مُقابِلان سياقيًّا · قَولات
التقابُل بين جذر ءكل وجذر عفف في القرءان
خلاصة مباشرة
الأكل واسع في القرءان: منه تناول المطعوم، ومنه الانتفاع بالمال أو استنفاده. وتأكل النار القربان في سورة آل عِمران ١٨٣، وتأكل السنين ما ادّخر لها في سورة يُوسُف ٤٨؛ فهما فاعلتان لا مأكولتان. وتدل صيغة «أُكُل» على الثمرة والمحصول. لذلك لا يصح حصر ضده في جذر واحد على كل الفروع. يقابله «جوع» في مجال الحاجة إلى الغذاء؛ لأنه يصف فقد الكفاية الغذائية أو إصابة الجسد والبلد بنقص المطعوم، ولا يجتمع الجذران في آية واحدة من مواضع الأكل. فالمقابلة هنا بين تناول الغذاء والحاجة إليه، ولا تشمل أكل المال أو النار أو السنين. ويظهر «صوم» مقابلا أضيق في باب الامتناع المؤقت، لا في كل الأكل؛ ففي البقرة يباح الأكل والشرب إلى حد… الأكل واسع في القرءان: منه تناول المطعوم، ومنه الانتفاع بالمال أو استنفاده. وتأكل النار القربان في سورة آل عِمران ١٨٣، وتأكل السنين ما ادّخر لها في سورة يُوسُف ٤٨؛ فهما فاعلتان لا مأكولتان. وتدل صيغة «أُكُل» على الثمرة والمحصول. لذلك لا يصح حصر ضده في جذر واحد على كل الفروع. يقابله «جوع» في مجال الحاجة إلى الغذاء؛ لأنه يصف فقد الكفاية الغذائية أو إصابة الجسد والبلد بنقص المطعوم، ولا يجتمع الجذران في آية واحدة من مواضع الأكل. فالمقابلة هنا بين تناول الغذاء والحاجة إليه، ولا تشمل أكل المال أو النار أو السنين. ويظهر «صوم» مقابلا أضيق في باب الامتناع المؤقت، لا في كل الأكل؛ ففي البقرة يباح الأكل والشرب إلى حد معلوم ثم يطلب إتمام الصيام. أما «شرب» فملازم للأكل في مواضع النعمة والحاجة، وليس ضده.
الشاهد المركزيّ
﴿ وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ﴾
مدلول الآية
تجعل الآية مال اليتيم أمانة مقيّدة بثلاث عتبات: اختبار سابق، وبلوغ حدّ النكاح، واستبانة رشد مأمون. لذلك لا يكون الدفع مجرّد نقل مال، بل ردّ حقّ إلى أهله عند تحقق أهلية التصرف. وبالمقابل تقطع الآية طريقين للعدوان: أكل المال بزيادة خارجة عن المعروف، وتعجيل ذلك خوف أن يكبر أصحاب المال. ثم تفصل حال الولي: الغني يطلب منه الكفّ، والفقير لا يفتح له الباب مطلقا بل يأكل بالمعروف. وتختم الإجراء بالإشهاد وبكفاية الله حسيبا،… التحليل الكامل ←
التقابُل كما يرسمه القرءان
الأكل واسع في القرءان: منه تناول المطعوم، ومنه الانتفاع بالمال أو استنفاده. وتأكل النار القربان في سورة آل عِمران ١٨٣، وتأكل السنين ما ادّخر لها في سورة يُوسُف ٤٨؛ فهما فاعلتان لا مأكولتان. وتدل صيغة «أُكُل» على الثمرة والمحصول. لذلك لا يصح حصر ضده في جذر واحد على كل الفروع. يقابله «جوع» في مجال الحاجة إلى الغذاء؛ لأنه يصف فقد الكفاية الغذائية أو إصابة الجسد والبلد بنقص المطعوم، ولا يجتمع الجذران في آية واحدة من مواضع الأكل. فالمقابلة هنا بين تناول الغذاء والحاجة إليه، ولا تشمل أكل المال أو النار أو السنين. ويظهر «صوم» مقابلا أضيق في باب الامتناع المؤقت، لا في كل الأكل؛ ففي البقرة يباح الأكل والشرب إلى حد معلوم ثم يطلب إتمام الصيام. أما «شرب» فملازم للأكل في مواضع النعمة والحاجة، وليس ضده.
