مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر رهب في القُرءان الكَريم — 12 مَوضعًا
جواب مباشر
معنى جذر رهب في القرآن
معنى جذر «رهب» في القرآن: رهب هو خوف رادع ذو هيبة وأثر، يوقع انقباضًا أو امتناعًا أو احترازًا. يختص في الأمر العبادي بالله وحده، ويظهر في العدو أثرًا تُحدثه القوة، وفي النفس أثرًا صدريًا أو جسديًا، وفي الرهبان والرهبانية هيئة دينية متولدة من الرهب لا يلزم أن تكون محمودة في كل سياق.
ورد الجذر 12 موضعًا، في 11 صيغة في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «الخوف والفزع والهلع». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر رهب من شواهد القرءان وحده.
تطابق أسئلة البحث: معنى جذر رهب في القران، معنى جذر رهب في القرآن، معنى جذر رهب في القرءان، تحليل جذر رهب في القران، دلالة جذر رهب في القرآن.
التَعريف المُحكَم لجَذر رهب في القُرءان الكَريم
رهب هو خوف رادع ذو هيبة وأثر، يوقع انقباضًا أو امتناعًا أو احترازًا. يختص في الأمر العبادي بالله وحده، ويظهر في العدو أثرًا تُحدثه القوة، وفي النفس أثرًا صدريًا أو جسديًا، وفي الرهبان والرهبانية هيئة دينية متولدة من الرهب لا يلزم أن تكون محمودة في كل سياق.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
التعديل يضبط رهب بوصفه خوفًا رادعًا لا مجرد خوف عام ولا خضوعًا محمودًا دائمًا. مواضع الرهبان والرهبانية تمنع إطلاق المدح، ومواضع استرهبوهم وترهبون تمنع حصره في العبادة؛ لذلك الجامع هو الأثر الرادع المنقبض.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر رهب
رهب في القرآن يدل على خوف مُلزِم ذي أثر رادع: يوقع انقباضًا في النفس أو الجسد، ويمنع صاحبه أو عدوه من الاسترسال. مواضعه 12 في 12 آية، وتتوزع على أربع دوائر:
1. الرهب المأمور بتوجيهه إلى الله وحده: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ و﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾. تقديم إياي يجعل الرهب في موضع الولاء والخضوع لله لا لغيره. 2. إحداث الرهب في الآخرين: السحرة ﴿وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ﴾، وإعداد القوة ﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾. فالرهب ليس شعورًا داخليًا فقط؛ قد يُصنع في الخصم بإظهار ما يردعه. 3. الرهب العبادي والشعوري: ﴿يَرۡهَبُونَ﴾ لربهم، و﴿وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ﴾، و﴿مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ﴾ في قصة موسى. هنا يظهر الرهب بين القلب والجسد والدعاء. 4. الرهبان والرهبانية والرهبة في الصدور: الرهبان وردوا في سياق ديني متفاوت: قرب ومودة في المائدة 82، واتخاذ أرباب أو أكل أموال الناس في التوبة، والرهبانية في الحديد 27 وصفها النص بأنها مبتدعة ولم تُكتب عليهم. والحشر 13 يضع الرهبة في الصدور.
إذن الجامع: خوف رادع يضغط الباطن أو الظاهر فينشأ عنه انقباض أو امتناع أو احتراز.
الآية المَركَزيّة لِجَذر رهب
الأنفَال 60
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
الصيغ المعيارية في الصيغ المعيارية: 11 صيغة. - فارهبون ×2 - ورهبانا ×1 - واسترهبوهم ×1 - يرهبون ×1 - ترهبون ×1 - ورهبانهم ×1 - والرهبان ×1 - ورهبا ×1 - الرهب ×1 - ورهبانية ×1 - رهبة ×1
الصور الرسمية المضبوطة في الصور الرسمية المضبوطة: 11 صورة، منها فَٱرۡهَبُونِ، وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ، تُرۡهِبُونَ، وَرَهَبٗاۖ، ٱلرَّهۡبِۖ، رَهۡبَةٗ.
الصِيَغ القُرءانيّة لِجَذر رهب — تَجميع آليّ بِالأَوزان
صيغ الجَذر «رهب» مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع).
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر رهب
إجمالي المواضع: 12 موضعًا لفظيًا في 12 آية.
