مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر ريب في القُرءان الكَريم — 36 مَوضعًا
جواب مباشر
معنى جذر ريب في القرآن
معنى جذر «ريب» في القرآن: ريب في القرآن: شك مقلق يزعزع الجزم بثبوت الأمر أو صدقه أو عاقبته، ويظهر غالبًا بنفيه عن الحق المتيقن أو بثبوته في قلوب المترددين.
ورد الجذر 36 موضعًا، في 17 صيغة في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «الظن والشك والريبة». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر ريب من شواهد القرءان وحده.
تطابق أسئلة البحث: معنى جذر ريب في القران، معنى جذر ريب في القرآن، معنى جذر ريب في القرءان، تحليل جذر ريب في القران، دلالة جذر ريب في القرآن.
التَعريف المُحكَم لجَذر ريب في القُرءان الكَريم
ريب في القرآن: شك مقلق يزعزع الجزم بثبوت الأمر أو صدقه أو عاقبته، ويظهر غالبًا بنفيه عن الحق المتيقن أو بثبوته في قلوب المترددين.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
ريب ليس مطلق ظن؛ هو اضطراب شك يمس الثبوت والصدق والعاقبة، ولذلك ينفى عن الكتاب والساعة ويثبت للمبطلين والمنافقين والمرتابين.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر ريب
ريب في القرآن اضطراب شك يداخل القلب أو الحكم تجاه أمر عظيم أو حق معروض. لذلك يكثر نفيه عن الكتاب والساعة والقيامة والوعد: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾، و﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا﴾.
ويظهر في الارتباب عند غياب الجزم العملي: ﴿إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ﴾، وفي الشك المريب الذي لا يقف عند تردد معرفي بل يحمل قلقًا واتهامًا: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ﴾.
الآية المَركَزيّة لِجَذر ريب
الجاثِية 32
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ﴾
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
- ريب: 17 موضعًا. - ترتابوا: 1 موضعًا. - ارتبتم: 2 موضعًا. - وارتابت: 1 موضعًا. - ريبهم: 1 موضعًا. - ريبة: 1 موضعًا. - مريب: 7 موضعًا. - ارتابوا: 1 موضعًا. - لارتاب: 1 موضعًا. - مرتاب: 1 موضعًا. - يرتابوا: 1 موضعًا. - وارتبتم: 1 موضعًا. - يرتاب: 1 موضعًا.
المجموع 36 موضعًا في 35 آية، تتوزع على 17 صورة مشكولة في رسم القرآن.
الصِيَغ القُرءانيّة لِجَذر ريب — تَجميع آليّ بِالأَوزان
صيغ الجَذر «ريب» مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع).
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر ريب
يجري الجذر في القرآن على مسلكين متمايزين. المسلك الغالب الرَّيب بمعنى الشك المقلق المزعزع للجزم: ينفى عن الكتاب والساعة والقيامة ويوم الجمع والبعث (البَقَرَة، آل عِمران، النِّسَاء، الأنعَام، الإسرَاء، الكَهف، الحج، السَّجدة، غَافِر، الشُّوري، الجاثِية)، ويثبت في قلوب المنافقين والمبطلين والمرتابين بصيغ الارتياب (التوبَة، النور، العَنكبُوت، الحُجُرَات، الحدِيد، المُدثر) ووصفًا للشك بأنه مريب (هُود، إبراهِيم، سَبإ، غَافِر، فُصِّلَت، الشُّوري، قٓ)، أو ارتيابًا عمليًّا في الشهادة والعدة والدَّيْن (البَقَرَة، المَائدة، الطَّلَاق). والمسلك الفريد رَيۡب المنون أي تربُّص حوادث الدهر والهلاك (الطُّور)، فيلتقي بالمسلك الأول من جهة عاقبة الأمر.
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
القاسم المشترك: اضطراب في الجزم يجعل القلب أو الحكم غير مستقر أمام الحق أو الموعد أو الشهادة أو الحال.
مُقارَنَة جَذر ريب بِجذور شَبيهَة
- شك أعم في التردد، أما ريب فهو شك مقلق يحمل زعزعة واتهامًا. - ظن قد يكون رجحانًا أو توهمًا، أما ريب فهو اضطراب في الثبوت. - مرض القلب أوسع في فساد الباطن، أما ريب مظهر محدد منه حين يتردد صاحبه في الحق.
اختِبار الاستِبدال
لو استبدل ريب في ﴿لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾ بشك فقط لفات معنى القلق والاتهام المنفي عن الكتاب. ولو استبدل ارتبتم في الطلاق بظننتم لفات معنى عدم استقرار الحكم العملي الذي تُبنى عليه العدة.
الفُروق الدَقيقَة
الجاثية 32 تجمع نفي الريب عن الساعة مع قولهم ﴿وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ﴾؛ فالمقابلة هناك بين اضطراب الجزم وانعدامه. ومع ذلك لا يُثبت في خانة الضد جذر واحد عام حتى تُراجع الإحالة العكسية في جذره مستقلًا.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الظن والشك والريبة.
ينتمي ريب إلى حقل الظن والشك والريبة لأنه يصف اضطراب الجزم لا مجرد الجهل.