لا يظهر لـ«عفف» ضد صريح باسم واحد، لكن له مقابلات سياقية بحسب المجال. في سورة البَقَرَة ٢٧٣ يظهر التعفف في فقراء تُستر حاجتهم حتى يُحسبوا أغنياء، ومعه نفي السؤال الملح؛ فالمقابل الأقرب هو «سءل» في مقام الطلب. وفي سورة النِّسَاء ٦ يقابل استعفاف الغني أكل الفقير بالمعروف من مال اليتيم عند الحاجة، لا بوصف الأكل مذمومًا مطلقًا، بل لأن الاستعفاف إمساك مع الغنى، والأكل المأذون أخذ بقدر الحاجة. لذلك العلاقة الرئيسة مع السؤال مقابلة سياقية، ومع «ءكل» علاقة ثانوية مقيدة بالسياق، ولا يصح جعل الفقر أو النكاح أو التحصن أضدادًا للجذر.
مفهوم كلّ جذر على حدة
جذر ءكل
109 موضعًا في القرءان · الحقل: الطعام والشراب
الأكل: تناول ما يؤكل، أو الاستيلاء على المال والانتفاع به، أو إذهاب الشيء كما تأكل النار القربان وتستنفد السنين المدّخر. ويصوّر القرءان الغيبة بأكل لحم الأخ، ويذكر أكل الزقوم في العذاب؛ فلا يقتضي الأكل نفعًا ولا يختص بالبشر. و«أُكُل» اسم للثمر والمحصول، لا لفعل الآكل. أما الحل والحرمة فيحددهما السياق. جذر «ءكل» يدل على تناول ما يؤكل، ويُستعمل في الاستيلاء على المال والانتفاع به، وفي تصوير الغيبة بأكل لحم الأخ. ويُسند إلى النار والسنين بمعنى إذهاب ما يقع عليه فعلهما، ولا يشترط أن يكون الآكل بشرًا أو أن ينفعه المأكول. أما «أُكُل» فاسم لمحصول الشجر والجنة، لا لفعل التناول. والحلال والحرام حكمان يحددهما سياق التكليف والكسب، ولا يلزمان كل استعمال للجذر. يرد الجذر في ١٠٩ مواضع في ١٠١ آية عبر ٤٠… الأكل: تناول ما يؤكل، أو الاستيلاء على المال والانتفاع به، أو إذهاب الشيء كما تأكل النار القربان وتستنفد السنين المدّخر. ويصوّر القرءان الغيبة بأكل لحم الأخ، ويذكر أكل الزقوم في العذاب؛ فلا يقتضي الأكل نفعًا ولا يختص بالبشر. و«أُكُل» اسم للثمر والمحصول، لا لفعل الآكل. أما الحل والحرمة فيحددهما السياق. جذر «ءكل» يدل على تناول ما يؤكل، ويُستعمل في الاستيلاء على المال والانتفاع به، وفي تصوير الغيبة بأكل لحم الأخ. ويُسند إلى النار والسنين بمعنى إذهاب ما يقع عليه فعلهما، ولا يشترط أن يكون الآكل بشرًا أو أن ينفعه المأكول. أما «أُكُل» فاسم لمحصول الشجر والجنة، لا لفعل التناول. والحلال والحرام حكمان يحددهما سياق التكليف والكسب، ولا يلزمان كل استعمال للجذر. يرد الجذر في ١٠٩ مواضع في ١٠١ آية عبر ٤٠ سورة. أعلى السور: البقرة (١٢ موضعًا)، المائدة (٩ موضعًا)، يوسف (٩ موضعًا)، النساء (٨ موضعًا)، الأنعام (٦ موضعًا)، المؤمنون (٦ موضعًا). هذا التوزيع يكشف ست وظائف رئيسة: (١) الأكل المأمور به والمباح: صيغ الأمر ٣٣ موضعا، وأبرزها ﴿كُلُواْ﴾ (سورة البَقَرَة ٥٧) ١٥، ﴿فَكُلُواْ﴾ (سورة البَقَرَة ٥٨) ٧، ﴿وَكُلُواْ﴾ (سورة البَقَرَة ١٨٧) ٥، ومعها صيغ المثنى والمفرد مثل ﴿وَكُلَا﴾ (سورة البَقَرَة ٣٥) و﴿كُلِي﴾ (سورة النَّحل ٦٩). يأتي الأمر غالبا متصلا بالرزق والطيب والشكر أو بضبط شعائر الأكل: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾ (سورة البَقَرَة ٥٧) و﴿فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ﴾ (سورة الحج ٢٨). (٢) الأكل المنهي عنه أو المحفوف بالحكم: منه النهي الأول في قصة آدم، وأكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وأكل