- البَقَرَة 40 — فارهبون - المَائدة 82 — ورهبانا - الأعرَاف 116 — واسترهبوهم - الأعرَاف 154 — يرهبون - الأنفَال 60 — ترهبون - التوبَة 31 — ورهبانهم - التوبَة 34 — والرهبان - النَّحل 51 — فارهبون - الأنبيَاء 90 — ورهبا - القَصَص 32 — الرهب - الحدِيد 27 — ورهبانية - الحَشر 13 — رهبة
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
كل المواضع تشترك في أثر رادع: إما أن يُوجَّه إلى الله فيحفظ العهد والعبادة، أو يُحدث في الخصم فيكفّه، أو يقع في الجسد والنفس فيقبضهما، أو يتشكل في هيئة رهبانية. لا يدل رهب بذاته على صلاح أو فساد؛ الحكم يأتي من السياق.
مُقارَنَة جَذر رهب بِجذور شَبيهَة
- رهب ≠ خوف: الخوف أعم، أما الرهب ففيه ردع وانقباض ظاهر أو باطن. - رهب ≠ خشية: الخشية في القرآن تميل إلى علم ومهابة، والرهب يبرز أثر الردع والامتناع. - رهب ≠ وجل: الوجل اضطراب قلبي، والرهب قد يكون قوة تُحدث في العدو وتظهر في الجسد والمجتمع. - رهب ≠ فزع: الفزع طارئ شديد، والرهب قد يكون مستمرًا ومؤسسًا لسلوك أو هيئة.
اختِبار الاستِبدال
لو قيل في الأنفال تخيفون به عدو الله لفُهم أصل الخوف، لكن يفوت أثر الإعداد بوصفه رادعًا مانعًا. ولو استبدل فارهبون بفخافون لفات معنى القصر والامتناع الخاضع. ولو قيل في الحشر خوفًا في صدورهم لضاع إبراز شدة الرهبة التي جعلت المؤمنين أشد وقعًا في صدورهم من الله عند قوم لا يفقهون.
الفُروق الدَقيقَة
فارهبون: أمر بتوجيه الرهب لله. استرهبوهم: صناعة الرهب في الناس بسحر عظيم. ترهبون: إعداد قوة يردع العدو. رغبا ورهبا: طرف الخوف في الدعاء. الرهب: انقباض جسدي في مقام موسى. الرهبان/الرهبانية: هيئة دينية ترتبط بالرهب، وتختلف أحكامها باختلاف السياق.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الخوف والفزع والهلع · العبادات والشعائر الدينية.
رهب داخل حقل الخوف والفزع والهلع، لكنه يمثل زاوية الردع والانقباض لا مجرد توقع الضرر. لذلك يصلح أن يكون حدًا مميزًا داخل الحقل: الخوف إذا صار مانعًا ضاغطًا في الصدر أو الجسد أو الخصم.
مَنهَج تَحليل جَذر رهب
ثبت العد من ملف البيانات الداخلي: 12 موضعًا و12 آية. لم يُستخدم أي تعريف معجمي للرهبانية أو الرهبان؛ جرى وصفهما من مواضعهما فقط: مودة وعدم استكبار في موضع، اتخاذ أرباب وأكل أموال في مواضع، وابتداع وعدم رعاية في موضع.
الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر رغب)
«رهب» خوف رادع ذو هيبة وأثر، ولا يظهر له ضد جذري صريح في القرآن. أقرب علاقة مثبتة هي «رغب» في دعاء الأنبياء: رغبًا ورهبًا؛ لكنها ليست ضدية، بل تكامل بين طلب الرحمة ومهابة العاقبة. وتأتي مرشحات مثل سكت وغضب وحبر ورهبان من سياقات تخص الرهب أو أصحابه أو أثره، لا من جذر يقابله. لذلك يكون التصنيف المحافظ أن رغب مكمّل رئيس لهذا الجذر، مع التنبيه إلى أن الأمن أو الطمأنينة لا يثبتان هنا بعلاقة قرآنية مباشرة مع رهب.
- الرهب بلا رغب قد يصير انقباضًا، والرغب بلا رهب قد يفقد هيبة المقام؛ لذلك جمعهما النص.
- الأمن ليس مثبتًا هنا بوصفه ضد رهب، لأن مواضع الرهب لا تبني معه زوجًا نصيًا.
نَتيجَة تَحليل جَذر رهب
النتيجة: رهب ليس مرادفًا عامًا للخوف، بل خوف رادع ذو أثر. العد مضبوط: 12 موضعًا، 12 آية، 11 صيغة معيارية في الصيغ المعيارية، و11 صورة مضبوطة في الصور الرسمية المضبوطة.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر رهب
- القصر العبادي: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ و﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾. - الإحداث القسري: ﴿وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ﴾. - الردع بالقوة: ﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾. - الدعاء: ﴿وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ﴾. - الأثر الجسدي: ﴿مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ﴾. - الرهبة الصدرية: ﴿رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ﴾. - الرهبانية: ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا﴾.
لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر رهب
من أدق مواضع الجذر أن الرهب يُطلب لله وحده في البقرة والنحل، لكنه يُحدث في العدو في الأنفال؛ فالقرآن لا يجعل الرهب حالة واحدة من جهة الفاعل، بل يميّز بين رهب تعبدي مشروع ورهب رادع يُلقى في الخصم. وموضع الحشر يكشف عطبًا إدراكيًا: رهبة المؤمنين في صدورهم أشد من الله لأنهم قوم لا يفقهون.
• أَبرَز الفاعِلين: اللَّه (3). • تَوزيع مِحوَريّ: إلهيّ (4).
جذر «رهب» يَرِد اثنتَي عشرة مرّةً، وكلُّها تَنزِع عنه الحملَ الأمنيَّ السياسيَّ الذي عَلِق باللفظ في الاستعمال المتأخّر، وتُثبِت أنّ مدارَه الخشيةُ والوَجَلُ لا الإرعابُ المجرَّد:
١. الوجهةُ الغالبةُ خشيةٌ موجَّهةٌ إلى الله وحده: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البقرة ٤٠) و﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (النحل ٥١)، حيث يَتقدّم ضميرُ الجلالة بالحصر «إيّايَ»، فالرهبُ عبادةٌ لا تُصرَف لغيره.
٢. ويُقرَن صريحًا بالربوبيّة: ﴿لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (الأعراف ١٥٤)، فالمرهوبُ هو الربُّ، والرهبُ ثمرةُ الهدى والرحمة في الألواح، لا أداةَ سلطانٍ.
٣. ويَجيء قرينًا للرغب في موضعٍ واحدٍ يَجمع القطبَين: ﴿وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗا﴾ (الأنبياء ٩٠)، فالرهبُ وجهٌ من الدعاء والخشوع «وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ»، يلازم الرغبَ ولا ينفصل عنه.
٤. وحين يَرِد بمعنى الفزع المبثوث فهو حالةٌ نفسيّةٌ داخليّةٌ لا حُكمٌ تنظيميٌّ: سحرةُ فرعون ﴿وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ﴾ (الأعراف ١١٦) أرهبوا أعينَ الناس بالتخييل، ورهبُ موسى من نفسه ﴿وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ﴾ (القصص ٣٢)، ومحلُّ الرهبة الصدور ﴿لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ﴾ (الحشر ١٣).
٥. وحتّى الموضع الوحيد ذو الطابع الدفاعيّ ﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ (الأنفال ٦٠) مُقيَّدٌ بسبيل الله لا بسلطانٍ سياسيٍّ، وغايتُه الردعُ لا البطشُ.
٦. ويَنفصل فرعٌ ثالثٌ في «الرهبان» و«الرهبانيّة» المنسوبَين إلى أهل الكتاب (المائدة ٨٢، التوبة ٣١ و٣٤، الحديد ٢٧)، وهو وصفُ تنسُّكٍ مبتدَعٍ ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ﴾، لا صلةَ له بالقهر.
يفرّق القرآن بين «الرَّهبة» المأمور بها مُوجَّهةً إلى الله، و«الرَّهبانية» المُبتَدَعة في حياة الناس؛ فالجذر «رهب» في مواضعه يثبت الأولى ولا يفرض الثانية.
١. الرَّهبة عبادةٌ تُصرَف لله وحده: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البقرة ٤٠)، ويتكرّر الأمر نفسه: ﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (النحل ٥١)، فالضمير المُقدَّم «إيّايَ» يَحصُر متعلَّق الرهبة في الله.
٢. الرهبة الممدوحة قلبيّة لا انعزاليّة، تقترن بالرغبة في موضع واحد: ﴿وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ (الأنبياء ٩٠)، فهي مع الدعاء والخشوع لا مع الانقطاع.
٣. وتُسنَد إلى الربّ بصِلَة اللام: ﴿لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (الأعراف ١٥٤)، فمَحلّها الرَّبّ لا غيره.
٤. أمّا «الرَّهبانية» فموضعها الوحيد يَنفي أن تكون مفروضة: ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ﴾ (الحديد ٥٧). فالنصّ يقول صراحةً «ٱبۡتَدَعُوهَا» و«مَا كَتَبۡنَٰهَا»، أي ليست تشريعًا مكتوبًا.
٥. ويُحذَّر من اتّخاذ حَمَلَتها أربابًا: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (التوبة ٣١)، مع ذمّ أكلهم أموال الناس بالباطل: ﴿إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ (التوبة ٣٤).
الخلاصة: «رهب» يُثبت الرهبة لله ويأمر بها، ويصف الرهبانية بأنها مُبتَدَعة غير مكتوبة — فلا رهبانيةَ مفروضةً في النصّ.
