مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر غني في القُرءان الكَريم — 73 مَوضعًا
جواب مباشر
معنى جذر غني في القرآن
معنى جذر «غني» في القرآن: غني يدل في القرآن على قيام الكفاية أو انتفائها: فالله غني بذاته لا يحتاج إلى خلقه، والعبد قد يغنى بعطاء أو يظن الاستغناء فيطغى، وما لا يغني لا يملك دفع حاجة ولا إقامة حق.
ورد الجذر 73 موضعًا، في 34 صيغة في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «السَعَة والاستيعاب». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر غني من شواهد القرءان وحده.
تطابق أسئلة البحث: معنى جذر غني في القران، معنى جذر غني في القرآن، معنى جذر غني في القرءان، تحليل جذر غني في القران، دلالة جذر غني في القرآن.
التَعريف المُحكَم لجَذر غني في القُرءان الكَريم
غني يدل في القرآن على قيام الكفاية أو انتفائها: فالله غني بذاته لا يحتاج إلى خلقه، والعبد قد يغنى بعطاء أو يظن الاستغناء فيطغى، وما لا يغني لا يملك دفع حاجة ولا إقامة حق.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
خلاصة الجذر: الغنى الحق استقلال ذاتي عن الحاجة لا يثبت إلا لله، وما عداه إما إغناء مَوقوف على فضله أو دعوى منقوضة. ومدار أكثر المواضع نفي أن يغني المالُ أو الجمعُ أو الآلهةُ شيئًا عند الحساب.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر غني
الزاوية المخصوصة لجذر «غني» أنه يقيس العلاقة بين الذات وحاجتها: هل الذات مكتفية بنفسها أم مفتقرة إلى غيرها، وهل الشيء قادر على سد حاجة أم عاجز عنها. وعليه يتوزع الجذر في القرآن على وجهين متقابلين: غنى ثابت لا سبيل إلى نقضه وهو وصف الله وحده، وغنى عارض ينسب إلى المخلوق فيكون عطاءً موقوتًا أو دعوى كاذبة. ومن هذا المحور يتفرع نفي الكفاية عمّا سوى الله: المال والولد والآلهة والشفاعة، كلها «لا تغني شيئًا» حين يجيء أمر الله.
الآية المَركَزيّة لِجَذر غني
الآية الجامعة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾؛ لأنها تقابل فقر الخلق بغنى الله، وتحصر الغنى المطلق فيه بضمير الفصل «هو».
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
تتوزع الصيغ المِعياريَّة للجذر على 24 صيغة: أسماء وصفية مثل غني، غنيا، الغني، لغني، وأغنياء/الأغنياء؛ وأفعال إغناء ونفي كفاية مثل أغنى، فأغنى، أغناهم، أغنت، تغني، يغني، يغنوا، يغنهم، يغنيه، يغنيهم، يغنيكم، يغنيا؛ وصيغ استغناء مثل استغنى وواستغنى، مع اسم الفاعل مغنون. أما الصيغ الرَسميَّة فعددها 34، ومنها غَنِيٌّ، ٱلۡغَنِيُّ، أَغۡنَىٰ، تُغۡنِي، يُغۡنِي، وَٱسۡتَغۡنَىٰ، فتُعد صور رسم وضبط لا صيغًا معيارية مستقلة.
الصِيَغ القُرءانيّة لِجَذر غني — تَجميع آليّ بِالأَوزان
صيغ الجَذر «غني» مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع).
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر غني
ورد الجذر في 73 موضعًا داخل 72 آية، وتنتظم مواضعه في خمسة مسالك دلالية. المسلك الأول: الغنى صفةً مطلقة لله، اسمًا معرفًا بأل في فاطر والحديد ولقمان والممتحنة والأنعام والحج ويونس ومحمد، ووصفًا منكرًا في البقرة وإبراهيم والعنكبوت والزمر والنمل والتغابن، وهو في غالبه مقترن بالحمد. المسلك الثاني: الإغناء فعلًا إلهيًّا ينقل الفقير إلى الكفاية، كما في الضحى والتوبة والنور. المسلك الثالث: نفي أن يغني المالُ والولدُ شيئًا عند الله، يتكرر في آل عمران والمجادلة والليل والحاقة والمسد والحجر والشعراء والزمر وغافر. المسلك الرابع: نفي أن تغني الآلهةُ والشفاعةُ والجمعُ شيئًا، في هود ومريم ويس والنجم والأعراف والأنفال والتوبة وإبراهيم وغافر. المسلك الخامس: الاستغناء فعلًا بشريًّا مذمومًا يقترن بالطغيان والبخل، في العلق والليل وعبس، ومعه «كأن لم يغنوا» بمعنى محو أثر الاستقرار في الأعراف وهود ويونس.