الربا، وأكل الأموال بالباطل. هنا يظهر محور الحلال والحرام، لكنه محور سياقي لا تعريف شامل لكل موضع. (٣) أكل الأموال والحقوق: في سورة النِّسَاء ١٠ يتكرر الجذر مرتين في آية واحدة: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ﴾. فالمال المأخوذ ظلما يصور كشيء يدخل البطن، لا كمجرد نقل ملك. (٤) «أُكُل» محصول ما يؤكل: سبعة مواضع: سورة البَقَرَة ٢٦٥، سورة الأنعَام ١٤١، سورة الرَّعد ٤ و٣٥، سورة إبراهِيم ٢٥، سورة الكَهف ٣٣، سورة سَبإ ١٦. هذه الصيغة تفصل محصول الشجر والجنة عن الفعل البشري أو الحيواني. (٥) الأكل علامة البشرية والحاجة: ﴿كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ﴾ في سورة المَائدة ٧٥، ومواضع اعتراض الكافرين على الرسل لأنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. هذا المسلك لا يرد إلى حكم الحلال والحرام بل إلى بيان الحاجة الجسدية. (٦) تنوع الآكل والمأكول وأثر الأكل: يُسند الأكل إلى الذئب في يوسف، والطير في رؤيا السجن وتأويلها، والبقرات العجاف، ودابة الأرض. ويأكل أهل العذاب الزقوم، ويذكر الضريع الذي لا يغني من جوع في سورة الغَاشِية ٦–٧ وصفًا لطعام العذاب، دون ورود الجذر فيهما. ويأتي تشبيه أصحاب الفيل في سورة الفِيل ٥: ﴿فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفٖ مَّأۡكُولِۭ﴾. ولا تُجمع هذه المواضع على نفع الآكل أو هلاك المأكول حتمًا. فالنار فاعلة في سورة آل عِمران ١٨٣: ﴿بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ﴾، والسنون تستنفد المدّخر في سورة يُوسُف ٤٨: ﴿يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ﴾. أما الزقوم فطعام للمعذَّبين في سورة الصَّافَات ٦٦ وسورة الوَاقِعة ٥٢، و«أُكُل» اسم للحاصل دون اشتراط تناوله.
التحليل الكامل لجذر ءكل ←جذر عفف
4 موضعًا في القرءان · الحقل: الحفظ والصون
عفف يدل على إمساك النفس عن طلب أو أخذ أو إظهار تدعو إليه الحاجة أو الرخصة، حتى يبقى الفعل منضبطًا بحدّ أعلى من مجرد الإباحة. مواضع عفف الأربعة كلها في باب إمساك النفس عند وجود داعية ظاهرة إلى الطلب أو الأخذ أو الإظهار. في سورة البَقَرَة ٢٧٣ يصف النص فقراء أحصروا لا يسألون الناس إلحافًا: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾؛ فالتعفف ستر للحاجة عن السؤال الملح. وفي سورة النِّسَاء ٦ يأمر الغني من أولياء اليتامى أن يستعفف… عفف يدل على إمساك النفس عن طلب أو أخذ أو إظهار تدعو إليه الحاجة أو الرخصة، حتى يبقى الفعل منضبطًا بحدّ أعلى من مجرد الإباحة. مواضع عفف الأربعة كلها في باب إمساك النفس عند وجود داعية ظاهرة إلى الطلب أو الأخذ أو الإظهار. في سورة البَقَرَة ٢٧٣ يصف النص فقراء أحصروا لا يسألون الناس إلحافًا: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾؛ فالتعفف ستر للحاجة عن السؤال الملح. وفي سورة النِّسَاء ٦ يأمر الغني من أولياء اليتامى أن يستعفف: ﴿وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾، أي يمسك نفسه عن أموالهم مع وجود ولاية وقرب. وفي سورة النور ٣٣ يرد الاستعفاف عند عدم وجود النكاح، وفي سورة النور ٦٠ يجعل استعفاف القواعد خيرًا مع وجود رخصة في وضع الثياب. فالجذر لا يساوي الفقر ولا السكوت وحده، بل ضبط النفس أمام منفذ مباح أو دافع ملح.