جذر «رهب» يرد في القرآن اثنتي عشرة مرّة، وتوزيعها الداخليّ هو البرهان على أنّ «الرهبانيّة» ليست من أصل التكليف:
1. الدلالة الغالبة للجذر = خشية مُوجَّهة إلى الله لا انقطاع عن الحياة. الأمر الإلهيّ صريح ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البقرة ٤٠) ويتكرّر بالحصر ﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (النحل ٥١)، فالرهبة عبادةٌ تُصرَف لله وحده لا حالةُ عزلةٍ.
2. المدح في القرآن للذين ﴿هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (الأعراف ١٥٤)، وللذين ﴿يَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗا﴾ (الأنبياء ٩٠) — فالرهبة مقرونةٌ بالرغبة والدعاء داخل الحياة، لا بالهروب منها.
3. لفظ «رَهبانيّة» يرد مرّةً واحدةً يتيمةً في القرآن كلّه، وفيها الحكم الفصل: ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ﴾ (الحديد ٢٧). فالنصّ ينسبها إلى الابتداع لا إلى الفرض، وينفي كتابتها عليهم نفيًا قاطعًا.
4. تمام الآية يكشف أنّ علّة الذمّ ليست أصل النيّة بل الإخلال بالوفاء: ﴿فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ﴾ (الحديد ٢٧) — أي أنّ ما لم يُكتَب ابتداءً لا يثبت التزامًا.
5. صنف «الرُّهبان» يُذكَر دائمًا في سياق غيريّ خارج التكليف: ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا﴾ (المائدة ٨٢)، وفي موضع التحذير من تأليههم ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (التوبة ٣١)، وفي ذمّ أكلهم أموال الناس ﴿وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ (التوبة ٣٤).
6. بقيّة مواضع الجذر تثبت أنّ مدلوله الأصليّ هو الفزع والإرهاب لا الانقطاع التعبّديّ: ﴿وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ﴾ (الأعراف ١١٦)، ﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ﴾ (الأنفال ٦٠)، ﴿مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ﴾ (القصص ٣٢)، ﴿لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ﴾ (الحشر ١٣).
الحصيلة الداخليّة: لا يَرِد في القرآن أمرٌ بالرهبانيّة قطّ، وتُوصَف الوحيدة المذكورة بأنّها ابتداعٌ غير مكتوب، بينما تُحوَّل «الرهبة» كلّها إلى خشيةٍ مصروفةٍ لله داخل عمارة الحياة لا بالعزلة عنها.
لطيفة بنيويّة في تقديم المفعول «إيّاي» مع جذر رهب:
١. لا يَرِد فعل الأمر من رهب بصيغة الخطاب الجمعيّ في القرءان إلّا مَسبوقًا بالمفعول المُقدَّم «إيّاي»، في موضعين اثنين: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البَقَرَة ٢:٤٠)، و﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (النَّحل ١٦:٥١).
٢. تقديم «إيّاي» على الفعل يُفيد الحصر: حصر الرهبة في جهة واحدة. ويُعزّزه سياق النحل ١٦:٥١ الذي بُني على نفي الاثنينيّة وإثبات الواحد: ﴿لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾، فجاء الحصر اللفظيّ مُوازيًا للحصر المعنويّ.
٣. تَوازٍ بنيويّ بين آيتين متتاليتين في البَقَرَة: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (٢:٤٠) ثُمّ ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ﴾ (٢:٤١) — التركيب نفسه (مفعول مُقدَّم + فاء + فعل أمر بنون الوقاية)، يتبادل فيه جذرا رهب وتقو في موضع الفعل، فيتقارن الرهب والتقوى في صيغة واحدة.
٤. اطّراد نون الوقاية المكسورة في الموضعين (فَٱرۡهَبُونِ) من غير ياء ظاهرة، وهو رسمٌ ثابت في الفعلين المتقابلين (فَٱرۡهَبُونِ / فَٱتَّقُونِ).
٥. يبقى الفعل من رهب في غير هذين الموضعين على الإخبار لا الحصر: ﴿لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (الأعرَاف ٧:١٥٤)، و﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ﴾ (الأنفَال ٨:٦٠)، فاختصّ التقديم بصيغة الأمر الموجّه وحدها.
إحصاءات جَذر رهب
- المَواضع: 12 مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
- الصِيَغ: 11 صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: فَٱرۡهَبُونِ.
