الفُروق الدَقيقَة بَين جذور نَعيم الجَنَّة في القُرءان الكَريم
خَمسَة جذور يَبدو لِلقارئ السَريع أَنَّها تَصِف «نَعيم الجَنَّة» وَكَفى — لَكِنَّ القُرءان لا يَستَخدِم أَيًّا مِنها بَدَلًا عَن الآخَر.
كُلٌّ مِنها يَشغَل خانَة مُختَلِفَة في بِنيَة الوَصف: عدن اسم الدار نَفسها ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ﴾ (11 مَوضِعًا، كُلُّها في تَركيب لا يَتَجَزَّأ)، فَيُسمّى بِها المُستَقَرّ وَلا يُسمّى بِها شَيء داخِله.
لذذ (3 مَواضِع) أَثَر حِسّيّ في المُتَلَقّي يُنسَب لِالعَين ﴿لَذَّةٖ لِّلنَّاظِرِينَ﴾ (الصافات 46) ولِالخَمر ﴿لَذَّةٖ لِّلشَّارِبِينَ﴾ (محمد 15) ولِالنَفس ﴿مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ﴾ (الزخرف 71) — صِفَة لِلتَجرِبَة لا لِمادَّة بِعَينها.
سلسبيل (مَوضِع واحِد، الإنسان 18) عَلَم لِعَين شَراب بَعد فِعل التَسميَة ﴿عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا﴾ — لا يَقبَل التَركيب وَلا الجَمع.
عسل (مَوضِع واحِد، محمد 15) شَراب مادّيّ نَهَريّ مُقَيَّد بِالتَصفيَة ﴿أَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗى﴾.
سندس (3 مَواضِع) لِباس جَنانيّ، يَلتَزِم الاقتِران بِإستَبرَق في كُلّ مَواضِعه ﴿ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞ﴾ (الإنسان 21) ﴿ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ﴾ (الكهف 31) ﴿فِي سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ﴾ (الدخان 53).
فالحَقل لَيس مَجموعَة مُتَرادِفات لِالنَعيم بَل خَريطَة مَنزِليَّة: الدار (عدن)، اللِباس (سندس)، الشَراب المادّيّ (عسل)، عَين الشَراب المُسَمّاة (سلسبيل)، وَالأَثَر الحِسّيّ في المُتَذَوِّق (لذذ).
أَكثَر الجذور أَفراد (3 من أَصل 5 hapax أَو قَريب من الhapax)، لِذا الاقتِرانات البِنيَويَّة في الحَقل قَليلَة لَكِنها قاطِعَة: مَوضِعان فَقَط في القُرءان كُلِّه يَجمَعان جَذرَين من الحَقل في آيَة واحِدَة، وَكِلاهُما يَكشِف بِنيَة وَصف الجَنَّة.
والثالِث اقتِران سياقيّ في سورَة الإنسان بَين العَين المُسَمّاة (18) وَلِباس السندس (21) داخِل نَفس المَشهَد.
الجذور الدَلاليَّة في الحَقل
اضغط أيّ جَذر لِعَرض تَحليله الكامِل: الجَوهَر · المُمَيِّز · مَدى الاستِخدام · شَواهِد جَوهَريَّة · اختبار الاستِبدال.
نَعيم حِسّيّ صافٍ يَحصُل عِند تَلَقّي الحاسَّة لِما يُوافِقها
الجَوهَر
لذذ لا يَرِد في القُرءان إلّا في نَعيم الجَنَّة. يَصِف مُوافَقَة الشَيء لِالحاسَّة مُوافَقَةً تامَّة تُوَلِّد نَعيمًا حاضِرًا في التَلَقّي، لا شَهوَة الطَلَب. يَجمَع بَين الذَوق (الشَراب) والبَصَر (الأَعيُن).
المُمَيِّز
لذذ يَختَصّ بِالمُتعَة الحِسّيَّة الصافيَة في الجَنَّة عِند تَلَقّي الحاسَّة؛ بَينَما عدن دار إقامَة، وسلسبيل اسم عَين شَراب، وعسل مادَّة شَراب، وسندس لِباس. فلذذ وَحدَه يَصِف الأَثَر الحِسّيّ في المُتَلَقّي، لا المَكان ولا المادَّة ولا اللِباس.