التحليل الكامل لجذر عفف ←التحليل التقابُليّ العميق
جامِع التقابُل وحَدّاه
العلاقة بين ءكل وعفف هنا مقابلة سياقية لا تضاد مطلق. فالأكل في أصله القرءاني تناول أو استهلاك، وقد يكون رزقًا مأذونًا، وقد يكون أكل مال ظلمًا، وقد يكون تصويرًا لاستهلاك الشيء. والعفاف إمساك النفس عند داعية الطلب أو الأخذ أو الإظهار. لذلك لا يقابل عفف كل أكل، ولا يكون الأكل نفسه نقضًا للعفاف في كل موضع؛ إنما يتقابلان حين يكون المال قريبًا من اليد والحاجة أو الولاية حاضرة. في النساء يرد الحدّان معًا: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ (سورة النِّسَاء ٦). فالجامع الحقيقي هو ضبط التصرّف عند المال: غنيّ يمسك نفسه فلا يأخذ، وفقير يأخذ بحدّ المعروف لا بإسراف ولا بمبادرة قبل كبر اليتيم.
حَدّ جذر ءكل في مواجهة عفف
حدّ ءكل في مواجهة عفف أنه فعل أخذ واستهلاك، لا مجرد وجود حاجة. في موضع النساء لا يذمّ الأكل لذاته؛ فقد جاء منه المنهي عنه: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ﴾ (سورة النِّسَاء ٦)، وجاء منه المأذون: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ (سورة النِّسَاء ٦). فالأكل يثبت انتقال المال إلى المنتفع واستهلاكه، وينفي الاكتفاء بصورة التعفف إذا كان الفقر قائمًا والإذن مضبوطًا. لكن حدّه لا يتسع إلى كل طلب أو كل حاجة؛ إنما ينضبط في هذا الزوج بمال اليتيم وبقيد المعروف.
حَدّ جذر عفف في مواجهة ءكل
حدّ عفف في مواجهة ءكل أنه كفّ النفس عن الأخذ عند قيام سبب يفتح الطريق إليه. الغني في النساء له ولاية أو قرب من المال، لكن النص لا يطلب منه أكلًا بقدر، بل يقول: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ﴾ (سورة النِّسَاء ٦). فهذا الحدّ يثبت إمساكًا زائدًا على مجرد ترك الإسراف، وينفي جعل القرب من المال مسوّغًا للاستهلاك. وفي البقرة تظهر الجهة نفسها من باب الطلب لا الأخذ: ﴿يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٧٣). فالعفاف ليس فقرًا ولا عجزًا، بل هيئة ضبط تجعل الحاجة لا تتحول إلى مطالبة ملحّة أو أخذ غير منضبط.
قراءة مواضع التلاقي
جمع القرءان الجذرين في آية اليتامى لأن المسألة ليست وصف طعام، بل ولاية مال وامتحان رشد ودفع أموال. يبدأ الموضع بإعداد انتقال المال إلى أصحابه، ثم يغلق منفذ الاستهلاك الجائر: ﴿فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ﴾ (سورة النِّسَاء ٦). بعدها لا يجعل الحكم واحدًا لكل وليّ، بل يقسم الحال: غنيّ يمسك، وفقير يأخذ بقدر: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ (سورة النِّسَاء ٦). وتؤيد البقرة أن العفاف يعمل حيث توجد حاجة ظاهرة لا تتحول إلى إلحاف: ﴿لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٧٣). ففي آية اليتامى يتحدد التقابل بحال داعية إلى الأخذ، ثم حدّ يميز بين إمساك الغني وأخذ الفقير المأذون.
موقع هذا التقابُل في حقله الدلاليّ
هذا التقابل مخصوص بآية اليتامى، لا بكل استعمالات ءكل ولا بكل مواضع عفف. فحقل ءكل واسع: فيه رزق، ومحصول، وأكل مال، وتصوير عذاب، وليس كل ذلك في مواجهة عفف. وحقل عفف أضيق: إمساك النفس عند داعية فقر أو ولاية مال أو حاجة أو رخصة. لذلك لا تجعل الآية المقابلة بين فقد الكفاية والأكل، بل بين استعفاف الغني وأكل الفقير بالمعروف في مال اليتيم.
امتحان الاستبدال
لو وُضع عفف مكان الأكل في قوله: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ (سورة النِّسَاء ٦) لانكسر تقسيم الآية؛ لأن الفقير لا يطلب منه في هذا الموضع إمساك مطلق، بل يفتح له أخذًا محدودًا بالمعروف. ولو وُضع الأكل مكان الاستعفاف في قوله: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ﴾ (سورة النِّسَاء ٦) لانقلب الحكم؛ فالغنى هنا قرينة تمنع الانتفاع من مال اليتيم، لا قرينة تبيح الاستهلاك. وكذلك لا يصلح أن يحلّ الأكل محل التعفف في البقرة: ﴿أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٧٣)، لأن المراد هيئة ستر الحاجة، لا فعل تناول.