- أَبرَز الصِيَغ: فَٱرۡهَبُونِ (2) وَرُهۡبَانٗا (1) وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ (1) يَرۡهَبُونَ (1) تُرۡهِبُونَ (1) وَرُهۡبَٰنَهُمۡ (1) وَٱلرُّهۡبَانِ (1) وَرَهَبٗاۖ (1)
أَبواب الفِعل لِجَذر رهب
الجامع الدلاليّ في الجذر «رهب» هو خوف باطنيّ مَقرون باستِشعار قُربٍ من سُلطان أعلى أو خَطر مُحدِق، يَنعقد في الصَدر فيَحمِل صاحبه على التَوَقّي أو الانكفاء أو الانقطاع. غَير أنّ القُرءان وَزَّع هذا الخَوف على ثلاثة أبواب لا يَسُدّ أحدها مَسَدّ الآخر: المُجرَّد «رَهِبَ/يَرهَب» — وما تَفَرَّع منه من أسماء ومَصادر (رَهبة، رَهَب، رَهب، رُهبان، رَهبانيَّة) — يُصَوِّر الخَوف بوصفه حالة قائمة بصاحبها مَوصولة بربّه ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾؛ والإفعال «أَرهَبَ» يَنقل الفعل إلى التَعدية فيَكون فاعله مُوقِعًا للخَوف في غَيره ﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ﴾؛ والاستِفعال «اسْتَرهَبَ» يُضيف طَلَب إيقاع الرَهب بِحيلَة وتَهويل ﴿سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ﴾. ومدار الفَرق: مَن يَحمل الرَهبة؟ في المُجرَّد يَحملها الفاعل في صَدره؛ وفي الإفعال يَزرعها في صَدر غَيره؛ وفي الاستِفعال يَطلب زَرعها بِسِحرٍ أو حيلة. فالباب الأوَّل عِبادة، والثاني إعداد، والثالث خِداع.
- ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البقرة ٤٠)
- ﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (النحل ٥١)
- ﴿وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (الأعراف ١٥٤)
- ﴿وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ (الأنبياء ٩٠)
- ﴿وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ﴾ (القَصص ٣٢)
- ﴿لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ﴾ (الحشر ١٣)
- ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ (المائدة ٨٢)
- ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (التوبة ٣١)
- ﴿إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ (التوبة ٣٤)
- ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ﴾ (الحديد ٢٧)
- ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ (الأنفال ٦٠)
- ﴿قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ﴾ (الأعراف ١١٦)
لَطائف بِنيويّة
- اللَطيفة المَركَزيَّة — تَقابُل الأنفال ٦٠ مع الأعراف ١١٦ مَوضع تَفريق صَريح بَين الإفعال والاستِفعال: الباب الرابع جاءَ في يَد المؤمنين بِآلة حَقيقيَّة ﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ (الأنفال ٦٠)، والباب العاشر جاءَ في يَد السَحَرة بِآلة مَوهومة ﴿سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ﴾ (الأعراف ١١٦). فالقُرءان فَرَّق بَين «إرهاب القُوَّة» و«إرهاب السِحر» بِصيغَتَين مُختَلِفَتَين لا تَتَبادَلان.
- تَوزيع الفاعل قانون بِنيويّ صارم: في المُجرَّد الفاعل هو المؤمن أو العَبد، والمَرهوب هو الله — ٤ مَواضِع تُصَرِّح بِالنِسبَة إلى الله بِأَدوات مُختَلِفَة: لام التَعليل ﴿لِرَبِّهِمۡ﴾ (الأعراف ١٥٤)، وتَقديم الضَمير ﴿وَإِيَّٰيَ﴾ (البقرة ٤٠؛ النحل ٥١)، وحَرف الجَرّ ﴿مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (الحشر ١٣). أمّا الإفعال والاستِفعال فالمَرهوب فيهما البَشر لا الله — لم يَرِد قَطّ «أَرهَب الله» ولا «اسْتَرهَب الله».
- الأنبياء ٩٠ تَكشِف بِنيَة الثُنائيَّة في الدَعاء: ﴿وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ﴾ — الرَغَب والرَهَب مَصدَران مُتَقابِلان مُتَلازِمان لِوَصف دَعوة الأنبياء. ولا يَجتَمِعان إلّا في هذا الموضِع الوَحيد، فالقُرءان جَعَل الجَمع بَين خَوف العُقوبة وطَمَع الرَحمَة عَلامَة على دَعوة الأنبياء، ثُمَّ ذَيَّلها بِالخُشوع ﴿وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾.
- القَصص ٣٢ تَكشِف وَجهًا حِسّيًّا فَريدًا لِالـ«رَهب»: ﴿وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ﴾ — الرَهب هنا حالة جَسَديَّة تَنعقِد في جَناح اليَد عند رؤية الآية، ودَواؤها الضَمّ والتَجميع. وهذا الموضِع الوَحيد الذي جاءَ فيه «الرَهب» مُعَرَّفًا بِأل، ومُتَعَلِّقًا بِجَسَد الإنسان لا بِصَدره. فالجَذر يَستَوعِب الخَوف الباطن (رَهبة في الصُدور) والخَوف الذي يَظهَر في الأطراف (الرَهب في الجَناح) مَعًا.