مَنهَج تَحليل جَذر ريب
اعتمد هذا التحليل على استقراء كل مواضع الجذر في القرآن الكريم — كل صيغة في كل سياق وردت فيه — دون أي مصدر خارج النص القرآني نفسه؛ ثم صيغ المعنى الجامع واختبر على جميع تلك المواضع حتى لا يشذ عنه موضع.
الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر يقن)
أقوى مقابل داخلي لجذر ريب هو يقن، لا لأن كل ريب يذكر معه اليقين، بل لأن القرآن يجعل انتفاء الريب علامة ثبوت الجزم في موضعين شديدي الوضوح. في الجاثية يقال عن الساعة إنها لا ريب فيها، ثم يصرح المعترضون بقولهم: وما نحن بمستيقنين، فتظهر الريبة اضطرابًا يضاد الاستيقان. وفي المدثر تأتي الغاية: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ثم يعطف عليها ألا يرتابوا. أما العلم والصدق فهما قريبان من الباب: العلم يرفع منشأ الريب، والصدق يثبت الخبر، لكن الجذر الذي يقابل حال القلب المريبة في النص نفسه هو يقن؛ إذ ينقل القلب من تردد قلق إلى جزم مستقر.
- الريب حركة اضطراب في الجزم، واليقين ثبات ذلك الجزم؛ لذلك جاء التقابل في حال القلب لا في مجرد الخبر.
- اقتران نفي الريب بالاستيقان أدق من مقابلة الريب بالعلم وحده؛ لأن العلم قد يذكر كبرهان، أما اليقين فهو أثر البرهان في النفس.
نَتيجَة تَحليل جَذر ريب
ريب يدل على اضطراب شك يزعزع الجزم في 36 موضعًا و35 آية، عبر 17 صورة مشكولة، ولا يثبت له ضد نصي صريح في هذه الصيغة المعتمدة.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر ريب
- البَقَرَة 2 — ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾: نفي الريب عن الكتاب. - البَقَرَة 23 — ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾: الريب من التنزيل يُختبر بالإتيان بمثله. - آل عِمران 9 — ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾: نفي الريب عن يوم الجمع. - النِّسَاء 87 — ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا﴾: نفي الريب عن يوم القيامة. - الحج 7 — ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ﴾: نفي الريب عن الساعة والبعث. - السَّجدة 2 — ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾: نفي الريب عن الكتاب من ربه. - الجاثِية 32 — ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ﴾: نفي الريب عن الساعة مع بقاء اضطرابهم. - سَبإ 54 — ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ﴾: الشك المقلق. - النور 50 — ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾: الارتياب مقابلَ مرض القلب. - العَنكبُوت 48 — ﴿وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾: ارتياب المبطلين لو وُجِد سبب الريبة. - الحُجُرَات 15 — ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾: صدق الإيمان بانتفاء الارتياب. - الطُّور 30 — ﴿أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ﴾: المسلك الفريد «رَيۡب المنون» — تربُّص حوادث الدهر والهلاك. - الحدِيد 14 — ﴿يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾: الارتياب مقرونًا بالفتنة والتربُّص والأماني. - الطَّلَاق 4 — ﴿وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا﴾: الارتياب في حكم عملي.
لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر ريب
- نفي الريب يتركز في يوم الجمع والساعة والقيامة في نحو عشرة مواضع، مما يجعل الريب متعلقًا بثبوت الوعد الأكبر لا بمعلومة جزئية فقط. - التوبَة 45 تجمع الارتياب والتردد ﴿وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ﴾، فتجعل التردد أثرًا للريب لا مرادفًا له. - يقترن «شَكّ» بنعت «مُريب» في ستة مواضع (هُود مرتين، إبراهِيم، سَبإ، فُصِّلَت، الشُّوري)، فيكون مُريب مكثِّفًا للشك يضيف إليه قلقًا مفسدًا لا مجرد عدم علم. - المُدثر 31 تجعل انتفاء الارتياب غايةً ﴿وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ في مقابل ﴿لِيَسۡتَيۡقِنَ﴾؛ فالريب نقيض الاستيقان لا مجرد نقص علم، ويُقابَل في الآية نفسها بمرض القلب ﴿ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾.
• أَبرَز الفاعِلين: اللَّه (11)، الناس (4)، أَنفُسهم/أَنفُسكم (3). • تَوزيع مِحوَريّ: إلهيّ (13)، النَفس (6)، المَخلوقات (4).
