَقۡنَا (18)، يَخۡلُقُ (10)، خَلَقَكُمۡ (8)، خَلَقَكُم (8)، ٱلۡخَلۡقَ (7)، خَلَقۡنَٰكُمۡ (6)، خَلۡقٖ (6)، خَلۡقِ (5)، وَخَلَقَ (5). عددُ الصيغ المعياريّة في الفهرس الداخليّ 52، وعددُ صيغ الرسم 96.

وتتوزّع الصيغُ على مسالك متمايزة لا مجرّد تكرار: صيغُ الفعل الإلهيّ (خَلَقَ، خَلَقۡنَا، يَخۡلُقُ) للإيجاد؛ واسمُ الفاعل (خَٰلِق، ٱلۡخَٰلِقُ، ٱلۡخَلَّٰقُ، ٱلۡخَٰلِقُونَ، أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ) للوصف والتفرّد؛ والمبنيّ للمجهول (خُلِقَ، يُخۡلَقُونَ، خُلِقَتۡ، خُلِقُواْ) لإبراز المخلوقيّة؛ والاسمُ «خُلُق» للطبع (القلم 4، الشعراء 137)؛ و«خَلاق / خَلَٰق» للنصيب المقدَّر (البقرة 102 والبقرة 200، آل عمران 77، التوبة 69)؛ و«ٱخۡتِلَٰق» (صٓ ص 7) وفعلُ «تَخۡلُقُونَ» في ﴿تَخۡلُقُونَ إِفۡكًا﴾ للافتعال الكاذب؛ و«مُخَلَّقَة / غَيۡرِ مُخَلَّقَة» (الحج 5) للتطوير في الرحم. فاختلافُ الصيغة قرينةٌ على اختلاف المسلك.

المَواضع القُرءانيّة لِجَذر خلق

ينتظم الجذر في 261 موضعًا داخل 218 آية، موزَّعةً على مسالك دلاليّة متمايزة:

- الخلق الإيجاديّ الإلهيّ، وهو الغالب الأعظم: خلقُ السماوات والأرض، ويكثر مقرونًا بـ«في ستّة أيّام» في الأعراف 54 ويونس 3 وهود 7 والفرقان 59 والسجدة 4 وقٓ ق 38 والحديد 4؛ وخلقُ الإنسان من ترابٍ ثمّ نطفةٍ ثمّ أطوار في الحجر 26 والمؤمنون 12-14 والحج 5 وغافر 67 ونوح 14؛ وخلقُ الأزواج والأنعام وكلِّ دابّةٍ في يسٓ يس 36 والنحل 5 والنور 45 والذاريات 49؛ وقرنُ الخلق بالتقدير صراحةً في الفرقان 2 والقمر 49 وعَبَسَ عبس 19. - بدءُ الخلق وإعادتُه في سياق الاحتجاج على البعث: ﴿يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ﴾ في يونس 4 ويونس 34 والروم 11 والروم 27 والعنكبوت 19 والنمل 64؛ وصيغةُ «خَلۡق جَديد» ردًّا على منكري إعادة النشأة في الرعد 5 وإبراهيم 19 والإسراء 49 والإسراء 98 والسجدة 10 وسبإ 7 وفاطر 16 وقٓ ق 15. - التخليقُ البشريّ المُقدَّر بإذن الله: تشكيلُ عيسى من الطين كهيئة الطير في آل عمران 49 والمائدة 110. - الاحتجاجُ بعجز الآلهة عن الخلق: ﴿لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ﴾ في النحل 20، والمعنى نفسه في الفرقان 3، و﴿مَاذَا خَلَقُواْ﴾ في فاطر 40 والأحقاف 4، و﴿أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ﴾ في الطور 35. - الاختلاقُ بمعنى افتعال الكذب: ﴿وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًا﴾ في العنكبوت 17، و﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ﴾ في صٓ ص 7. - «خَلاق» بمعنى النصيب المقدَّر في الآخرة: البقرة 102 والبقرة 200، وآل عمران 77، والتوبة 69. - «خُلُق» بمعنى الطبع والسجيّة: ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ في القلم 4، و﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ في الشعراء 137.

القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر

غلبةُ صيغة الفعل الماضي «خَلَقَ» مسندًا إلى الله أو إلى ضميره — كقوله ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ﴾ — تكشف أنّ الجذر في الأغلب خبرٌ عن فعلٍ إلهيٍّ مُنجَز، يُساق دليلًا على الربوبيّة واستحقاق العبادة، ولذا يقترن كثيرًا بـ﴿ٱعۡبُدُواْ﴾ و﴿فَٱعۡبُدُوهُ﴾. وتأتي صيغةُ المضارع «يَخۡلُقُ» غالبًا في سياق المشيئة المستمرّة ﴿يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ﴾، واسمُ الفاعل «خالق» في سياق التفرّد ﴿هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ﴾ و﴿خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ﴾؛ فالصيغةُ تتبع المعنى لا تنفصل عنه.

مُقارَنَة جَذر خلق بِجذور شَبيهَة

يفترق «خلق» عن «جعل» بأنّ جعلًا يعيّن حال الشيء أو وظيفته بعد وجوده، أمّا خلقٌ فيُسنَد إلى أصل الإيجاد والتقدير؛ ويجتمعان في آيةٍ واحدة تكشف الفرق ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ﴾ (الأنعام 1) — فالخلقُ سابقٌ للهيئة والجعلُ لاحقٌ بالوظيفة. ويفترق عن «فطر» بأنّ فطرًا يبرز شقَّ النشأة وابتداءها، وفي آيةٍ واحدة يجتمعان ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِ﴾ (الروم 30) — فالفطرُ للابتداء والخلقُ للهيئة المقدَّرة الثابتة. ويفترق عن «كون» بأنّ كونًا تحقُّقُ وجودٍ مجرّد، والخلقُ فعلُ تقديرٍ وإنشاء، ولذلك يقترنان: ﴿إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ يعقُب ﴿يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ في آل عمران 47.

اختِبار الاستِبدال

لو أُبدِل «خلق» بـ«جعل» في ﴿ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ﴾ (البقرة 21) لانتقل المعنى من إيجاد أصل النشأة إلى تعيين حالٍ أو وظيفةٍ بعد وجودٍ مفترَض، وهو ما يُبطل سياق الاحتجاج على وجوب العبادة لأنّ الحجّة قائمةٌ على أنّه موجِدُهم لا مجرّد مُعيِّنِ حالهم. ولو أُبدِل بـ«كان» أو «كوّن» لزال فعلُ التقدير الذي يصرّح به ﴿فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ (الفرقان 2)، وبقي مجرّدُ تحقّق وجود. وأقربُ الجذور إليه «فطر»، ولو أُبدِل به في ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ﴾ (التين 4) لأبرز لحظةَ شقّ النشأة الأولى، وضاع التركيزُ على الهيئة المقدَّرة الكاملة التي يدلّ عليها «أحسن تقويم». فكلُّ إبدالٍ يُسقط قيدًا من قيود التعريف.

الفُروق الدَقيقَة

داخل مادّة الجذر نفسها فروقٌ دقيقة لا تُختزل:

- الخلقُ الإيجاديّ غيرُ التخليق الكاذب: حين يُسنَد الفعل إلى الله فهو إيجادٌ على تقديرٍ حقّ ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾ (يونس 5)؛ وحين يُسنَد إلى المفترين فهو افتعالٌ لا أصل له ﴿وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًا﴾ (العنكبوت 17)، ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ﴾ (صٓ ص 7) — فالقيدُ المميِّز وجودُ التقدير الحقّ من عدمه. - الخلقُ الإلهيّ غيرُ التخليق البشريّ: التخليقُ البشريّ لا يكون إلّا من مادّةٍ قائمة وبإذنٍ صريحٍ مكرَّر ﴿وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي﴾ (المائدة 110)، بينما الخلقُ الإلهيّ يشمل إيجاد كلِّ شيءٍ بلا مادّةٍ سابقةٍ لازمة وبلا إذنٍ من أحد. - الخَلْقُ المصدرُ غيرُ «خُلُق» الاسم: «خَلْق» إيجادٌ أو إنشاءٌ على هيئة، أمّا «خُلُق» فالهيئةُ نفسُها صارت سجيّةً راسخةً في الإنسان ﴿لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ (القلم 4)، ﴿خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ (الشعراء 137). - «خَلاق» صيغةٌ قليلةٌ تدلّ على النصيب المقدَّر في الآخرة ﴿مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ﴾ (البقرة 102)، ﴿لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ﴾ (آل عمران 77)، ولا تُحوِّل الجذر إلى «نصيب»، فأكثرُ المدوّنة في الإيجاد.

الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه

هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الخلق والإيجاد والتكوين.