- الحَشر ١٣ تَضَع قانونًا في ميزان الرَهبة: ﴿لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ﴾ — الرَهبة هنا مَوصوفَة بِالمَكان ﴿فِي صُدُورِهِم﴾ وبِالمُفاضَلَة «أَشَدُّ مِن الله». والقُرءان جَعَل هذا التَفضيل عَلامة على نَقص الفِقه ﴿بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ﴾. فالمُجرَّد لا يَجوز فيه أن يَكون غَير الله أشَدّ رَهبَةً في الصُدور — وكُلَّما انعَقَد لِغَيره كان ذلك آيةً على غِياب الفِقه.
- الرُهبانيَّة في الحَديد ٢٧ — اشتُقَّت من الجَذر بِصيغَة مَصدَر صِناعيّ ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ﴾، فالقُرءان رَدَّها إلى الابتِداع لا إلى الكَتب، وقَرَنها بِعَدَم رِعايتها ﴿فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ﴾. وهذا أَخطَر أبواب الرَهب في القُرءان لأنّه يَنقُل الخَوف الباطن من عِبادة قائمة بِالقَلب إلى نِظام مُتَكَلَّف غَير مَكتوب. فالباب الأوَّل في صيغَتِه الفِعليَّة عِبادة ﴿لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾، وفي صيغَتِه الاسميَّة الصِناعيَّة قَد يَنقَلِب إلى ابتِداع ﴿ٱبۡتَدَعُوهَا﴾.
- الرُهبان في القُرءان لا يَأتون مُفرَدين بَل دائمًا في تَركيب مَع طائفة أخرى — مَع القِسّيسين ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا﴾ (المائدة ٨٢)، ومَع الأحبار ﴿أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ﴾ (التوبة ٣١)، ﴿ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ﴾ (التوبة ٣٤). والقُرءان قَسَمَهم بِحَسَب المَوقِف: في المائدة ٨٢ مَدحًا ﴿لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ﴾، وفي التوبة ٣١-٣٤ ذَمًّا ﴿أَرۡبَابٗا﴾ ﴿يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ﴾. فاسم الرُهبان حَمَل الوَجهَين بِحَسَب القَرينة، ولم يَكن مُطلَقًا في مَدح ولا في ذَمّ.
اكتِشافات بِنيويّة تَخصّ جَذر رهب
- المَصدَر الصِناعيّ «رَهۡبانيَّة» مَردودٌ إلى الابتِداع لا إلى الكَتب يَرِد جَذر «رهب» في القرءان بِصيَغ فِعليَّة واسميَّة تَدور على خَوفٍ باطِنٍ مَقرونٍ بِاستِشعار سُلطانٍ أعلى: أَمرٌ بِالرَهَب لِله ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البَقَرَة ٤٠) و﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (…يَرِد جَذر «رهب» في القرءان بِصيَغ فِعليَّة واسميَّة تَدور على خَوفٍ باطِنٍ مَقرونٍ بِاستِشعار سُلطانٍ أعلى: أَمرٌ بِالرَهَب لِله ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البَقَرَة ٤٠) و﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (النَّحل ٥١)، وعِبادَةٌ قائِمَة بِالقَلب ﴿هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (الأعرَاف ١٥٤)، ودُعاءٌ مُزدَوِج ﴿وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗا﴾ (الأنبيَاء ٩٠). فالباب في صيغَتِه الفِعليَّة عِبادَةٌ مُوَجَّهَة إلى الله. لكِنّ القرءان يُفرِد لِهذا الجَذر صيغَةً واحِدَةً فَريدَةً هي المَصدَر الصِناعيّ ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا﴾ (الحدِيد ٢٧)، فَيَرُدُّها فَورًا إلى الابتِداع لا إلى التَكليف: ﴿مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ﴾. هذا النَفي الصَريح لِلكَتب هو القانون البِنيويّ: الرَهَب حِين يَتَحَوَّل من حالَةٍ قَلبيَّة إلى «نِظام» مَوصوفٍ بِاللَّاحِقَة الصِناعيَّة (ـانيَّة) يَخرُج عَن دائرَة المَكتوب المُكَلَّف به. ثُمَّ يُتبِع القرءان هذا النَفيَ بِكَشف العِلَّة في فِعلِهم: ﴿فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ﴾، فالابتِداع نَفسُه حَمَل بَذرَة الإخلال.