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
القاسم المثبت بالمسح الكلّيّ للمواضع الثلاثة والسبعين: في كل موضع تُقاس كفاية ذات أو شيء بإزاء حاجة. فحيثما أُسند الغنى إلى الله جاء مطلقًا لا يقبل نقضًا، وحيثما أُسند إلى مخلوق جاء موقوفًا على عطاء أو منفيًّا أو موسومًا بالدعوى. لا يشذّ موضع عن هذا الميزان: قيام الكفاية أو انتفاؤها.
مُقارَنَة جَذر غني بِجذور شَبيهَة
يفترق غني عن كفي بأن الكفاية سد المطلوب، أما الغنى فهو حال انتفاء الحاجة أو عجز الشيء عن إحداثها. ويفترق عن وسع بأن الوسع سعة قدرة أو عطاء، أما الغنى فاستقلال عن الحاجة. ويفترق عن مال بأن المال عين مملوكة، والغنى أثر كفاية أو دعوى كفاية.
اختِبار الاستِبدال
لو أبدل «الغني» في فاطر 15 بـ«الكافي» لفات تقابل الفقر والغنى. ولو أبدل «لا يغني» في يونس 36 بـ«لا ينفع» لفات معنى العجز عن القيام مقام الحق.
الفُروق الدَقيقَة
الاستغناء البشري يأتي موضع ذم حين يقترن بالبخل أو الطغيان، أما استغناء الله فإظهار كمال لا يسبقه احتياج. وعبارة «كأن لم يغنوا فيها» تضيف وجهًا ثالثًا: محو أثر الإقامة حتى كأن المكث لم يقع.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: السَعَة والاستيعاب · الفقر والحاجة.
في حقل الغنى والحاجة يمثل الجذر طرف الكفاية وادعاءها، ويتقابل نصيًا مع فقر. المال قد يكون سببًا، والكفاية قد تكون نتيجة، لكن الغنى هو الحالة التي ترفع الحاجة أو يظن صاحبها ذلك.
مَنهَج تَحليل جَذر غني
فُحصت المواضع الثلاثة والسبعون مع إبقاء تكرار التغابن 6 لأنه يجمع «واستغنى» و«غني». وفُصلت الصيغ المعيارية الأربع والعشرون عن صور الرسم الأربع والثلاثين.
الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر فقر)
ضد «غني» الصريح هو «فقر» حين يكون المدار على الكفاية والحاجة. تظهر العلاقة في سبعة مواضع يجتمع فيها الجذران، وأقواها آية فاطر ومحمد حيث يثبت الغنى لله وتثبت الحاجة للخلق، وآية النساء في الحكم بين الغني والفقير. ومع ذلك فليس كل موضع من «غني» ضدًا مباشرًا للفقر؛ فالفعل «لا يغني» قد يعني عدم الدفع أو عدم النفع في سياق العذاب، لا الفقر المالي. لذلك يحكم هذا القسم على محور الكفاية: غني هو من له الكفاية أو من يظنها، وفقير هو من انكشفت حاجته إلى غيره. واللطيفة أن القرآن يميز بين غنى ذاتي لله وغنى عارض للخلق.
- الغنى الإلهي ذاتي، والفقر البشري وجودي أو معاشي بحسب السياق.
- نفي الإغناء ليس دائمًا ذكرًا للفقر، بل قد يكون نفيًا للنفع والدفع.