مَدى الاستِخدام
مَحصور في نَعيم الجَنَّة فَقَط، في 3 مَواضِع: مَوضِعان في الشَراب (الصافات 46، محمد 15) ومَوضِع في ما تَلَذّ بِه الأَعيُن (الزخرف 71). لا يَرِد في لَذَّة دُنيَويَّة ولا في مُقابِل عَذاب.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ﴾
﴿يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾
﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ إبدال لذذ بِشهو (انجِذاب طَلَب لا حُصول نَعيم) ولا بِذوق (يَشمَل العَذاب والرَحمَة) ولا بِنعم (أَوسَع في العَطاء والحال). لذذ وَحدَه يَدُلّ على المُوافَقَة الحِسّيَّة التامَّة عِند التَلَقّي.
جَنّات عَدن — دار الجَزاء المَوعودَة بِالدُخول والخُلود والسَكَن
الجَوهَر
لا يَرِد «عدن» في القرآن مُفرَدًا أبدًا، بل دائمًا في تَركيب «جَنّات عَدن». المَواضِع كُلُّها تَصِف دار الجَزاء: دُخول، خُلود، أنهار، مَساكِن طَيِّبَة، أبواب مُفَتَّحَة، وَعد الرَحمن بِالغَيب.
المُمَيِّز
بَين جذور حَقل «نَعيم الجَنَّة»: لذذ يَصِف طَعم الشَراب والمَأكول، سَلسَبيل اسم عَين بِعَينها، عَسَل شَراب من الأنهار، سُندُس لِباس أهل الجَنَّة. أمّا عَدن فلا يَصِف نَعيمًا جُزئيًّا بَل يُحَدِّد الدار نَفسها بِوَصفها مُستَقَرّ الإقامَة المَوعود — «جَنّات عَدن» وَحدَة لا تَتَجَزَّأ، لا طَعم ولا شَراب ولا لِباس.
مَدى الاستِخدام
11 مَوضِعًا، كُلُّها مُضافًا إلى «جَنّات» (جَنّاتُ/جَنّاتِ/في جَنّاتِ عَدن). لا يَستَعمِله القرآن مُفرَدًا ولا وَصفًا لِغَير جَنّات الجَزاء.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا﴾
﴿جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ﴾
﴿جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال «عَدن» بِـ«لذذ/سَلسَبيل/عَسَل/سُندُس» في أيّ مَوضِع: «جَنّات سُندُس» أو «جَنّات عَسَل» لا تَرِد في القرآن لِأنّ هذه الجُذور تَصِف مُكَوِّنات داخل الجَنَّة، بَينَما عَدن يَصِف الدار ذاتها. كَذلِك لا يُستَبدَل بِـ«فِردَوس» أو «دار» لأنَّ عَدن مُقَيَّد بِالتَركيب «جَنّات عَدن» ولا يَنفَكّ عَنه.
اسم عَين بِعَينها في نَعيم الجَنَّة، يُسَمّى تَسميَةً
الجَوهَر
سلسبيل اسم عَلَم لِعَين في الجَنَّة، يُثبِته القُرءان عَبر فِعل التَسميَة. المَوضِع الوَحيد يَحصُر دلالَته في كَونه اسمًا لِتلك العَين بِعَينها، دون وَصف صَوتيّ أَو اشتقاقيّ مُستَقِلّ.
المُمَيِّز
يَفترِق عَن لذذ (وَصف عامّ لِالشَراب أَو الطَعام بِاللَذَّة) ولا يَتَّصِف بِها لَفظًا. يَفترِق عَن عدن (اسم دار الإقامَة لا اسم شَراب). يَفترِق عَن عسل (مادَّة شَراب نَوعيَّة في الأَنهار) فَسلسبيل اسم العَين لا اسم المادَّة. يَفترِق عَن سندس (لِباس حَريريّ لا شَراب).
مَدى الاستِخدام
مَوضِع واحِد (hapax)، صيغَة واحِدَة «سَلۡسَبِيلٗا»، يَقَع بَعد فِعل «تُسَمّى» فَيَتَحَدَّد بِكَونه اسم تَسميَة لِعَين مَخصوصَة في دار النَعيم.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ إبدال سلسبيل بِعَين أَو زنجبيل أَو عسل؛ لِأَنَّ عَين اسم النَوع، وزنجبيل مِزاج الكَأس في السياق السابِق، وعسل مادَّة الأَنهار. سلسبيل اسم عَلَم لِالعَين بِعَينها بَعد فِعل التَسميَة.