- رَهَبُ اللهِ مَحصورٌ بِـ«إِيَّايَ»، ورَهَبُ الخَلقِ صيغةٌ مُتَعَدِّيةٌ تُوقِعُ الرُّعب يُوَزِّع القرءان جَذر «رهب» على مِحوَرَين مُتَقابِلَين يَنضَبِطان بِالقَيد النَحويّ لا بِالصيغَة وَحدها. فحين يَكون المَرهوب هو الله، يُلازِم الفِعلَ قَيدُ تَخصيصٍ أو تَوجيهٍ صَريح: تَتَكَرَّر صيغَةُ…يُوَزِّع القرءان جَذر «رهب» على مِحوَرَين مُتَقابِلَين يَنضَبِطان بِالقَيد النَحويّ لا بِالصيغَة وَحدها. فحين يَكون المَرهوب هو الله، يُلازِم الفِعلَ قَيدُ تَخصيصٍ أو تَوجيهٍ صَريح: تَتَكَرَّر صيغَةُ الأمر ﴿فَٱرۡهَبُونِ﴾ في مَوضِعَين اثنَين، مَسبوقَةً في كِلَيهما بِضَميرٍ مُقَدَّمٍ لِلحَصر: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البَقَرَة ٤٠) و﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (النَّحل ٥١)؛ وتَقديمُ ﴿إِيَّٰيَ﴾ يَقصُر الرَهَب على الله وَحدَه. وحين يَجيء الفِعل خَبَرًا لا أمرًا، يُقَيَّد باللام المُوَجِّهَة: ﴿لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (الأعرَاف ١٥٤). فالرَهَب نَحوَ الله عِبادةٌ مَحصورَةٌ أو مُوَجَّهَة لا تَنفَلِت. أمّا المِحوَر الثاني فهو الرَهَب المُسَلَّط بَين الخَلق، وفيه يَنتَقِل الجَذر إلى صيغَةٍ مُتَعَدِّيَةٍ تُفيد الإيقاع لا التَعَبُّد: ﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ﴾ (الأنفَال ٦٠) إيقاعٌ مَقصود، و﴿وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ﴾ (الأعرَاف ١١٦) ترويعٌ بِالسِحر، حتى يَبلُغ الرَهَب أن يَكون في الصُدور: ﴿لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم﴾ (الحَشر ١٣). فالباب الأوَّل رَهَبٌ يُؤَدَّى لله بِقَيد الحَصر، والثاني رَهَبٌ يُوقَع على العَدُوّ بِصيغَة التَعدِيَة، ولا يَختَلِط أحَدُهما بِالآخَر.
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر رهب في القرآن
الوجهةُ الغالبةُ خشيةٌ موجَّهةٌ إلى الله وحده: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البقرة ٤٠) و﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (النحل ٥١)، حيث يَتقدّم ضميرُ الجلالة بالحصر «إيّايَ»، فالرهبُ عبادةٌ لا تُصرَف لغيره.
ويُقرَن صريحًا بالربوبيّة: ﴿لِّرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (الأعراف ١٥٤)، فالمرهوبُ هو الربُّ، والرهبُ ثمرةُ الهدى والرحمة في الألواح، لا أداةَ سلطانٍ.
ويَجيء قرينًا للرغب في موضعٍ واحدٍ يَجمع القطبَين: ﴿وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗا﴾ (الأنبياء ٩٠)، فالرهبُ وجهٌ من الدعاء والخشوع «وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ»، يلازم الرغبَ ولا ينفصل عنه.
وحين يَرِد بمعنى الفزع المبثوث فهو حالةٌ نفسيّةٌ داخليّةٌ لا حُكمٌ تنظيميٌّ: سحرةُ فرعون ﴿وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ﴾ (الأعراف ١١٦) أرهبوا أعينَ الناس بالتخييل، ورهبُ موسى من نفسه ﴿وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِ﴾ (القصص ٣٢)، ومحلُّ الرهبة الصدور ﴿لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (الحشر ١٣).
وحتّى الموضع الوحيد ذو الطابع الدفاعيّ ﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ (الأنفال ٦٠) مُقيَّدٌ بسبيل الله لا بسلطانٍ سياسيٍّ، وغايتُه الردعُ لا البطشُ.
ويَنفصل فرعٌ ثالثٌ في «الرهبان» و«الرهبانيّة» المنسوبَين إلى أهل الكتاب (المائدة ٨٢، التوبة ٣١ و٣٤، الحديد ٢٧)، وهو وصفُ تنسُّكٍ مبتدَعٍ ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ﴾، لا صلةَ له بالقهر.
