ضِدّان صَريحان · قَولات
الفَرق بين جذر غير وجذر مثل في القرءان
خلاصة مباشرة
للجذر «مثل» وجوهٌ كثيرة: المثل المضروب، ووصف الحال، والتمثال، و«الأمثل»، و«المثلات»، والمِثل المعادل في الجزاء والميراث والقصاص. ولا يقف بإزاء هذه الوجوه كلّها ضدٌّ واحد؛ لكنّ وجه المماثلة والمعادلة منه يقابله «غير»؛ ويجتمعان في خمس آيات، تظهر المقابلة في بعضها، ويكون الاجتماع في بعضها الآخر مجاورةً لا تقابلًا كما في وصف الجنّة بماءٍ غير آسن. ففي سورة غافر يُضبط جزاء السيئة بالمِثل ويُرزق أهل الجنّة بغير حساب: ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ﴾ (سورة غَافِر ٤٠). وفي سورة محمد يُتوعَّد المتولّون باستبدال قومٍ غيرهم: ﴿يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ (مُحمد… للجذر «مثل» وجوهٌ كثيرة: المثل المضروب، ووصف الحال، والتمثال، و«الأمثل»، و«المثلات»، والمِثل المعادل في الجزاء والميراث والقصاص. ولا يقف بإزاء هذه الوجوه كلّها ضدٌّ واحد؛ لكنّ وجه المماثلة والمعادلة منه يقابله «غير»؛ ويجتمعان في خمس آيات، تظهر المقابلة في بعضها، ويكون الاجتماع في بعضها الآخر مجاورةً لا تقابلًا كما في وصف الجنّة بماءٍ غير آسن. ففي سورة غافر يُضبط جزاء السيئة بالمِثل ويُرزق أهل الجنّة بغير حساب: ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ﴾ (سورة غَافِر ٤٠). وفي سورة محمد يُتوعَّد المتولّون باستبدال قومٍ غيرهم: ﴿يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ (سورة مُحمد ٣٨)، فتقع المغايرة على الذوات ويقع نفي المماثلة على الحال. وفي سورة النساء لا يرتفع حكم المماثلة عن القاعد حتّى يصير الحديث غير الحديث: ﴿إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ﴾ (سورة النِّسَاء ١٤٠). فالتقابل مخصوصٌ بإثبات النظير ونفيه، لا بكلّ ما يحمله الجذر.
الشاهد المركزيّ
﴿ هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم ﴾
مدلول الآية
تواجه الآية المخاطبين بحالهم عند الدعوة إلى الإنفاق: من يبخل فإنما يضر نفسه، لأن الله غني وهم الفقراء، وإن تولوا استبدل قومًا غيرهم لا يكونون أمثالهم. التحليل الكامل ←
التضادّ كما يرسمه القرءان
للجذر «مثل» وجوهٌ كثيرة: المثل المضروب، ووصف الحال، والتمثال، و«الأمثل»، و«المثلات»، والمِثل المعادل في الجزاء والميراث والقصاص. ولا يقف بإزاء هذه الوجوه كلّها ضدٌّ واحد؛ لكنّ وجه المماثلة والمعادلة منه يقابله «غير»؛ ويجتمعان في خمس آيات، تظهر المقابلة في بعضها، ويكون الاجتماع في بعضها الآخر مجاورةً لا تقابلًا كما في وصف الجنّة بماءٍ غير آسن. ففي سورة غافر يُضبط جزاء السيئة بالمِثل ويُرزق أهل الجنّة بغير حساب: ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ﴾ (سورة غَافِر ٤٠). وفي سورة محمد يُتوعَّد المتولّون باستبدال قومٍ غيرهم: ﴿يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ (سورة مُحمد ٣٨)، فتقع المغايرة على الذوات ويقع نفي المماثلة على الحال. وفي سورة النساء لا يرتفع حكم المماثلة عن القاعد حتّى يصير الحديث غير الحديث: ﴿إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ﴾ (سورة النِّسَاء ١٤٠). فالتقابل مخصوصٌ بإثبات النظير ونفيه، لا بكلّ ما يحمله الجذر.