نَتيجَة تَحليل جَذر غني
النتيجة: غني جذرٌ يقيس قيام الكفاية أو انتفاءها، ينحصر غناه المطلق في الله ويبقى غنى المخلوق عارضًا أو منفيًّا. ورد في 73 موضعًا داخل 72 آية، عبر 24 صيغة معيارية و34 صورة رسم عثماني.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر غني
الشواهد الكاشفة لمدلول الجذر، تغطّي مساكله الخمسة:
- الحدِيد 24 — ﴿ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ - وجه الشاهد: حصر الغنى المطلق في الله، مقرونًا بالحمد. - آل عِمران 97 — ﴿فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ - وجه الشاهد: الغنى علةٌ لنفي حاجة الله إلى عباده. - العَنكبُوت 6 — ﴿وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ - وجه الشاهد: غنى الله عن جهاد المجاهدين، فنفعه عائد إليهم. - المَسَد 2 — ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ﴾ - وجه الشاهد: نفي أن يغني المالُ والكسبُ شيئًا. - الحَاقة 28 — ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ﴾ - وجه الشاهد: اعتراف صاحب الشمال بعجز ماله عن الإغناء. - اللَّيل 11 — ﴿وَمَا يُغۡنِي عَنۡهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ﴾ - وجه الشاهد: المال لا يغني عن صاحبه ساعة الهلاك. - هُود 101 — ﴿وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ﴾ - وجه الشاهد: نفي أن تغني الآلهة المدعوة من دون الله شيئًا. - مَريَم 42 — ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا﴾ - وجه الشاهد: المعبود من دون الله عاجز عن أن يغني عن عابده. - النَّجم 26 — ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ﴾ - وجه الشاهد: شفاعة الملائكة لا تغني إلا بإذن الله. - التوبَة 28 — ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ - وجه الشاهد: الإغناء فعلٌ إلهيّ يدفع خوف العيلة. - الضُّحى 8 — ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ﴾ - وجه الشاهد: الإغناء نقلٌ من العيلة إلى الكفاية بفعل الله. - العَلَق 7 — ﴿أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ﴾ - وجه الشاهد: الاستغناء البشري علةٌ للطغيان. - الأعرَاف 92 — ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ - وجه الشاهد: نفي أثر الاستقرار حتى كأن المكث لم يقع.
لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر غني
— اللطيفة الأولى: الضبط العددي — ورد الجذر 73 موضعًا في 72 آية، والفارق موضعٌ واحد ناتج عن اجتماع صيغتين في آية واحدة هي التغابن 6 ﴿وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾، فجمعت بين فعل الاستغناء ووصف الغنى في سياق واحد.
— اللطيفة الثانية: «ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ» اقترانٌ ثابت — حين يأتي الغنى اسمًا معرفًا بأل لله يقترن بالحمد اطّرادًا: «ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ» في فاطر 15 والحج 64 والحديد 24 ولقمان 26، و«غَنِيٌّ حَمِيدٞ» في البقرة 267 وإبراهيم 8 ولقمان 12 والممتحنة 6 والتغابن 6. فالغنى المطلق لا يُذكر مجرّدًا عن استحقاق الحمد، إذ هو غنىً واهبٌ لا مكتنزٌ.
— اللطيفة الثالثة: نفي الكفاية موصولٌ بـ«شيئًا» — حين يُنفى أن يغني المالُ أو الجمعُ أو الآلهةُ، يجيء النفي مذيّلًا بـ«شيئًا» النكرة في سياق النفي لتعميم العجز: ﴿لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ﴾ مع «شَيۡـًٔا» في آل عمران 10 و116 والمجادلة 17، و﴿فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا﴾ في التوبة 25، ومثله في الأنفال 19 ويس 23 والنجم 26 والجاثية 10 والدخان 41 والطور 46. فالعجز معمَّمٌ لا يستثني قليلًا ولا كثيرًا.
— اللطيفة الرابعة: «كأن لم يغنوا» بنية محو الأثر — يتكرّر الفعل اللازم في صيغة محو الاستقرار: ﴿كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآ﴾ في الأعراف 92 وهود 68 و95 عن المكذِّبين، و﴿كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ﴾ في يونس 24 عن الأرض بعد زينتها، فيستوي محو أثر القرى ومحو أثر النبات: كأن العمار لم يكن.
«يغن» (موضع واحد) ⟂ «يغني» (10 مواضع) — الياء النِهائيّة. «يُغۡنِ» في النساء 130 ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ﴾، الياء النِهائيّة مَحذوفَة رَسمًا لِأَنَّ الفِعل مَجزوم في جَواب الشَرط بِـ«إن». و«يُغۡنِي» في عشرة مَواضع بِالياء، رَسم الفِعل المَرفوع في الإخبار العامّ عَن إغناء الله أَو نَفي إغناء الأَنداد. فالفَرق إعرابيّ بَحت يَتبَع قاعِدَة حَذف الياء عِندَ الجَزم.