عسل: نَهر مُصَفّى في مَثَل الجَنَّة المَوعودَة لِلمُتَّقين
الجَوهَر
عسل لا يَرِد في القُرءان إلّا في موضع واحد ضمن مَثَل الجَنَّة، رابعَ أَنهار أَربَعَة (ماء، لَبَن، خَمر، عَسَل). صِفَته الخاصَّة «مُصَفّى»، ولا يَرِد طَعامًا دُنيَويًّا ولا مُنفَصِلًا عَن وَعد المُتَّقين.
المُمَيِّز
يَفترِق عَن لذذ بِأَنَّ اللَّذَّة وَصف الخَمر لِلشاربين، أَمّا العَسَل فَوَصفه التَصفيَة. ويَفترِق عَن عدن (دار الإقامَة) وسلسبيل (عَين مُسَمّاة) وسندس (لِباس حَرير رَقيق) بِأَنَّه شَراب جارٍ في نَهر، لا مَكان ولا عَين ولا لِباس.
مَدى الاستِخدام
موضع وَحيد (محمد 15)، صيغَة واحِدَة «عَسَلٖ»، داخل مَثَل الجَنَّة فَقَط، مَوصوف بِـ«مُصَفّى».
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال «عَسَل» بِـ«لَبَن» أَو «خَمر» أَو «ماء» في الآية لِأَنَّ كُلَّ نَهر اختُصَّ بِوَصف مُفرَد (غَير ءاسِن / لَم يَتَغَيَّر طَعمه / لَذَّة لِلشاربين / مُصَفّى). تَبادُل الأَسماء يَكسِر نِظام الأَنهار الأَربَعَة.
لِباس جَنانيّ مَخصوص، مُلازِم لِإستَبرَق في كل مَواضِعِه
الجَوهَر
سندس اسم لِباس من نَعيم الجَنَّة، يَرِد ثَلاث مَرّات، مَقرونًا بِإستَبرَق في كل مَوضِع. لا يَرِد في سياق دُنيَويّ ولا عُقوبيّ، بَل في وَصف ثياب أَهل النَعيم وزينَتِهم.
المُمَيِّز
يَفترِق عَن لذذ/عدن/سلسبيل/عسل بِأَنَّه وَحدَه يَدُلّ على اللِباس المادّيّ لِأَهل الجَنَّة؛ لذذ وَصف لِالطَعام والشَراب، عدن مَوطِن الإقامَة، سلسبيل اسم عَين، عسل شَراب. سندس مادَّة ثَوب مُلازِمَة لِإستَبرَق دون مُساواة بَينَهما.
مَدى الاستِخدام
3 مَواضِع فَقَط، كُلُّها في لِباس أَهل الجَنَّة، مَقرونًا بِإستَبرَق. الخُضرَة مَذكورَة في مَوضِعَي الكهف والإنسان دون الدُخان.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا﴾
﴿يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾
﴿عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَقبَل الاستِبدال بِـثوب (عامّ لِالمَلبوس) ولا بِإستَبرَق (قَرين لا مُرادِف). سندس مادَّة/نَوع مَخصوص، وإستَبرَق نَوع آخَر يُذكَر مَعَه دائمًا دون مُساواة.
اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة — حَيث تَجتَمِع الجذور
﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا﴾
الاقتِران الوَحيد لِجَذرَي عدن وَسندس في القُرءان كُلِّه، وَهُو يَكشِف العَلاقَة البِنيَويَّة بَينَهما: عدن اسم الدار ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ﴾ يَتَصَدَّر، ثُمَّ تَتَدَرَّج العَطايا من الأَوسَع إلى الأَخَصّ — الأَنهار تَجري تَحتَهم (عُموم البيئَة)، ثُمَّ الحُليّ من الأَساوِر الذَهَبيَّة (زينَة البَدَن)، ثُمَّ اللِباس ﴿ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ﴾ (سندس — كِسوَة مَخصوصَة)، ثُمَّ الجِلسَة على الأَرائِك. التَرتيب لَيس عَشوائيًّا: من الدار إلى ما يُحيط بِالساكِن إلى ما يُلبَس عَلَيه إلى ما يُتَّكَأ عَلَيه. عدن لا تَقبَل أَن تُستَبدَل بِـلذذ وَلا بِـسندس — هي اسم الدار، لا اسم لِباس وَلا لِشُعور. وَسندس لا تَقبَل أَن تَكون اسم الدار لِأَنَّها تَدخُل بِـ﴿مِن﴾ الجِنسيَّة لا بِالإضافَة الدائمَة. الجذران مُتَكامِلان عَلى مِحوَر «المَكان ↔ ما فيه»، لا مُتَرادِفان.
﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ﴾
الاقتِران الوَحيد لِجَذرَي لذذ وَعسل، وَهُو يُؤَسِّس قانون التَمييز بَينَهما داخِل بِنيَة وَصف أَنهار الجَنَّة الأَربَعَة. عسل يَدخُل وَصفًا لِمادَّة النَهر الرابِع ﴿أَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗى﴾ — جَوهَر شَرابيّ مَعروف في الدُنيا، يُمَيَّز هُنا بِقَيد ﴿مُّصَفّٗى﴾. لذذ تَدخُل صِفَةً لِلخَمر لا اسمًا لِنَهر ﴿أَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ﴾ — أَي أَنَّ النَهر هو من خَمر، وَاللَذَّة وَصف لِأَثَره في الشارِب. لَو وُضِع ﴿أَنۡهَٰرٞ مِّن لَذَّةٖ﴾ لانكَسَر القانون البِنيَويّ: اللَذَّة لَيسَت مادَّة تَجري بَل أَثَر يُحَسّ. وَلَو وُضِع ﴿خَمۡرٖ عَسَلٖ لِّلشَّٰرِبِينَ﴾ بَدَل ﴿خَمۡرٖ لَّذَّةٖ﴾ لَفُقِدَت الإشارَة إلى تَجرِبَة الشُرب وَتُحَوِّلَت إلى وَصف لِخَلط مَوادّ. الكَشف: العَسَل يَشغَل خانَة «المادَّة»، اللَذَّة تَشغَل خانَة «الأَثَر الحِسّيّ» — وَالتَرتيب في الآيَة لا يَخلِط بَينَهما. الأَنهار الأَربَعَة جاءَت كُلُّها بِأَسماء مَوادّ مَعروفَة (ماء، لَبَن، خَمر، عَسَل)، وَاللَذَّة وَحدَها لَم تَدخُل اسمًا بَل وَصفًا.
﴿عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا … عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا﴾
اقتِران سياقيّ داخِل سورَة الإنسان: العَين المُسَمّاة سَلسَبيلًا في الآيَة 18، وَلِباس السندس في الآيَة 21 — يَلتَقيان في نَفس المَشهَد التَفصيليّ لِأَهل الجَنَّة. وَالسورَة هي المَوضِع الوَحيد الذي تُذكَر فيه سَلسَبيل (hapax)، وَأَحَد مَواضِع سندس الثَلاثَة. التَرتيب البِنيَويّ: عَين الشَراب أَوَّلًا (سلسبيل بِفِعل ﴿تُسَمَّى﴾ يُؤَكِّد أَنَّها عَلَم خاصّ لا اسم جِنس)، ثُمَّ بَعد آيَتَين يَأتي اللِباس ﴿ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞ﴾ مَع الحِليَة الفِضّيَّة ﴿أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ﴾ — فَتَكتَمِل خَريطَة النَعيم في السورَة: مَشروب (سَلسَبيل) + مَلبَس (سُندس + إستَبرَق) + حِليَة (فِضَّة) + شَراب طَهور خِتاميّ. الجذران لا يَجتَمِعان في آيَة واحِدَة في القُرءان كُلِّه، لَكِنَّ السورَة وَحدَها تَجمَعهما في خَمسَة عَشَر سَطرًا — كَأَنَّها الفِهرِس البِنيَويّ لِحَقل نَعيم الجَنَّة كَامِلًا. هذا الاقتِران السياقيّ يُؤَكِّد أَنَّ الحَقل لَيس مُتَرادِفات لِكَلِمَة «نَعيم» بَل خانات مُكَمِّلَة: الشَراب لا يُسمّى لِباسًا، وَاللِباس لا يُسمّى عَينًا، وَالعَين لا تُسمّى ثيابًا.