١) في كل القرءان لا يجتمع الريب والبطلان في آية واحدة إلا مرة فريدة في العَنكبُوت: ﴿إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾ (العَنكبُوت ٤٨)؛ فاسم فاعل الريب هنا هو المُبطِل نفسه، أي مدّعي البطلان. هذا الالتقاء الوحيد يكشف أن الريب فعلٌ نفسيٌّ مضطرب يرتدّ ادّعاءً أن الحق باطل. ٢) الريب اضطرابٌ يقوم بالقلب لا حكمٌ على الأشياء؛ لذا يأتي ظرفًا للنفس: ﴿إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ﴾ (الحج ٥). أما البطلان فحكمٌ على عملٍ أو شيءٍ من خارجه: ﴿وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (هُود ١٦). فالريب صفة الشاكّ، والبطلان صفة المشكوك فيه عند مدّعيه. ٣) البطلان في القرءان دائمًا في مقام الانمحاء والزهوق: ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ﴾ (الأنبيَاء ١٨)، ﴿وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ﴾ (الشُّوري ٢٤). فهو نتيجةٌ محسومةٌ تنتهي إلى زوال؛ والريب على نقيضه حالةٌ معلّقةٌ لم تُحسَم بعدُ في صاحبها. ٤) نفي الريب يتوجّه حصرًا إلى الكبريات الثابتة لا إلى الجزئيات: الكتاب ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (السَّجدة ٢)، والساعة ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا﴾ (الحج ٧). فالنفي إثباتٌ مسبقٌ لحقيقةٍ كبرى يقطع الطريق على دعوى الإبطال قبل أن تُقال. ٥) فالبابان يلتقيان موضعًا ويفترقان زمنًا وجهةً: المُبطِل يبدأ مرتابًا (نفسٌ تضطرب) فينتهي مُبطِلًا (حكمٌ يُلقيه على الحق)؛ والقرءان يُسقط البطلان بالحسم ﴿فَيَدۡمَغُهُۥ﴾، ويُسقط الريب بالاستيقان ﴿وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ (المُدثر ٣١).
يربط القرآن بين الكتاب والرَّيب رباطًا بنيويًّا مطّردًا، فجِماع الجذرين يكشف أن نفي الريب وصفٌ ملازمٌ للوحي المكتوب، لا للوعد الأخرويّ وحده:
1. نفي الريب يُسنَد إلى الكتاب نفسه في ثلاثة مواضع تعريفيّة، كلٌّ منها يقرن «لا ريب فيه» باللفظ الدالّ على الوحي مباشرة: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِ﴾ (البَقَرَة 2)، و﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (السَّجدة 2)، و﴿وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾ (يُونس 37)؛ فالكتاب والتنزيل والتفصيل يجتمع فيها نفي الريب ونسبتها إلى الربّ.
2. وفي المقابل يُجعَل الرَّيب أثرًا لِغياب الكتابة لا لحضورها؛ ففي العَنكبُوت 48 يُنفى عن النبيّ تلاوة كتابٍ وخطُّه بيمينه ثم يُرتَّب على ذلك: ﴿إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾، فانتفاء فعل الكتابة هو الذي كان سيُورِث الارتياب.
3. وتظهر الكتابة المادّيّة وسيلةً مباشرة لرفع الارتياب في المعاملات؛ يأمر بكتابة الدَّين ﴿فَٱكۡتُبُوهُ﴾ ثم يعلّل: ﴿وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ﴾ (البَقَرَة 282)، فالكتابة تُثبِّت الحقّ فيزول الريب، بنظير ما عليه الكتاب المنزَّل.
4. ويبلغ الاقتران ذروته حين يُجعَل أهل الكتاب موضع نفي الارتياب وإثبات اليقين معًا في آية واحدة: ﴿لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ ثم ﴿وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ (المُدثر 31).
5. وحين يُوصَف الكافرون بالريب يكون متعلَّقه ما نُزِّل لا غير: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا﴾ (البَقَرَة 23)؛ فالرَّيب لا يثبت لذات الكتاب بل يقوم في القلوب تجاهه. وبهذا يتمايز مسلكان: الكتاب موضوعٌ يُنفى عنه الريب، وفعلُ الكتابة سببٌ يُزيله.
١. الريب اضطرابُ هوًى يُبعِد صاحبَه عن الحقّ، لا مجرّد قصورِ عقلٍ عن إدراكه؛ والمقارنة مع جذر «بعد» تكشف أنّ القرآن يصف المرتابين بالبُعد المكانيّ المجازيّ نفسِه الذي يصف به الضالّين، فيلتقي الجذران على وصفٍ واحدٍ للقلب النائي عن موعد ربّه. ٢. في «سَبإ» يجتمع الوصفان على القوم أنفسهم في سياقٍ متّصل: يُقذَفون بالغيب ﴿وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ﴾ (سَبإ ٥٣)، ثمّ يُختَم حالُهم ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ﴾ (سَبإ ٥٤)؛ فالبُعد المكانيّ صورةُ الارتياب القلبيّ نفسِه. ٣. ويتكرّر الاقتران في «فُصِّلَت»: غير المؤمنين ﴿يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ﴾ (فُصِّلَت ٤٤)، ثمّ ﴿وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ﴾ (فُصِّلَت ٤٥)؛ فالبُعد عن النداء والريب من الكتاب وجهانِ لحالٍ واحدة. ٤. وتصرّح «الشُّوري» بالرابط: مَن يجادل في الساعة ﴿لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ﴾ (الشُّوري ١٨)، فيُجعَل الريب في الموعد بُعدًا في الضلال لا قصورًا في العلم؛ ومثلُه ﴿وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ﴾ (قٓ ٢٧) مع ﴿مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ﴾ (قٓ ٢٥) في السورة نفسها. ٥. والبُعد في إنكار البعث صريحٌ: ﴿ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ﴾ (قٓ ٣) و﴿إِنَّهُمۡ يَرَوۡنَهُۥ بَعِيدٗا﴾ (المعَارج ٦)، يقابلهما ريبُ البعث ﴿إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ﴾ (الحج ٥)؛ فاستبعادُ الموعد عقلًا هو عينُ الارتياب فيه هوًى. ٦. ولأنّ بُعد الجذرين بُعدُ هوًى لا عقلٍ، صار الريب ﴿فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبَة ٤٥) بناءً قائمًا في القلب ﴿رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ﴾ (التوبَة ١١٠)، بينما يُنفى عن الحقّ المتيقّن ﴿لَا رَيۡبَ فِيهَا﴾ (الحج ٧)؛ فمن لم يَبتعد بهواه لم يَرتَب، ومن ارتاب فقد نأى.