يلتقي «غني» و«مول» في ثمانية مواضع، والميزان الذي ينتظمها أنّ المالَ عينٌ مملوكة خارجة عن الذات، والغنى أثرُ كفايةٍ يقوم بالذات أو يُنفى عنها؛ فحين يجتمع الجذران يُختبَر هل يُحدِث المالُ الكفايةَ أم يَعجِز عنها.
والمسح الكامل لهذه المواضع يكشف انتظامًا لا يتخلّف: في كلّ موضعٍ يكون فيه فعلُ الإغناء واردًا والمالُ فاعلَه، يأتي الفعل منفيًّا، فيُنصَب المالُ سببًا متوهَّمًا للكفاية ثمّ يُسلَب عنه إحداثُها. وذلك في ستّة مواضع: ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ﴾ (المسد ٢)، و﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ﴾ (الحاقة ٢٨)، و﴿وَمَا يُغۡنِي عَنۡهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ﴾ (الليل ١١)، و﴿لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ﴾ في آل عمران ١٠ و١١٦، ومثلها في المجادلة ١٧. فالمالُ موضوعُ الإغناء المنفيّ لا محدِثُه؛ يملكه صاحبه ولا يبلغ به الكفايةَ يوم الحساب.
وفي مقابل ذلك، حين يَثبُت الإغناءُ ويَنجح لا يكون المالُ فاعلَه قطّ، بل يكون اللهُ هو المُغني والمالُ أداةً في يده: ﴿حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ﴾ … ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ﴾ (النور ٣٣)، فالكفاية فعلٌ إلهيّ، والمالُ عطاءٌ من فضله يُساق إليها. فلا يُنسَب الإغناءُ الناجح إلى المال في موضعٍ واحد من القرآن.
ومن هنا يفترق المحوران: الغنى حالُ ارتفاع الحاجة، والمالُ عينٌ قد تُتَّخذ سببًا للكفاية فتُكذَّب، أو يَسوقها اللهُ أداةً لكفايةٍ يُحدِثها هو. ويتأكّد المعنى في موضع الذمّ ﴿أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ﴾ (العلق ٧): فالاستغناءُ هنا توهُّمُ بلوغِ الكفاية بالذات، حالةٌ نفسيّة تُورِث الطغيان لا عينًا مملوكة.
وأمّا «الغنيّ» اسمًا لله فمداره الأغلب على الحمد لا على المال؛ ولا يُقابَل بالفقر صراحةً في الآية إلّا في موضعين: فاطر ١٥ ﴿أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾، ومحمد ٣٨ ﴿وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ﴾. فالغنى المطلق يثبت لله بذاته، ويبقى المالُ في حيّز المخلوق سببًا موقوفًا لا يبلغ بصاحبه كفايةً عند الله.
إحصاءات جَذر غني
- المَواضع: 73 مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
- الصِيَغ: 34 صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: يُغۡنِي.
- أَبرَز الصِيَغ: يُغۡنِي (10) أَغۡنَىٰ (9) ٱلۡغَنِيُّ (7) غَنِيٌّ (6) تُغۡنِيَ (4) يَغۡنَوۡاْ (3) تُغۡنِ (3) غَنِيًّا (2)
الرَسم التَوقيفيّ — أَزواج جَذر غني
- يغن ⟂ يغني (الياء النِهائيّة): «يُغۡنِ» (1 مَوضع وَحيد) في النِساء 4:130 «وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِ» — الياء النِهائيّة مَحذوفَة رَسمًا لِأَنَّ الفِعل مَجزوم في جَواب الشَرط بِـ«إن». «يُغۡنِي» (10 مَواضع، مَع ياء) رَسم الفِعل المَرفوع في…«يُغۡنِ» (1 مَوضع وَحيد) في النِساء 4:130 «وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِ» — الياء النِهائيّة مَحذوفَة رَسمًا لِأَنَّ الفِعل مَجزوم في جَواب الشَرط بِـ«إن». «يُغۡنِي» (10 مَواضع، مَع ياء) رَسم الفِعل المَرفوع في الإخبار العامّ عَن إغناء الله أَو نَفي إغناء الأَنداد. الفَرق إعرابيّ بَحت يَتَّبِع قاعِدَة العَرَبيّة في حَذف الياء عِندَ الجَزم بِجَواب شَرط «إن».