يقابل «غير» إثبات ما تنفيه في السياق؛ فلا يكون «مثل» ضدًّا مطّردًا لها. فمغايرة الذوات لا تمنع مماثلتها في جهة، ونفي وصف يقابله إثبات ذلك الوصف. يظهر ذلك بوضوح في سورة مُحمد ٣٨: يستبدل الله قومًا غير المخاطبين ثم لا يكونون أمثالهم؛ فالغَيْر يقرر عدم اتحاد الذوات، ونفي الأمثال يقرر عدم المطابقة في الصفة والسلوك. وفي مواضع أخرى تجتمع المغايرة والمثل لا دائمًا على صورة ضدية صريحة، ولا يلزم من مغايرة الذوات انتفاء التشابه في الصفات. أما بدل فهو مكمّل قريب؛ إذ ينجز فعل الإحلال الذي ينتج عنه غير، لكنه ليس ضدًا. وحرم وبغي وضرر غالبها سياقات قيد ونفي سند، لا مقابل الجذر نفسه.
مفهوم كلّ جذر على حدة
جذر غير
153 موضعًا في القرءان · الحقل: أدوات النفي والاستثناء
الغَيْر: مغايرة شيء لآخر أو انتفاء وصف عنه؛ والتغيير انتقال الشيء عن حاله إلى حال أخرى. يجمع المسارين معنى المغايرة: قائمةً في الاسم، وحاصلةً بالانتقال في صيغ التغيير، مع مراعاة النفي والإثبات. ولا يفترض الاسم تطابقًا سابقًا، ولا ينفي كلّ مشابهة؛ فقد تتغاير الذوات وتتشابه في بعض الصفات. الجذر «غير» في القرءان يدلّ على المغايرة: كون شيء سوى آخر، أو انتفاء وصف عنه، أو انتقاله إلى حال أخرى. ويظهر ذلك في مسارين دلاليّين، لا في نفي كلّ مشابهة بين الأشياء. المسار الأوّل، وهو الغالب، اسم المغايرة: يميّز الموصوف عمّا أضيف إليه، كما في ﴿غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ﴾ (سورة الفَاتِحة ٧). وقد ينفي صفةً عنه، كما في ﴿أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ﴾ (سورة فُصِّلَت ٨). ومنه بعض مواضع «بِغَيۡرِ» التي تنفي الحقّ أو العلم أو… الغَيْر: مغايرة شيء لآخر أو انتفاء وصف عنه؛ والتغيير انتقال الشيء عن حاله إلى حال أخرى. يجمع المسارين معنى المغايرة: قائمةً في الاسم، وحاصلةً بالانتقال في صيغ التغيير، مع مراعاة النفي والإثبات. ولا يفترض الاسم تطابقًا سابقًا، ولا ينفي كلّ مشابهة؛ فقد تتغاير الذوات وتتشابه في بعض الصفات. الجذر «غير» في القرءان يدلّ على المغايرة: كون شيء سوى آخر، أو انتفاء وصف عنه، أو انتقاله إلى حال أخرى. ويظهر ذلك في مسارين دلاليّين، لا في نفي كلّ مشابهة بين الأشياء. المسار الأوّل، وهو الغالب، اسم المغايرة: يميّز الموصوف عمّا أضيف إليه، كما في ﴿غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ﴾ (سورة الفَاتِحة ٧). وقد ينفي صفةً عنه، كما في ﴿أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ﴾ (سورة فُصِّلَت ٨). ومنه بعض مواضع «بِغَيۡرِ» التي تنفي الحقّ أو العلم أو السلطان عن الفعل والقول: ﴿بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ (سورة البَقَرَة ٦١)، و﴿بِغَيۡرِ عِلۡمٖ﴾ (سورة الأنعَام ١٠٠). أمّا ﴿بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ (سورة البَقَرَة ٢١٢) ففي الرزق، و﴿بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ﴾ (سورة الرَّعد ٢) ففي رفع السماوات؛ فلا تدلّان على فعل فاقد للمشروعيّة. والمسار الثاني هو التغيير والتحوّل: نقل الشيء عن حاله، أو تغيّر الحال نفسها. ومنه تغيير ما بالنفوس ﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ (سورة الرَّعد ١١)، وتغيير الخلق ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ﴾ (سورة النِّسَاء ١١٩). وتدخل فيه دلاليًّا صيغة اسم الفاعل ﴿مُغَيِّرٗا﴾ (سورة الأنفَال ٥٣)، مع الأفعال. فالاسم يقرّر مغايرة قائمة دون افتراض تطابق سابق؛ وصيغ التغيير تدلّ على الانتقال عن حال، وقد ينفي السياق وقوعه. ولهذا لا ينحصر الجذر في النفي المحض، ولا يلزم من مغايرة ذات لأخرى انتفاء التشابه بينهما.