الرَّيب والبُطل يقعان في مرتبتين مختلفتين تمامًا: الرَّيب حالٌ يسكن داخل القلب فلا يُذكر إلّا موضوعًا في ظرفٍ، والبُطل وصفٌ للشيء الزائل في ذاته حين يواجه الحقّ، ولا يجتمعان في القرآن إلّا في موضعٍ واحدٍ. 1. الرَّيب لا يأتي إلّا مُستقِرًّا في محلٍّ يحويه: ﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾ عن الكتاب في البقرة (آية 2)، و﴿لَّا رَيۡبَ فِيهَا﴾ عن الساعة في الحجّ (آية 7)؛ وحين يثبت يُنسب إلى القلب: ﴿وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ﴾ في التوبة (آية 45)، و﴿بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ﴾ في التوبة (آية 110). فالرَّيب ظرفيٌّ دائمًا: ﴿فِيهِ﴾، ﴿فِي قُلُوبِهِمۡ﴾. 2. البُطل بخلافه لا يُحوى بل يُواجَه ويزول: ﴿جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ﴾ في الإسراء (آية 81)، و﴿نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ﴾ في الأنبياء (آية 18). فالبُطل يُقابَل بالحقّ ويُمحَق، ولا يُقال فيه «في القلب». 3. لذلك يقترن البُطل بالحقّ في عامّة مواضعه — نحو ﴿هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ﴾ في الحجّ (آية 62) — لأنّه طرفُ خصومةٍ خارجيّة؛ أمّا الرَّيب فيُقابَل باليقين، لأنّه نزاعٌ في الباطن لا في الأعيان. 4. ويلتقي الجذران في موضعٍ واحدٍ فريدٍ هو العنكبوت (آية 48): ﴿إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾؛ فالرَّيب أثرٌ كان سيقع في نفوس أهل البُطل لو وُجدت علّته، فالبُطل وصفُ القوم، والرَّيب ما كان سيعتري قلوبهم. فالبُطل سببٌ خارجيّ، والرَّيب نتيجةٌ داخليّة. 5. وهذا يفسّر إكثار القرآن من وصف الرَّيب بالقلق: ﴿فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ﴾ في سَبَإ (آية 54)؛ فالرَّيب اضطرابٌ نفسيٌّ مُريب، بينما البُطل ثباتٌ ظاهريٌّ كاذبٌ سرعان ما يذهب جُفاءً.
١) الرَّيب في القرآن يُنفى عن غيبٍ زمنيٍّ قادمٍ يراه المُكذِّب بعيدًا: ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ﴾ (الحج ٧)، ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ﴾ (آل عِمران ٩).
٢) ويصف القرآن موقف المُكذِّب من ذلك الغيب بلفظ البُعد: ﴿إِنَّهُمۡ يَرَوۡنَهُۥ بَعِيدٗا وَنَرَىٰهُ قَرِيبٗا﴾ (المَعَارج ٦-٧)، ﴿ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ﴾ (قٓ ٣). فالرَّيب اضطرابُ جزمٍ، والبُعد استبعادُ وقوعٍ؛ ويلتقيان في إنكار الموعد القادم.
٣) لا يجتمع لفظٌ من الرَّيب ولفظٌ من البُعد في آيةٍ واحدة قطُّ؛ بل يتجاوران في السورة الواحدة في مشهد الساعة. في الشُّوري يُنفى الرَّيب عن يوم الجمع ﴿لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾ (٧)، ثم يوصف المُماري في الساعة بالبُعد ﴿لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ﴾ (١٨)، مع تقرير قربها ﴿لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ﴾ (١٧). فالرَّيب يُنزَع عن اليوم، والبُعد يُلصَق بصاحب الرَّيب.
٤) وفي قٓ يُستبعَد البعث ﴿ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ﴾ (٣) ويوصف المُعتَدي بأنه ﴿مُّرِيبٍ﴾ (٢٥)، ثم يُردُّ زيفُ البُعد قُربًا ﴿يَوۡمَ يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ﴾ (٤١).
٥) ويبلغ التداخل ذروتَه حين يُجمَع الرَّيبُ والبُعد الزمنيُّ متّصلَين: ﴿إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ﴾ (الحج ٥) ثم ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا﴾ (الحج ٧)، فيُجعَل البعثُ نفسُه متعلَّقَ الرَّيب المنفيِّ. حدُّ الاستبدال: لو وُضع البُعد مكان الرَّيب لفات نفيُ الاضطراب القلبيِّ عن الموعد، ولو وُضع الرَّيب مكان البُعد في ﴿يَرَوۡنَهُۥ بَعِيدٗا﴾ لفات تصويرُ استبعاد الوقوع؛ والغيب القادم ميدانُهما الأوسع.