أَبواب الفِعل لِجَذر غني
الجامع الدلاليّ في الجذر «غني» هو الكفايَة وعَدَم الحاجة. غير أنّ القرءان وزّع هذا المعنى على ثَلاثَة أَبواب لا يَسدّ أَحَدُها مَسَدّ الآخَر: المجرَّد (غَنِيٌّ / الغَنيُّ / تَغۡنَ / يَغۡنَوۡاْ) يَصِف صِفَةً ثابِتَةً قائمَةً بِالموصوف، فالغِنى نَعت لازِم لله ولا يُسنَد إلى المَخلوق إلا مُقَيَّدًا أَو مَنفيًّا (كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ). والإفعال (أَغنى / يُغني) يَصِف فِعلَ الكِفايَة الواقِع من فاعِل عَلى مَفعول — فإن أَسنِد إلى الله أَفاد إفاضَة الكِفايَة عَلى الفُقَراء، وإن أَسنِد إلى غَير الله جاءَ نَفيًا قاطِعًا: ﴿لَن تُغۡنِيَ﴾، ﴿لَا يُغۡنِي﴾. والاستفعال (استَغنى) يَصِف طَلَب الكِفايَة من النَفس واستِشعار الاستِغناء عَن الغَير، وهو في القرءان يَقتَرِن بِالكُفر والبُخل والطُغيان في خَمس مَواضِع كاسِمَة. ومَدار الفَرق: هل الغِنى صِفَة قائمَة؟ أَم فِعل مُفاض عَلى الغَير؟ أَم استِشعار ذاتيّ يُغني عَن الافتِقار إلى الحَقّ؟
- ﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ﴾ (البَقَرَة ٢٦٣)
- ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (آل عِمران ٩٧)
- ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ (النِّسَاء ٦)
- ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ﴾ (الأعرَاف ٩٢)
- ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (إبراهِيم ٨)
- ﴿هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ (يُونس ٦٨)
- ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ (الحَجّ ٦٤)
- ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (العَنكبُوت ٦)
- ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ (فَاطِر ١٥)
- ﴿وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ﴾ (مُحمد ٣٨)
- ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ و﴿يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾ (البَقَرَة ٢٧٣)
- ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ﴾ (آل عِمران ١٠)
- ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ﴾ (آل عِمران ١٨١)
- ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ﴾ (النِّسَاء ١٣٠)
- ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ (الأعرَاف ٤٨)
- ﴿فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ﴾ (التوبَة ٢٨)
- ﴿وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ﴾ (التوبَة ٧٤)
- ﴿فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ﴾ (هُود ١٠١)
- ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ﴾ (النور ٣٢)
- ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ﴾ (الضُّحى ٨)
- ﴿أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ﴾ (عَبَسَ ٥)
- ﴿أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ﴾ (العَلَق ٧)
- ﴿وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ﴾ (اللَّيل ٨)
- ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾ (التغَابُن ٦)
- ﴿وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ﴾ (النور ٣٣)
لَطائف بِنيويّة
- اللطيفة المركزيّة — التغَابُن ٦ تَجمَع البابَين الأَكثَر تَمايُزًا في آية واحِدَة: ﴿وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾. الاستفعال يَصِف فِعل الاستِغناء عَن قَوم كَفَروا وَتَوَلَّوا، والمجرَّد يَختِم بِالصِفَة الثابِتَة. التَوالي مَقصود: الفِعل يَستَنِد إلى الصِفَة، فاستِغناء الحَقّ لا يَكون إلا لأَنّ الحَقّ غَنيّ بِذاته. وهذا المَوضِع هو الوَحيد في القرءان الذي يَجمَع البابَين I و X في آية واحِدَة لله، فَيَكشِف القانون البِنيويّ كامِلًا.
- قانون الفاعِل في الإفعال — مِفتاح الجذر: الإفعال (يُغۡني / أَغۡنى) أَربَع وأَربَعون مَوضِعًا، يَنقَسِم بِحَسَب الفاعِل قِسمَةً قاطِعَةً: إن كان الفاعِل الله أُثبِت الفِعل ﴿يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ﴾ (النور ٣٢) ﴿فَأَغۡنَىٰ﴾ (الضُّحى ٨)، وإن كان غَيره نُفي الفِعل ﴿لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ﴾ (آل عِمران ١٠، ١١٦؛ المُجَادلة ١٧) ﴿لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا﴾ (الدُّخان ٤١) ﴿فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ (الحِجر ٨٤؛ الزُّمَر ٥٠؛ غَافِر ٨٢). لا استِثناء واحِد لِهذا القانون في ٤٤ مَوضِعًا.