ينتمي «خلق» إلى حقل الخلق والإيجاد والتكوين بوصفه الجذرَ المركزيّ فيه، إذ يحمل فعلَ التقدير والإنشاء على هيئة. وتجاوره في الحقل جذورٌ بزوايا لا تساويه: «جعل» وزاويته تعيينُ الحال أو الوظيفة، و«فطر» وزاويته شقُّ النشأة وابتداؤها، و«كون» وزاويته تحقُّقُ الوجود، و«بدع» و«برأ» و«صوّر» التي تجتمع معه في موضعٍ واحد ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُ﴾ (الحشر 24) — فالخالقُ يُقدِّر، والبارئُ يُبرز، والمصوِّرُ يُهيّئ الصورة. ومركزيّةُ الجذر في الحقل تظهر من أنّ صفة «الخالق» تُساق وحدها دليلًا على التفرّد بالربوبيّة ﴿هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ﴾ (فاطر 3).

مَنهَج تَحليل جَذر خلق

اعتمد الحكمُ على نصّ الآيات الـ218 ومواضع الجذر في الفهرس الداخليّ، دون مصدرٍ خارج النصّ. والمنهجُ الحاكم هو تمييزُ المسالك: فُحِص كلُّ موضعٍ ليُعرَف هل الفاعل هو الله فيكون المسلكُ الخلقَ الإيجاديّ، أم بشرٌ بإذنٍ فيكون التخليقَ المُقدَّر، أم مُفترٍ فيكون الاختلاق؛ وفُصِل الاسمُ «خُلُق» عن المصدر «خَلْق» لأنّ الأوّل طبعٌ راسخٌ والثاني فعلُ إنشاء. وبهذا التمييز لم يَفشل التعريفُ في موضعٍ واحد، إذ ردَّ المسالكَ الأربعة إلى جامعٍ واحد هو «التقدير على هيئة». وسُجِّل اختلافٌ عدديٌّ يسير بين الفهرس المعتمد وأداة العدّ المساعدة، فاعتُمد الفهرسُ ونصُّ الآيات. ولم يُبنَ التعريفُ على صيغة «خلاق» القليلة وحدها.

الجَذر الضِدّ

الضدُّ البنيويّ الأقرب هو «الأمر»: يقابل القرآنُ بينهما صراحةً في موضعٍ حاسم ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (الأعراف 54) — فالخلقُ جهةُ الإيجاد والتقدير، والأمرُ جهةُ التدبير والتسيير بعد الإيجاد، وهما معًا تمامُ الربوبيّة؛ ويُعزِّز هذا التقابُلَ أنّ الآية نفسَها تصف الشمس والقمر والنجوم بأنّها ﴿مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦ﴾ بعد ذكر خلقها. وثمّة تقابُلٌ ثانٍ داخل الحقل نفسه: الخلقُ الحقّ في مقابل الاختلاق الكاذب ﴿وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًا﴾ (العنكبوت 17)، ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ﴾ (صٓ ص 7) — حيث يصير الجذرُ نفسُه ضدَّ معناه الأصيل حين يُنزَع منه التقديرُ الحقّ. ويُبرِز القرآنُ هذا التقابُل أيضًا بنفي الخلق عن الآلهة المزعومة ومقابلةِ القادر بالعاجز ﴿أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُ﴾ (النحل 17)، ﴿لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ﴾ (النحل 20). وأمّا التقابُل «الخلق ↔ البعث» فليس تقابُلَ ضدّيّة بل تقابُلُ تتابُع، إذ البعثُ إعادةٌ للخلق لا نقيضٌ له ﴿كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥ﴾ (الأنبياء 104).

نَتيجَة تَحليل جَذر خلق

«خلق» تقديرُ شيءٍ وإنشاؤه على هيئةٍ وقدر: أغلبُه الإيجادُ الإلهيّ للكون والإنسان بقَدَر، ومنه التخليقُ البشريّ المُقدَّر بإذن الله، ومنه الاختلاقُ افتعالًا للإفك، وفي الاسم «خُلُق» يكون التقديرُ طبعًا راسخًا. والجامعُ الواحد بين هذه المسالك يصمد على الـ218 آية بلا موضعٍ شاذّ. ولا يساوي الجذرُ «جعلًا» وهو تعيينُ حال، ولا «كونًا» وهو تحقُّقُ وجود، ولا «فطرًا» وهو شقُّ الابتداء. وضدُّه البنيويّ «الأمر» في ﴿لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُ﴾. وينتظم هذا الحكمُ في 261 موضعًا داخل 218 آية.