يلتقي الجذران مرّةً واحدةً يتيمةً في القرآن كلّه، في موضعٍ ينكشف فيه التضادّ بين اضطراب الريب وثبات المنّة: ١) لا يجتمع ريبٌ ومنّةٌ في آيةٍ واحدةٍ إلا في ﴿نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ﴾ (الطُّور ٣٠)؛ فأُضيف الريب إلى «المنون» بمعنى ما يَقطع وينقص من حوادث الدهر، فصار توقُّعَ نازلةٍ تَقطع، لا اطمئنانًا لعطاءٍ يَدوم. هذا الالتقاء الوحيد مفتاح الفرق. ٢) المنّة في سائر القرآن عطاءٌ إلهيٌّ يُثبِّت ويُؤمِّن: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ﴾ (إبراهِيم ١١)، و﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ (القَصَص ٥)، و﴿بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ﴾ (الحُجُرَات ١٧)؛ فهي تَنتهي إلى إمامةٍ ووراثةٍ وهدايةٍ، أي يقينٍ مستقرٍّ، والريب اضطرابٌ معلَّقٌ لا يَستقرّ. ٣) ويَبلغ ثبات المنّة ذروته في وصف الأجر بأنه ﴿غَيۡرُ مَمۡنُونٖ﴾ (فُصِّلَت ٨، التِّين ٦)، أي غير مقطوعٍ؛ عطاءٌ مأمونٌ من الانقطاع، نقيضُ ما يَتربّصه أهل الريب من قطعٍ ونازلة. ٤) أما القلب المؤمن فلا يَطمئنّ إلى عطائه أمنًا، ولا يَرتاب فيه شكًّا، بل يَجمع العطاء إلى الوَجَل: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ﴾ (المؤمنُون ٦٠)؛ فالوَجَل خوفٌ مع يقينٍ بالرجوع، وهو غير الريب الذي يَنفي اليقين أصلًا. ٥) فبان أن الريب يَنفي اليقين بالموعد ﴿إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ﴾ (الحج ٥)، ويُورِث التردُّد ﴿فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبَة ٤٥)؛ فالريب قلقٌ يَقطع الثقة، والمنّة عطاءٌ يَصِلها، ولا يَجتمعان إلا حين يُتوقَّع القطعُ نازلةً في ﴿رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ﴾ (الطُّور ٣٠).
إحصاءات جَذر ريب
- المَواضع: 36 مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
- الصِيَغ: 17 صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: رَيۡبَ.
- أَبرَز الصِيَغ: رَيۡبَ (14) مُرِيبٖ (5) رَيۡبٖ (2) ٱرۡتَبۡتُمۡ (2) رَيۡبَۛ (1) تَرۡتَابُوٓاْ (1) وَٱرۡتَابَتۡ (1) رَيۡبِهِمۡ (1)
أَبواب الفِعل لِجَذر ريب
الجامع الدلاليّ في الجذر «ريب» هو الشَكّ المُتَرَدِّد القَلبيّ الذي لا يَستَقِرّ على يَقين. وَزَّعَ القُرءان هذه الدَلالَة على بابَين فِعليَّين وحقل اسميّ ثَريّ: المُجَرَّد (رابَ) لا يَكاد يَرِد فِعلًا، إذ تَحَوَّلت كل ثِقَله إلى الاسم «رَيب» الذي وَصَف الكِتاب والساعَة بِالنَفي (لا رَيۡبَ فيه)، ووَصَف القُلوب المُذَبذَبَة بِالإثبات (في رَيۡبِهِم يَتَرَدَّدون). والافتِعال (ارتابَ) يُصَوِّر الفعل الباطنيّ المُختار: حَرَكَة قَلب يَصنَع شَكَّه بِنَفسه ثُمَّ يَقَع فيه. ومدار الفرق: «رَيب» الاسم يَصِف حالًا قَلبيَّة قائمَة بِفاعِلِها، و«ارتابَ» الفعل يَصِف اختيار الدُخول في تِلك الحال. ولذلك تَكَرَّر الاقتران الثابِت «شَكّ مُريب» و«لا رَيۡبَ فيه» — الأَوَّل تَوكيد بِالمُرادِف، والثاني نَفي قاطِع.
- ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ (البَقَرَة ٢)
- ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ﴾ (البَقَرَة ٢٣)
- ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ﴾ (آل عِمران ٩)
- ﴿وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبَة ٤٥)
- ﴿لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ﴾ (التوبَة ١١٠)
- ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ﴾ (الحج ٧)
- ﴿أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ﴾ (الطُّور ٣٠)
- ﴿وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ﴾ (البَقَرَة ٢٨٢)
- ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ (الحُجُرَات ١٥)
- ﴿وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ (المُدثر ٣١)
- ﴿بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ﴾ — وَنَظائِرُها بِلَفظ «شَكّ مُّرِيب»
- ﴿وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ﴾ (هود ١١٠؛ فُصِّلَت ٤٥)
- ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ﴾ (هود ١٧) — تَقابُل بِنيويّ مَع آيات «شَكّ مُرِيب»
- ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ﴾ — يَلي وَصف «مَّنَّاع لِّلۡخَيۡر مُعۡتَد مُّرِيب» (ق ٢٥)
- ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ﴾ — يَلي إثبات نَفي الارتياب بِالتَحَدّي
لَطائف بِنيويّة
- اللطيفَة المَركَزيَّة — التوبَة ٤٥ تَجمَع البابَين في آيَة واحِدَة بِترتيب كاشِف: ﴿وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ﴾. الفِعل الافتِعاليّ ﴿ٱرۡتَابَتۡ﴾ يَسبِق فَيَصنَع الحال، ثُمَّ الاسم ﴿رَيۡبِهِمۡ﴾ يَستَقِرّ ظَرفًا مَكانيًّا (في) يَتَرَدَّد فيه أَصحابُه. الفِعل حَدَث، والاسم مَوقِع. وهذا التَتابُع الزَمَنيّ الصَريح في آيَة واحِدَة قَرينَة قاطِعَة عَلى الفَرق البِنيويّ بَين البابَين.