- تَلازُم «غَنيّ حَميد» — قَرينَة بِنيويَّة: المجرَّد «غَنيّ» يُلازِم وَصف «حَميد» في عَشرَة مَواضِع: البَقَرَة ٢٦٧، النِّسَاء ١٣١، إبراهِيم ٨، الحَجّ ٦٤، لُقمَان ١٢، ٢٦، فَاطِر ١٥، الحَديد ٢٤، المُمتَحنَة ٦، التغَابُن ٦. ولم يَأتِ «أَغنى» مَع «حَميد» وَلا مَرّة. الصِفَة المُطلَقَة تَستَوجِب الحَمد المُطلَق، أَمّا الفِعل المُتَعَدّي فَلا يَستَوجِبه بِنَفسه. وهذا يَكشِف أَنّ الحَمد في القرءان لازِم لِلكَمال الذاتيّ لا لِلعَطاء وَحده.
- تَقابُل «الغَنيّ» و«الفُقَراء» في فَاطِر ١٥ ومُحمد ٣٨ — التَقابُل البِنيويّ الأَوضَح في الجذر: ﴿أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ (فَاطِر ١٥)، ﴿وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ﴾ (مُحمد ٣٨). الصيغَة بِأَل التَعريف الحاصِرَة في الطَرَفَين تَجعَل الغِنى مَقصورًا عَلى الله والفَقر مَقصورًا عَلى الإنسان. ويَزيد في آل عِمران ١٨١ المَقولَة المَنقولَة عَن المُفتَرين ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ﴾ — وهي قَلب القانون البِنيويّ، فَلا غَرابَة أَن جاءَ جَوابها ﴿سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ﴾.
- نَفي المجرَّد بِأَداة التَشبيه «كَأَن لَّمۡ» — قَرينَة الفَناء: المجرَّد المَنفيّ لا يَأتي مَع المَخلوق إلا بِأَداة التَشبيه ﴿كَأَن لَّمۡ﴾ في ثَلاث آيات: ﴿كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَا﴾ (الأعرَاف ٩٢؛ هُود ٦٨) في مَدين وَثَمود، و﴿كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ﴾ (يُونس ٢٤) في مَثَل الحَياة الدنيا. التَركيب الواحِد في ثَلاثَة سِياقات يَجعَل «الغِنى» في حَقّ المَخلوق وَجودًا عابِرًا يُمحى كَأَن لَم يَكُن، بِخِلاف غِنى الحَقّ الذي لا يَزول. وهذا يُؤَكِّد أَنّ الباب الأَوَّل في حَقّ المَخلوق يُستَخدَم لِنَفي الثَبات لا لِإثباته.
- اقتِران الاستفعال بِالبُخل والطُغيان — قانون السِياق: استَغنى في كل مَواضِعه المُسنَدَة إلى الإنسان (٤/٥) قُرِن بِفِعلٍ مَذموم: البُخل ﴿وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ﴾ (اللَّيل ٨)، الطُغيان ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ﴾ ﴿أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ﴾ (العَلَق ٦-٧)، الإعراض عَن المُنذِر ﴿أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ﴾ ﴿فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ﴾ (عَبَسَ ٥-٦)، والكُفر والتَوَلّي ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ﴾ (التغَابُن ٦). لا يَأتي استَغنى الإنسانيّ مَحمودًا أَبَدًا، لأَنّ طَلَب الكِفايَة من النَفس قَلب لِقانون ﴿أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ﴾ (فَاطِر ١٥).
- تَفريق صَريح بَين IV و X في النور ٣٢-٣٣: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ﴾ ثُمَّ ﴿وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ﴾. كِلا المَوضِعَين بِالإفعال — الفاعِل الله، والمَفعول الفُقَراء. ولم يَستَخدِم القرءان هنا الاستفعال «حَتّى يَستَغنوا»، لأَنّ الكِفايَة تَأتي إفاضَةً من الفَضل لا طَلَبًا من النَفس. هذا التَفريق الحاسِم بَين «يُغني الله» و«يَستَغني العَبد» يَفصِل الباب الرابِع المَحمود عَن الباب العاشِر المَذموم في حَقّ الإنسان.