شَواهد قُرءانيّة من جَذر خلق

شواهدُ تغطّي تنوّع الصيغ والمسالك:

- الأعراف 54 — ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ — الخلق والأمر. - الفرقان 2 — ﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ — قرنُ الخلق بالتقدير. - القمر 49 — ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ — الخلق بقَدَر. - المؤمنون 14 — ﴿ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ﴾ — التخليق المتدرّج واسمُ الفاعل الجمع. - الزمر 6 — ﴿يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖ﴾ — خلقٌ بعد خلق. - التين 4 — ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ﴾ — الهيئة المقدَّرة. - البقرة 21 — ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ — الخلق حجّةُ العبادة. - آل عمران 49 — ﴿أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ — التخليق البشريّ بإذن. - النحل 17 — ﴿أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ — احتجاجٌ بمقابلة القادر والعاجز. - النحل 20 — ﴿وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ﴾ — الفعل المبنيّ للمجهول ونفيُ الخلق عن الآلهة. - العنكبوت 17 — ﴿إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًا﴾ — الاختلاق. - صٓ ص 7 — ﴿مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ﴾ — الاختلاق بصيغة المصدر المزيد. - القلم 4 — ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ — «خُلُق» الطبع. - الشعراء 137 — ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ — «خُلُق» السجيّة الموروثة. - البقرة 200 — ﴿فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ﴾ — «خَلاق» النصيب. - فاطر 3 — ﴿هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ — اسمُ الفاعل المفرد والتفرّد. - الرعد 5 — ﴿أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ﴾ — «خَلْق جديد» في الاحتجاج على البعث. - النساء 28 — ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا﴾ — المبنيّ للمجهول في وصف طبع الإنسان.

لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر خلق

تجمع الأعراف 54 بين الخلق والأمر في نسقٍ واحد ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُ﴾، فيثبت أنّ الخلق ليس مجرّد حكمٍ أو أمر، بل جهةُ تكوينٍ قائمة يعقُبها الأمرُ جهةَ تدبير.

نمطُ «في ستّة أيّام»: يقترن خلقُ السماوات والأرض بقيد «في ستّة أيّام» في سبعة مواضع متقاربة البنية — الأعراف 54، ويونس 3، وهود 7، والفرقان 59، والسجدة 4، وقٓ ق 38، والحديد 4 — وثباتُ هذه الصيغة دليلٌ على وحدة الخبر.

نمطُ الاحتجاج على البعث بـ«خَلۡق جَديد»: تتكرّر صيغةُ ﴿خَلۡقٖ جَدِيدٖ﴾ ردًّا على منكري إعادة النشأة في ثمانية مواضع — الرعد 5، وإبراهيم 19، والإسراء 49 والإسراء 98، والسجدة 10، وسبإ 7، وفاطر 16، وقٓ ق 15 — فالجذرُ نفسُه يصير حجّةَ البعث.

قرنُ الخلق بالتقدير: حيثما ذُكر تمامُ الخلق صراحةً قُرن بالقَدَر — ﴿فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ (الفرقان 2)، ﴿خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ (القمر 49)، ﴿مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ﴾ (عَبَسَ عبس 19) — وهذا يثبت أنّ التقدير قيدٌ في صلب المعنى لا زيادةٌ عليه.

انقلابُ الإسناد ينقلب به المعنى: الجذرُ بعينه حين يُسنَد إلى الله إيجادٌ على تقديرٍ حقّ، وحين يُسنَد إلى المفترين افتعالُ إفكٍ ﴿وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًا﴾ — وهو أوضحُ مثالٍ على أنّ مسلك الجذر يتحدّد بفاعله.

اطّرادُ الإسناد الإلهيّ: الغالبُ الأعظم من المواضع فعلٌ فاعلُه الله، حتّى صار اسمُ الفاعل «الخالق» يُساق وحده دليلًا على التفرّد ﴿هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ﴾ (فاطر 3)، ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ﴾ (الزمر 62)، ومنه جاءت المحاجَّةُ بنفي الخلق عمّا سواه.

إحصاءات جَذر خلق

  • المَواضع: ٢٦١ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
  • الصِيَغ: ٩٦ صيغة فَريدة.
  • أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: خَلَقَ.
  • أَبرَز الصِيَغ: خَلَقَ (٥٦) خَلَقۡنَا (١٨) يَخۡلُقُ (١٠) خَلَقَكُمۡ (٨) خَلَقَكُم (٨) ٱلۡخَلۡقَ (٧) خَلَقۡنَٰكُمۡ (٦) خَلۡقٖ (٦)