التحليل الكامل لجذر غير ←جذر مثل
169 موضعًا في القرءان · الحقل: الوصف والتشبيه | التفاضل والمقارنة | الأعداد والكميات
«مثل» وصف الحال والصورة، والمماثلة في جهة يعيّنها السياق. يشمل المثل المضروب ومثل الجنة والمثل الأعلى لله، دون اشتراط نظير لكل وصف. ويتسع للتماثيل المحسوسة، وظهور الروح بشرًا سويًّا، والمفاضلة في الأمثل، والمثلات: عقوبات سابقة يُعتبر بها. ومن المعادلة ﴿مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ﴾ (سورة النِّسَاء ١١)، و﴿فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ﴾ (سورة المَائدة ٩٥)، و﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ (سورة الأنعَام ١٦٠). وكذلك ﴿ٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ﴾ (سورة البَقَرَة ١٩٤)، و﴿وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ﴾ (سورة الطَّلَاق ١٢)، و﴿وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ﴾ (سورة الزُّمَر ٤٧). وفي ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ (سورة الشُّورى ١١) نفي النظير عن الله. فالمماثلة إثباتًا أو نفيًا وجه من الجذر، وليست تفسيرًا يستوفي الوصف والمفاضلة. يدور الجذر «مثل»… «مثل» وصف الحال والصورة، والمماثلة في جهة يعيّنها السياق. يشمل المثل المضروب ومثل الجنة والمثل الأعلى لله، دون اشتراط نظير لكل وصف. ويتسع للتماثيل المحسوسة، وظهور الروح بشرًا سويًّا، والمفاضلة في الأمثل، والمثلات: عقوبات سابقة يُعتبر بها. ومن المعادلة ﴿مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ﴾ (سورة النِّسَاء ١١)، و﴿فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ﴾ (سورة المَائدة ٩٥)، و﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ (سورة الأنعَام ١٦٠). وكذلك ﴿ٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ﴾ (سورة البَقَرَة ١٩٤)، و﴿وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ﴾ (سورة الطَّلَاق ١٢)، و﴿وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ﴾ (سورة الزُّمَر ٤٧). وفي ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ (سورة الشُّورى ١١) نفي النظير عن الله. فالمماثلة إثباتًا أو نفيًا وجه من الجذر، وليست تفسيرًا يستوفي الوصف والمفاضلة. يدور الجذر «مثل» على وصف الحال والصورة، وعلى المماثلة في جهة يعيّنها السياق. فقد يقيم صورةً تكشف المعنى، أو يثبت مشاركةً في صفة، أو يضبط قدرًا أو حكمًا بمعادله. ولا تستلزم هذه الوجوه تطابق الطرفين في كل شيء. فهو يجمع بين المثل المضروب الذي يبني صورة دالّة، والمماثلة المباشرة بين طرفين، والتمثال القائم المحسوس، والمفاضلة في «الأمثل»، والمِثل المُعادِل في الميراث والجزاء والقصاص. وتظهر صورة الروح لمريم بشرًا سويًّا في سورة مَريَم ١٧. وتدل المثلات في سورة الرَّعد ٦ على عقوبات سابقة يُعتبر بها. ويشمل الوصف دون اشتراط نظير مقابل: ﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ﴾ (سورة الرَّعد ٣٥). فالآية تصف الجنة وأنهارها ودوام أكلها وظلها. وفي ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ﴾ (سورة النَّحل ٦٠) إثبات الوصف الأعلى لله، وكذلك سورة الرُّوم ٢٧. فلا يساوي الجذر مجرّد التشبيه اللفظيّ، ولا يُحصر في إقامة النظير أو نفيه. ينتظم الجذر في 169 موضعًا داخل 148 آية فريدة بـ76 صيغة رسم؛ وتكثر فيه صيغ «مثل» و«مثلا» و«كمثل» و«مثله» و«الأمثال». وتندرج هذه الصيغ في ٣٤ صيغة معياريّة، وتعيّن سياقاتها وجه الوصف أو الصورة أو المماثلة والتقدير.