- تَفريق بَين I و IV في موضع واحد — الزُّمَر ٧: ﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ﴾ بِالمجرَّد، ولم يَقُل «أَغنى الله نَفسه عَنكم». الصِفَة الذاتيّة كافيَة لِنَفي الحاجة، فَلا يُحتاج إلى فِعل تَعدية. وهذا يُقابِله في آل عِمران ٩٧ ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ والعَنكبُوت ٦ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ — في سياق الكُفر والجِهاد، يَأتي المجرَّد ولا يَأتي الإفعال، لأَنّ النَفي يَتَعَلَّق بِالصِفَة لا بِالفِعل.
أَسماء الله مِن جَذر غني
أَدعِيَة قُرءانيّة من جَذر غني
- يُوسُف — الآية 67﴿وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ﴾
- النَّمل — الآية 40﴿قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ﴾
- يسٓ — الآية 22–27﴿وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ﴾
اكتِشافات بِنيويّة تَخصّ جَذر غني
- الاستغناء يُفضي إلى الطغيان — قانون العلق العلق 6-7 يضع قانونًا اجتماعيًا ونفسيًا: «إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ — أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰ». الطغيان ليس سابقًا للغنى بل ناتج عنه. الاستغناء (رؤية النفس مكتفية لا تحتاج) يُنتج الطغيان (التجاو…العلق 6-7 يضع قانونًا اجتماعيًا ونفسيًا: «إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ — أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰ». الطغيان ليس سابقًا للغنى بل ناتج عنه. الاستغناء (رؤية النفس مكتفية لا تحتاج) يُنتج الطغيان (التجاوز في السلوك والادعاء). هذا التسلسل السببي يتكرر في حكايات القرآن: فرعون طغى لأنه رأى نفسه «الأعلى»، وقارون طغى لأنه قال ما أُوتيه «على علم عندي». مقابل الاستغناء المُطغي، القرآن يضع الافتقار الإلهي: «أَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ» (فاطر 15). الفقر بهذا المعنى ليس ضعفًا بل وضوحًا في الرؤية: من يرى حاجته لا يطغى. الجذر «طغي» يتجاوز 70 موضعًا ويرد دائمًا في سياق التجاوز للحد، لا مجرد الإفساد.
- الله الغنيّ وأنتم الفقراء — محمد 38 والعكس محمد 38 يحسم قاعدة في علاقة الغنى بالعلاقة مع الله: «هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱل…محمد 38 يحسم قاعدة في علاقة الغنى بالعلاقة مع الله: «هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ» — الله غني مطلق وأنتم فقراء مطلق، وهذا يُقلب منطق البخل: من يبخل إنما يضر نفسه. وفاطر 15 يُعمِّق القاعدة: «يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ». والعلق 6-7 يُفسِّر العلاقة المعاكسة: «إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ — أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰ» — رؤية الغنى الذاتي تُنتج الطغيان. هذا القانون ثلاثي الأوجه: الله الغني المطلق، والإنسان الفقير المطلق، ورؤية الاستغناء طريق الطغيان.
- فِعل ﴿أَغۡنَىٰ عَن﴾ مَنفِيٌّ دائمًا حينَ يَكونُ الفاعِلُ دُنيَويًّا فِعل الإغناء بِمَعنى دَفعِ الضُّرِّ وكِفايَةِ الحاجَة ـ ﴿أَغۡنَىٰ عَن﴾ ـ يَرِد في القرءان فاعِلُه دُنيَويّ نَحوَ ثَلاثينَ مَوضِعًا، وفي كُلِّها يَأتي مَنفِيًّا دونَ استِثناء: ما، لا، لَن، لَم، فَما.…فِعل الإغناء بِمَعنى دَفعِ الضُّرِّ وكِفايَةِ الحاجَة ـ ﴿أَغۡنَىٰ عَن﴾ ـ يَرِد في القرءان فاعِلُه دُنيَويّ نَحوَ ثَلاثينَ مَوضِعًا، وفي كُلِّها يَأتي مَنفِيًّا دونَ استِثناء: ما، لا، لَن، لَم، فَما. فالعامِلُ المَزعومُ نَفعُه ـ المالُ والوَلَدُ والآلِهَةُ والشَفاعَةُ والفِئَةُ والكَيدُ والسَّمعُ والأَبصارُ ـ يُسلَبُ عَنه الإغناءُ سَلبًا تامًّا في مَوطِنِ العَذابِ والقِيامَة. يَقولُ في الكافِرينَ ﴿لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا﴾ (آل عِمران ١٠)، وفي الآلِهَةِ ﴿فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ﴾ (هُود ١٠١)، وفي الشَفاعَةِ ﴿لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا﴾ (النَّجم ٢٦)، وفي يَومِ الفَصلِ ﴿يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا﴾ (الدُّخان ٤١). وكَثيرًا ما يُختَمُ المَنعُ بِكَلِمَةِ ﴿شَيۡـٔٗا﴾ المُنَكَّرَةِ التي تَستَغرِقُ كُلَّ نَفعٍ مُمكِنٍ فَتَنفيهِ. وهٰكَذا يَنحَصِرُ الإغناءُ الحَقيقيُّ في اللهِ وَحدَه، فَيَتَطابَقُ مَنعُ الفِعلِ عَن سِواهُ مَع قَصرِ الِاسمِ ﴿ٱلۡغَنِيُّ﴾ عَلَيهِ.