- تَوزيع الفاعِل قانون بِنيويّ: «رَيب» الاسم يَصِف غالِبًا مَوضوعَين خارِجيَّين: الكِتاب (٤ مَواضِع: البَقَرَة ٢، يُونس ٣٧، السَّجدة ٢، الشُّوري ٧) ويَوم القيامَة/الساعَة (٧ مَواضِع: آل عِمران ٩، النِّسَاء ٨٧، الأنعَام ١٢، الكَهف ٢١، الحج ٧، غَافِر ٥٩، الجاثِية ٢٦)، وفي كُلّها مَنفيّ بِـ«لا». بَينَما «ٱرۡتَابَ» الفِعل لا يَأتي إلا في القَلب: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ (المُدثر ٣١)، ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ﴾ (النور ٥٠ — خارِج البَوّابَتَين أَعلاه)، ﴿ٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ﴾ (التوبَة ٤٥). الفِعل قَلبيّ بَحت، والاسم خارِجيّ عَن المُكَلَّف.
- الاقتِران الثابِت ﴿لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾ — ١١ مَوضِعًا من ١٩ لِلاسم بِهذه الصيغَة بِالضَبط. نِسبَة ٥٨٪ تَجعَلها صيغَة قُرءانيَّة مُلازِمَة لِلاسم. ومَوضوعُها واحِد من اثنَين فَقَط: الكِتاب أَو يَوم الجَمع. لا يَرِد ﴿لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾ في القُرءان مَوصوفًا لِغَيرِ هَذَين، فَتَكَوَّنَ بِذَلِك قانون: ما لا رَيب فيه = الوَحي + اليَوم الآخِر. كأَنَّ القُرءان يَجعَل أَركان اليَقين الكُبرى مَنفيًّا عَنها الرَيب صَريحًا.
- الكِتابَة سَدّ بابِ الارتياب — البَقَرَة ٢٨٢ تُعَلِّل تَشريع الكِتابَة في الدَين بِنَفي الارتياب: ﴿ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ﴾. اللَطيفَة أَنَّ آيَة الكِتاب الأَطوَل في القُرءان تَنتَهي بِنَفي الارتياب، فَيَتَطابَق المَنطِق مَع المَوضوع الأَكبَر لِلاسم: الكِتاب لا رَيب فيه (البَقَرَة ٢)، والكِتابَة تُبعِد الارتياب بَين الناس (البَقَرَة ٢٨٢). تَوازٍ بِنيويّ بَين الكِتاب الإلَهيّ والكِتاب البَشَريّ في إزاحَة الرَيب.
- تَقابُل البَقَرَة ٢ مَع البَقَرَة ٢٣ — افتِتاحيَّة السورَة تَنفي الرَيب عَن الكِتاب: ﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِ﴾، ثُمَّ بَعد ٢١ آيَة يَفتَرِض الفَرض النَقيض ويَتَحَدّى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ﴾. النَفي القاطِع أَوَّلًا، ثُمَّ الفَرض الجَدَليّ مَع التَحَدّي ثانيًا. والتَحَدّي نَفسُه دَليلٌ عَلى صِحَّة النَفي. هذا التَتابُع البِنيويّ في سورَة واحِدَة يَكشِف مَنهَجًا حَجَجيًّا مُتَكامِلًا: الحَقيقَة المُطلَقَة، ثُمَّ التَنازُل الجَدَليّ، ثُمَّ البُرهان.
- الحُجُرَات ١٥ تَجعَل نَفيَ الارتياب رُكنًا مُستَقِلًّا بَعد الإيمان: ﴿ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ﴾. تَركيب «ثُمَّ» التَراخويّ بَين الإيمان وعَدَم الارتياب يَكشِف أَنَّ الارتياب فِعلٌ مُمكِن بَعد الإيمان، ولَيس مُجَرَّد غياب لِلإيمان ابتِداءً. ولِذَلِك جاء الفِعل بِصيغَة الافتِعال — اختيار باطِنيّ يُمكِن لِلمؤمِن أَن يَتَجَنَّبَه أَو يَقَع فيه. وفي المُقابِل، المُؤمِنون الصادِقون هُم الذينَ ﴿ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ﴾ — قَطَعوا بابَ الاختيار السَلبيّ.