الرَّهبة عبادةٌ تُصرَف لله وحده: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البقرة ٤٠)، ويتكرّر الأمر نفسه: ﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (النحل ٥١)، فالضمير المُقدَّم «إيّايَ» يَحصُر متعلَّق الرهبة في الله.
الرهبة الممدوحة قلبيّة لا انعزاليّة، تقترن بالرغبة في موضع واحد: ﴿وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ (الأنبياء ٩٠)، فهي مع الدعاء والخشوع لا مع الانقطاع.
وتُسنَد إلى الربّ بصِلَة اللام: ﴿لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (الأعراف ١٥٤)، فمَحلّها الرَّبّ لا غيره.
أمّا «الرَّهبانية» فموضعها الوحيد يَنفي أن تكون مفروضة: ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (الحديد ٥٧). فالنصّ يقول صراحةً «ٱبۡتَدَعُوهَا» و«مَا كَتَبۡنَٰهَا»، أي ليست تشريعًا مكتوبًا.
ويُحذَّر من اتّخاذ حَمَلَتها أربابًا: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (التوبة ٣١)، مع ذمّ أكلهم أموال الناس بالباطل: ﴿إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ (التوبة ٣٤).
الدلالة الغالبة للجذر = خشية مُوجَّهة إلى الله لا انقطاع عن الحياة. الأمر الإلهيّ صريح ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البقرة ٤٠) ويتكرّر بالحصر ﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (النحل ٥١)، فالرهبة عبادةٌ تُصرَف لله وحده لا حالةُ عزلةٍ.
المدح في القرآن للذين ﴿هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (الأعراف ١٥٤)، وللذين ﴿يَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗا﴾ (الأنبياء ٩٠) — فالرهبة مقرونةٌ بالرغبة والدعاء داخل الحياة، لا بالهروب منها.
لفظ «رَهبانيّة» يرد مرّةً واحدةً يتيمةً في القرآن كلّه، وفيها الحكم الفصل: ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ﴾ (الحديد ٢٧). فالنصّ ينسبها إلى الابتداع لا إلى الفرض، وينفي كتابتها عليهم نفيًا قاطعًا.
تمام الآية يكشف أنّ علّة الذمّ ليست أصل النيّة بل الإخلال بالوفاء: ﴿فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (الحديد ٢٧) — أي أنّ ما لم يُكتَب ابتداءً لا يثبت التزامًا.
صنف «الرُّهبان» يُذكَر دائمًا في سياق غيريّ خارج التكليف: ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا﴾ (المائدة ٨٢)، وفي موضع التحذير من تأليههم ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (التوبة ٣١)، وفي ذمّ أكلهم أموال الناس ﴿وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ (التوبة ٣٤).
بقيّة مواضع الجذر تثبت أنّ مدلوله الأصليّ هو الفزع والإرهاب لا الانقطاع التعبّديّ: ﴿وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ﴾ (الأعراف ١١٦)، ﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ﴾ (الأنفال ٦٠)، ﴿مِنَ ٱلرَّهۡبِ﴾ (القصص ٣٢)، ﴿لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ﴾ (الحشر ١٣).
لا يَرِد فعل الأمر من رهب بصيغة الخطاب الجمعيّ في القرءان إلّا مَسبوقًا بالمفعول المُقدَّم «إيّاي»، في موضعين اثنين: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (البَقَرَة ٢:٤٠)، و﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (النَّحل ١٦:٥١).
تقديم «إيّاي» على الفعل يُفيد الحصر: حصر الرهبة في جهة واحدة. ويُعزّزه سياق النحل ١٦:٥١ الذي بُني على نفي الاثنينيّة وإثبات الواحد: ﴿لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾، فجاء الحصر اللفظيّ مُوازيًا للحصر المعنويّ.
تَوازٍ بنيويّ بين آيتين متتاليتين في البَقَرَة: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ (٢:٤٠) ثُمّ ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ﴾ (٢:٤١) — التركيب نفسه (مفعول مُقدَّم + فاء + فعل أمر بنون الوقاية)، يتبادل فيه جذرا رهب وتقو في موضع الفعل، فيتقارن الرهب والتقوى في صيغة واحدة.
اطّراد نون الوقاية المكسورة في الموضعين (فَٱرۡهَبُونِ) من غير ياء ظاهرة، وهو رسمٌ ثابت في الفعلين المتقابلين (فَٱرۡهَبُونِ / فَٱتَّقُونِ).
يبقى الفعل من رهب في غير هذين الموضعين على الإخبار لا الحصر: ﴿لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (الأعرَاف ٧:١٥٤)، و﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ﴾ (الأنفَال ٨:٦٠)، فاختصّ التقديم بصيغة الأمر الموجّه وحدها.