الجُموع — صِيَغ جَمع جَذر غني
- 73 مَوضعًاالجَذر «غني» له نمَطا جَمع: المُغنون السالم (2)، والأغنياء جَمع تَكسير (3).
الإيقاعات — عِبارات مُتَكَرِّرة تَحوي جَذر غني
- ﴿لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ﴾
- ﴿تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ﴾
- ﴿كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ﴾
- ﴿لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ﴾
- ﴿لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ﴾
- ﴿تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ﴾
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر غني في القرآن
— اللطيفة الأولى: الضبط العددي — ورد الجذر 73 موضعًا في 72 آية، والفارق موضعٌ واحد ناتج عن اجتماع صيغتين في آية واحدة هي التغابن 6 ﴿وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾، فجمعت بين فعل الاستغناء ووصف الغنى في سياق واحد.
— اللطيفة الثانية: «ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ» اقترانٌ ثابت — حين يأتي الغنى اسمًا معرفًا بأل لله يقترن بالحمد اطّرادًا: «ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ» في فاطر 15 والحج 64 والحديد 24 ولقمان 26، و«غَنِيٌّ حَمِيدٞ» في البقرة 267 وإبراهيم 8 ولقمان 12 والممتحنة 6 والتغابن 6. فالغنى المطلق لا يُذكر مجرّدًا عن استحقاق الحمد، إذ هو غنىً واهبٌ لا مكتنزٌ.
— اللطيفة الثالثة: نفي الكفاية موصولٌ بـ«شيئًا» — حين يُنفى أن يغني المالُ أو الجمعُ أو الآلهةُ، يجيء النفي مذيّلًا بـ«شيئًا» النكرة في سياق النفي لتعميم العجز: ﴿لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ﴾ مع «شَيۡـًٔا» في آل عمران 10 و116 والمجادلة 17، و﴿فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا﴾ في التوبة 25، ومثله في الأنفال 19 ويس 23 والنجم 26 والجاثية 10 والدخان 41 والطور 46. فالعجز معمَّمٌ لا يستثني قليلًا ولا كثيرًا.
— اللطيفة الرابعة: «كأن لم يغنوا» بنية محو الأثر — يتكرّر الفعل اللازم في صيغة محو الاستقرار: ﴿كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآ﴾ في الأعراف 92 وهود 68 و95 عن المكذِّبين، و﴿كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِ﴾ في يونس 24 عن الأرض بعد زينتها، فيستوي محو أثر القرى ومحو أثر النبات: كأن العمار لم يكن.
«يغن» (موضع واحد) ⟂ «يغني» (10 مواضع) — الياء النِهائيّة. «يُغۡنِ» في النساء 130 ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦ﴾، الياء النِهائيّة مَحذوفَة رَسمًا لِأَنَّ الفِعل مَجزوم في جَواب الشَرط بِـ«إن». و«يُغۡنِي» في عشرة مَواضع بِالياء، رَسم الفِعل المَرفوع في الإخبار العامّ عَن إغناء الله أَو نَفي إغناء الأَنداد. فالفَرق إعرابيّ بَحت يَتبَع قاعِدَة حَذف الياء عِندَ الجَزم.
يلتقي «غني» و«مول» في ثمانية مواضع، والميزان الذي ينتظمها أنّ المالَ عينٌ مملوكة خارجة عن الذات، والغنى أثرُ كفايةٍ يقوم بالذات أو يُنفى عنها؛ فحين يجتمع الجذران يُختبَر هل يُحدِث المالُ الكفايةَ أم يَعجِز عنها.