- الطُّور ٣٠ — انفِراد التَركيب ﴿رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ﴾ — هذا المَوضِع الوَحيد الذي يَخرُج فيه «الرَيب» عَن دَلالَة الشَكّ القَلبيّ إلى دَلالَة حَوادِث الدَهر التي يَتَرَبَّصُها المُشرِكون: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ﴾. اللَطيفَة أَنَّ المُشرِكين الذينَ ارتابوا في الوَحي يَتَرَبَّصون «رَيب الدَهر» بِالرَسول — كأَنَّ ارتيابَهم القَلبيّ صار طَلَبًا خارِجيًّا لِما يَرَونَه يُزَلزِله. تَحَوَّلَ الرَيب من حال داخِليّ إلى تَرَبُّص خارِجيّ، فَيُجيبُهم القُرءان بِأَنَّ تَرَبُّصَهم نَفسَه شاهِدٌ عَلى ارتيابِهم.
أَدعِيَة قُرءانيّة من جَذر ريب
- آل عِمران — الآية 8–9﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾
اكتِشافات بِنيويّة تَخصّ جَذر ريب
- حَصر فِعل الشَكّ في الصيغَة الافتِعاليَّة: «ٱرۡتَاب» دونَ مُجَرَّد لا يَرِد الشَكّ في «ريب» فِعلًا ثُلاثيًّا مُجَرَّدًا قَطّ؛ فالقُرءان لا يَقول «رابَ يَريب» بِمَعنى الشَكّ في أَيّ مَوضِع. بل يَنعَقِد فِعل الارتِياب حَصرًا عَلى الصيغَة الافتِعاليَّة ﴿ٱرۡتَاب﴾ في سَب…لا يَرِد الشَكّ في «ريب» فِعلًا ثُلاثيًّا مُجَرَّدًا قَطّ؛ فالقُرءان لا يَقول «رابَ يَريب» بِمَعنى الشَكّ في أَيّ مَوضِع. بل يَنعَقِد فِعل الارتِياب حَصرًا عَلى الصيغَة الافتِعاليَّة ﴿ٱرۡتَاب﴾ في سَبعَة مَواضِع لا ثامِنَ لها: (البَقَرَة ٢٨٢) و(المَائدة ١٠٦) و(التوبَة ٤٥) و(النور ٥٠) و(العَنكبُوت ٤٨) و(الحدِيد ١٤) و(الطَّلَاق ٤). والافتِعال هُنا دالٌّ عَلى تَكَلُّفٍ واضطِرابٍ داخِليّ، لا عَلى حَدَثٍ يَقَع مَرَّةً ويَنتَهي. وفي مُقابِل هذا الفِعل المُضطَرِب يَستَقِرّ الاسم ﴿رَيۡب﴾ في ثَمانيَةَ عَشَرَ مَوضِعًا، أَكثَرُها مَنفيٌّ عَن كِتابِ الله: ﴿لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾ (السَّجدة ٢)، فالاسم يوصَف ويُنفى، بَينَما الفِعل يَصِف اضطِرابَ القُلوب. والآيَة الجامِعَة لِلبابَين في نَسَقٍ واحِدٍ هي ﴿وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبَة ٤٥)، فالفِعل ﴿ٱرۡتَابَتۡ﴾ يَصنَع الحال، ثُمَّ الاسم ﴿رَيۡبِهِمۡ﴾ يَصير ظَرفًا (في) يَتَرَدَّد فيه أَهلُه. فالحَدَث افتِعالٌ مُتَكَلَّف، والاسم مَوقِعٌ لا يُغادِرونَه.
فُروق المُتَرادِفات لِجَذر ريب
- الشَكّ ⟂ الرَيب جَذر «شكك»الفرق المكشوف من الشواهد لا من معنى مجرّد: الشَكّ دائمًا يُوصف به الناس فيقال إنّهم «فيه» ولا يُنفى عن شيء، أمّا الرَيب فيُنفى نفيًا قاطعًا عمّا هو حقٌّ ثابت — عن الكتاب ﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾ وعن يوم القيامة ﴿لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾ مرارًا — لأنّه أثقل: عقدةٌ مستقرّة…
الإيقاعات — عِبارات مُتَكَرِّرة تَحوي جَذر ريب
- ﴿ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ﴾
- ﴿ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ﴾
- ﴿شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ﴾
- ﴿ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾
- ﴿يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ﴾
- ﴿ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ﴾
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر ريب في القرآن
نفي الريب يُسنَد إلى الكتاب نفسه في ثلاثة مواضع تعريفيّة، كلٌّ منها يقرن «لا ريب فيه» باللفظ الدالّ على الوحي مباشرة: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِ﴾ (البَقَرَة 2)، و﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ (السَّجدة 2)، و﴿وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾ (يُونس 37)؛ فالكتاب والتنزيل والتفصيل يجتمع فيها نفي الريب ونسبتها إلى الربّ.
وفي المقابل يُجعَل الرَّيب أثرًا لِغياب الكتابة لا لحضورها؛ ففي العَنكبُوت 48 يُنفى عن النبيّ تلاوة كتابٍ وخطُّه بيمينه ثم يُرتَّب على ذلك: ﴿إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾، فانتفاء فعل الكتابة هو الذي كان سيُورِث الارتياب.