التحليل الكامل لجذر مثل ←التحليل التقابُليّ العميق
جامِع التقابُل وحَدّاه
العلاقة بين غير ومثل ضدّ صريح من جهة أصل المطابقة، لا من جهة كل استعمال منفرد. فغير يفتح حدّ المغايرة: هذا ليس ذاك، أو هذا الفعل بلا سند الحق، أو هذه الحال زالت عن حالها الأولى. ومثل يفتح حدّ النظير: شيء يوضع بإزاء شيء في صورة أو قدر أو حكم. لذلك يجتمعان أحيانًا على تقابل مباشر كما في ﴿وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ (سورة مُحمد ٣٨): غيركم تنفي اتحاد الذوات، وأمثالكم تنفي استمرار الصفة والسلوك. ويجتمعان أحيانًا لا ليكونا ضدّين كاملين، بل ليقيس النص حدًّا بحد: ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ﴾ يضبط الجزاء بالمماثلة، و﴿يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ يرفع الرزق عن حد الحساب (سورة غَافِر ٤٠). فالجامع الحاكم هو المطابقة: مثل يثبت وجهها، وغير ينفيها أو يخرج الشيء عنها.
حَدّ جذر غير في مواجهة مثل
حد غير في مواجهة مثل أنها لا تبني نظيرًا، بل تقطع المطابقة أو تسلب سندها. في آية المجلس المنهي عنه لا يكفي أن يكون الحديث الآخر موضوعًا مختلفًا على سبيل التنوع؛ المطلوب مفارقة الحديث الذي يكفر بالآيات ويستهزأ بها: ﴿حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ﴾ (سورة النِّسَاء ١٤٠). فغيره تنقل الجلوس من محالّ المشابهة إلى مفارقة السبب، فإذا لم تقع هذه المفارقة صار القاعد مثل الخائض. وفي ﴿تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ﴾ (سورة الأنعَام ٩٣) لا تصف غير تشابهًا ناقصًا، بل تنفي مطابقة القول للحق أصلًا. هذا هو حدها: إخراج الشيء من أن يكون هو المقابل أو على وزنه أو على حقه.
حَدّ جذر مثل في مواجهة غير
حد مثل في مواجهة غير أنه لا يكتفي بذكر القرب أو الصورة، بل يثبت جهة مقابلة بين طرفين تجعل أحدهما نظيرًا للآخر في موضع مخصوص. في الجزاء، ﴿مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ﴾ (سورة غَافِر ٤٠) يجعل العقوبة محكومة بالمماثلة، فلا تنفلت إلى زيادة ولا تتحول إلى شيء آخر. وفي دعوى الافتراء، ﴿وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ﴾ (سورة الأنعَام ٩٣) المثل هو ادعاء نظير لما أنزل الله، لا مجرد قول آخر. لذلك يقابل مثل غير من جهة أنه يقيم علاقة إزاء ومعادلة أو صورة، بينما غير تهدم هذه العلاقة أو تجعل الطرف خارجها.