الخلاصة الميسَّرة
الأكل هنا ليس نقيض العفاف في كل القرءان. في مال اليتيم، الغني يمسك نفسه فلا يأخذ، والفقير يجوز له أن يأخذ بقدر المعروف. الفرق أن العفاف صون عند القدرة أو الحاجة، والأكل استعمال للمال لا يصح إلا بحدّه.
لطائف هذا التقابُل
- الأكل هنا ليس ضد العفة مطلقًا، بل مقابل عملي مقيد بحال الفقر والمعروف.
- الآية تفرق بين الإمساك عند الاستغناء والأخذ المنضبط عند الحاجة.
أسئلة شائعة
ما العلاقة بين جذر ءكل وجذر عفف في القرءان؟
العلاقة بينهما: مُقابِل سياقيّ (في الآية نفسها). الأكل واسع في القرءان: منه تناول المطعوم، ومنه الانتفاع بالمال أو استنفاده. وتأكل النار القربان في سورة آل عِمران ١٨٣، وتأكل السنين ما ادّخر لها في سورة يُوسُف ٤٨؛ فهما فاعلتان لا مأكولتان. وتدل صيغة «أُكُل» على الثمرة والمحصول. لذلك لا يصح حصر ضده في جذر واحد على كل الفروع. يقابله «جوع» في مجال الحاجة إلى الغذاء؛ لأنه يصف فقد الكفاية الغذائية أو إصابة الجسد والبلد بنقص المطعوم، ولا يجتمع الجذران في آية واحدة من مواضع الأكل. فالمقابلة هنا بين تناول الغذاء… العلاقة بينهما: مُقابِل سياقيّ (في الآية نفسها). الأكل واسع في القرءان: منه تناول المطعوم، ومنه الانتفاع بالمال أو استنفاده. وتأكل النار القربان في سورة آل عِمران ١٨٣، وتأكل السنين ما ادّخر لها في سورة يُوسُف ٤٨؛ فهما فاعلتان لا مأكولتان. وتدل صيغة «أُكُل» على الثمرة والمحصول. لذلك لا يصح حصر ضده في جذر واحد على كل الفروع. يقابله «جوع» في مجال الحاجة إلى الغذاء؛ لأنه يصف فقد الكفاية الغذائية أو إصابة الجسد والبلد بنقص المطعوم، ولا يجتمع الجذران في آية واحدة من مواضع الأكل. فالمقابلة هنا بين تناول الغذاء والحاجة إليه، ولا تشمل أكل المال أو النار أو السنين. ويظهر «صوم» مقابلا أضيق في باب الامتناع المؤقت، لا في كل الأكل؛ ففي البقرة يباح الأكل والشرب إلى حد معلوم ثم يطلب إتمام الصيام. أما «شرب» فملازم للأكل في مواضع النعمة والحاجة، وليس ضده.
كم مرة يلتقي جذر ءكل وجذر عفف في آية واحدة؟
يلتقيان في 1 آية يجتمع فيها الجذران معًا. من ذلك قوله تعالى في النِّسَاء آية 6.
ما مفهوم جذر ءكل في القرءان؟
الأكل: تناول ما يؤكل، أو الاستيلاء على المال والانتفاع به، أو إذهاب الشيء كما تأكل النار القربان وتستنفد السنين المدّخر. ويصوّر القرءان الغيبة بأكل لحم الأخ، ويذكر أكل الزقوم في العذاب؛ فلا يقتضي الأكل نفعًا ولا يختص بالبشر. و«أُكُل» اسم للثمر والمحصول، لا لفعل الآكل. أما الحل والحرمة فيحددهما السياق.
ما مفهوم جذر عفف في القرءان؟
عفف يدل على إمساك النفس عن طلب أو أخذ أو إظهار تدعو إليه الحاجة أو الرخصة، حتى يبقى الفعل منضبطًا بحدّ أعلى من مجرد الإباحة.
ما خلاصة الفرق بين ءكل وعفف؟
الأكل هنا ليس نقيض العفاف في كل القرءان. في مال اليتيم، الغني يمسك نفسه فلا يأخذ، والفقير يجوز له أن يأخذ بقدر المعروف. الفرق أن العفاف صون عند القدرة أو الحاجة، والأكل استعمال للمال لا يصح إلا بحدّه.