وتظهر الكتابة المادّيّة وسيلةً مباشرة لرفع الارتياب في المعاملات؛ يأمر بكتابة الدَّين ﴿فَٱكۡتُبُوهُ﴾ ثم يعلّل: ﴿وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ﴾ (البَقَرَة 282)، فالكتابة تُثبِّت الحقّ فيزول الريب، بنظير ما عليه الكتاب المنزَّل.
ويبلغ الاقتران ذروته حين يُجعَل أهل الكتاب موضع نفي الارتياب وإثبات اليقين معًا في آية واحدة: ﴿لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ ثم ﴿وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ (المُدثر 31).
وحين يُوصَف الكافرون بالريب يكون متعلَّقه ما نُزِّل لا غير: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا﴾ (البَقَرَة 23)؛ فالرَّيب لا يثبت لذات الكتاب بل يقوم في القلوب تجاهه. وبهذا يتمايز مسلكان: الكتاب موضوعٌ يُنفى عنه الريب، وفعلُ الكتابة سببٌ يُزيله.
الريب اضطرابُ هوًى يُبعِد صاحبَه عن الحقّ، لا مجرّد قصورِ عقلٍ عن إدراكه؛ والمقارنة مع جذر «بعد» تكشف أنّ القرآن يصف المرتابين بالبُعد المكانيّ المجازيّ نفسِه الذي يصف به الضالّين، فيلتقي الجذران على وصفٍ واحدٍ للقلب النائي عن موعد ربّه.
في «سَبإ» يجتمع الوصفان على القوم أنفسهم في سياقٍ متّصل: يُقذَفون بالغيب ﴿وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ﴾ (سَبإ ٥٣)، ثمّ يُختَم حالُهم ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ﴾ (سَبإ ٥٤)؛ فالبُعد المكانيّ صورةُ الارتياب القلبيّ نفسِه.
ويتكرّر الاقتران في «فُصِّلَت»: غير المؤمنين ﴿يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ﴾ (فُصِّلَت ٤٤)، ثمّ ﴿وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ﴾ (فُصِّلَت ٤٥)؛ فالبُعد عن النداء والريب من الكتاب وجهانِ لحالٍ واحدة.
وتصرّح «الشُّوري» بالرابط: مَن يجادل في الساعة ﴿لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ﴾ (الشُّوري ١٨)، فيُجعَل الريب في الموعد بُعدًا في الضلال لا قصورًا في العلم؛ ومثلُه ﴿وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ﴾ (قٓ ٢٧) مع ﴿مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ﴾ (قٓ ٢٥) في السورة نفسها.
والبُعد في إنكار البعث صريحٌ: ﴿ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ﴾ (قٓ ٣) و﴿إِنَّهُمۡ يَرَوۡنَهُۥ بَعِيدٗا﴾ (المعَارج ٦)، يقابلهما ريبُ البعث ﴿إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ﴾ (الحج ٥)؛ فاستبعادُ الموعد عقلًا هو عينُ الارتياب فيه هوًى.
ولأنّ بُعد الجذرين بُعدُ هوًى لا عقلٍ، صار الريب ﴿فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبَة ٤٥) بناءً قائمًا في القلب ﴿رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ﴾ (التوبَة ١١٠)، بينما يُنفى عن الحقّ المتيقّن ﴿لَا رَيۡبَ فِيهَا﴾ (الحج ٧)؛ فمن لم يَبتعد بهواه لم يَرتَب، ومن ارتاب فقد نأى.
الرَّيب لا يأتي إلّا مُستقِرًّا في محلٍّ يحويه: ﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾ عن الكتاب في البقرة (آية 2)، و﴿لَّا رَيۡبَ فِيهَا﴾ عن الساعة في الحجّ (آية 7)؛ وحين يثبت يُنسب إلى القلب: ﴿وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ﴾ في التوبة (آية 45)، و﴿بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ﴾ في التوبة (آية 110). فالرَّيب ظرفيٌّ دائمًا: ﴿فِيهِ﴾، ﴿فِي قُلُوبِهِمۡ﴾.
البُطل بخلافه لا يُحوى بل يُواجَه ويزول: ﴿جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُ﴾ في الإسراء (آية 81)، و﴿نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞ﴾ في الأنبياء (آية 18). فالبُطل يُقابَل بالحقّ ويُمحَق، ولا يُقال فيه «في القلب».
لذلك يقترن البُطل بالحقّ في عامّة مواضعه — نحو ﴿هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ﴾ في الحجّ (آية 62) — لأنّه طرفُ خصومةٍ خارجيّة؛ أمّا الرَّيب فيُقابَل باليقين، لأنّه نزاعٌ في الباطن لا في الأعيان.
ويلتقي الجذران في موضعٍ واحدٍ فريدٍ هو العنكبوت (آية 48): ﴿إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾؛ فالرَّيب أثرٌ كان سيقع في نفوس أهل البُطل لو وُجدت علّته، فالبُطل وصفُ القوم، والرَّيب ما كان سيعتري قلوبهم. فالبُطل سببٌ خارجيّ، والرَّيب نتيجةٌ داخليّة.
وهذا يفسّر إكثار القرآن من وصف الرَّيب بالقلق: ﴿فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ﴾ في سَبَإ (آية 54)؛ فالرَّيب اضطرابٌ نفسيٌّ مُريب، بينما البُطل ثباتٌ ظاهريٌّ كاذبٌ سرعان ما يذهب جُفاءً.