قراءة مواضع التلاقي
مواضع التلاقي الخمسة لا تسير على بنية واحدة، لكنها ترجع إلى سؤال واحد: أين تثبت المطابقة وأين تُنفى؟ في النِّسَاء يظهر الاجتماع في بنية أمر ونهي ونتيجة: النهي عن القعود قائم حتى يقع انتقال إلى حديث آخر، لأن بقاء المجلس على الخوض الأول يجعل القاعد في حكم المماثلة: ﴿حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ﴾ (سورة النِّسَاء ١٤٠). وفي مُحمد تأتي البنية تهديدًا بالاستبدال: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ (سورة مُحمد ٣٨)، فالمغايرة في القوم لا تكفي حتى تنفى مماثلة الحال. وفي غَافِر تنقسم الآية بين قيد الجزاء وقيد الرزق: السيئة لها مثلها، والصالحون يرزقون بغير حساب. وفي سورة مُحمد ١٥ يفتتح النص بمثل الجنة، ثم يصف ماءها بأنه غير آسن؛ صورة تقرّب المقام، ومغايرة تنفي فساد الماء. وفي سورة الأنعَام ٩٣ يجاور ادعاء المثل للوحي قولًا على الله غير الحق، فالمماثلة المدعاة تنقلب إلى مغايرة للحق.
موقع هذا التقابُل في حقله الدلاليّ
هذا التقابل يختلف عن بقية علاقات حقل غير لأن غير قد تنفي سند الفعل وحده، كما في البغي بغير الحق أو القول بغير الحق، وقد تكون استثناء أو صفة سالبة. فإذا واجهت مثلًا صار موضعها أدق: نفي المطابقة نفسها لا مجرد نفي الحق أو العلم. ويختلف عن اتساع حقل مثل؛ فمثل قد يكون صورة مضروبة أو معادلة في جزاء أو ميراث أو قياس، ولا يلزمه ضد واحد في كل ذلك. لكن عند لقائه بغير يتحدد وجه خاص من الحقلين: مثل يثبت النظير أو المعادل، وغير تسحب هذا النظير أو تخرجه عن الطرف الأول.
امتحان الاستبدال
في ﴿فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ﴾ (سورة الأعرَاف ٥٣) لو استُبدلت «غَيۡر» بـ«مِثۡل» لانقلب الرجاء إلى تكرار العمل ذاته، وهو نقيض المراد.
الخلاصة الميسَّرة
غير تقول إن الشيء ليس هو الشيء الآخر أو ليس على حدّه، ومثل تقول إن بين شيئين وجه نظير أو مقدارًا مساويًا. لذلك إذا اجتمعا ظهر الفرق بين تغيير الطرف أو مفارقته، وبين بقاء الشبه أو المعادلة بينهما.
مواضع التلاقي في آية واحدة (5)
﴿ وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾
مدلول الآية
مدلول الآية أن العلم السابق المنزل في الكتاب يحوّل سماع الكفر بآيات الله والاستهزاء بها من خبر عابر إلى امتحان مشاركة ومفارقة. فليست القضية سماعًا حسّيًا فقط، ولا نهيًا عن جلوس عام، بل حكم محمول على المخاطبين: متى صارت الآيات موضوعًا يكفر بها ويستهزأ بها، صار القعود مع أهل هذا الخوض بقاءً داخل مجلسهم وحكمهم، إلى أن ينتقلوا إلى حديث غيره. لذلك تأتي ﴿إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ﴾ لتثبت أثر البقاء، ثم تختم… التحليل الكامل ←
﴿ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ ﴾
مدلول الآية
مدلول الآية أن أغلظ الظلم هنا ليس مجرد قول باطل، بل تعدّ على جهة الوحي نفسها: افتراء على الله، أو دعوى استقبال وحي لم يقع، أو زعم القدرة على إنزال مثل ما أنزل الله. ثم ينقلب الكلام من وصف الدعوى إلى مشهد الجزاء؛ فالذين جعلوا القول سلطة على الله يواجَهون عند غمرات الموت بأمر إخراج أنفسهم، ثم بحكم حاضر: جزاء هوان بسبب قولهم على الله غير الحق واستكبارهم عن آياته. شبكة القَولات تجعل الجريمة مركبة من نسبة كاذبة، وادعاء… التحليل الكامل ←
﴿ مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ ﴾
مدلول الآية
تضع الآية قاعدة الجزاء بعد ميزان الدنيا والآخرة: السيئة لا يجزى صاحبها إلا مثلها، أما العمل الصالح مع الإيمان، من ذكر أو أنثى، فيفضي إلى دخول الجنة والرزق فيها بغير حساب. التحليل الكامل ←
باقي مواضع التلاقي (1)
﴿ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ ﴾
لطائف هذا التضادّ
- يختصّ التقابل بوجه المماثلة والمعادلة من «مثل»، ولا يتناول المثل المضروب ولا التماثيل ولا «الأمثل» ولا «المثلات»؛ فهذه وجوهٌ لا تقف «غير» بإزائها.
- يتعلّق التبديل بالأمثال في ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ (سورة الوَاقِعة ٦١) وفي سورة الإنسَان ٢٨، ويأتي في سورة مُحمد ٣٨ بقومٍ مغايرين يُنفى عنهم أن يكونوا أمثال المخاطَبين؛ فالمماثلة ونفيها وجهان يتردّد بينهما التبديل.
- يأتي الاستبدال في سورة التوبَة ٣٩ بقومٍ غير المخاطَبين دون نفي المماثلة، ويُزاد نفيها في سورة مُحمد ٣٨؛ فدلّت الزيادة على أنّ «غير» تقع على الذات، وأنّ «مثل» يقع على المشاركة في الوصف.
- ليس كل اجتماع بين غير ومثل ضدًا كاملًا، لكن أصل العلاقة بين نفي المطابقة وإثباتها ثابت.
- بدل قريب من غير لأنه يصنع المغايرة، أما مثل فهو الطرف الأوضح في حد المطابقة.
أسئلة شائعة
ما العلاقة بين جذر غير وجذر مثل في القرءان؟
العلاقة بينهما: ضِدّ صَريح (في الآية نفسها). للجذر «مثل» وجوهٌ كثيرة: المثل المضروب، ووصف الحال، والتمثال، و«الأمثل»، و«المثلات»، والمِثل المعادل في الجزاء والميراث والقصاص. ولا يقف بإزاء هذه الوجوه كلّها ضدٌّ واحد؛ لكنّ وجه المماثلة والمعادلة منه يقابله «غير»؛ ويجتمعان في خمس آيات، تظهر المقابلة في بعضها، ويكون الاجتماع في بعضها الآخر مجاورةً لا تقابلًا كما في وصف الجنّة بماءٍ غير آسن. ففي سورة غافر يُضبط جزاء السيئة بالمِثل ويُرزق أهل الجنّة بغير حساب: ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ﴾… العلاقة بينهما: ضِدّ صَريح (في الآية نفسها). للجذر «مثل» وجوهٌ كثيرة: المثل المضروب، ووصف الحال، والتمثال، و«الأمثل»، و«المثلات»، والمِثل المعادل في الجزاء والميراث والقصاص. ولا يقف بإزاء هذه الوجوه كلّها ضدٌّ واحد؛ لكنّ وجه المماثلة والمعادلة منه يقابله «غير»؛ ويجتمعان في خمس آيات، تظهر المقابلة في بعضها، ويكون الاجتماع في بعضها الآخر مجاورةً لا تقابلًا كما في وصف الجنّة بماءٍ غير آسن. ففي سورة غافر يُضبط جزاء السيئة بالمِثل ويُرزق أهل الجنّة بغير حساب: ﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ﴾ (سورة غَافِر ٤٠). وفي سورة محمد يُتوعَّد المتولّون باستبدال قومٍ غيرهم: ﴿يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ (سورة مُحمد ٣٨)، فتقع المغايرة على الذوات ويقع نفي المماثلة على الحال. وفي سورة النساء لا يرتفع حكم المماثلة عن القاعد حتّى يصير الحديث غير الحديث: ﴿إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ﴾ (سورة النِّسَاء ١٤٠). فالتقابل مخصوصٌ بإثبات النظير ونفيه، لا بكلّ ما يحمله الجذر.
كم مرة يلتقي جذر غير وجذر مثل في آية واحدة؟
يلتقيان في 5 آية يجتمع فيها الجذران معًا. من ذلك قوله تعالى في النِّسَاء آية 140.
ما مفهوم جذر غير في القرءان؟
الغَيْر: مغايرة شيء لآخر أو انتفاء وصف عنه؛ والتغيير انتقال الشيء عن حاله إلى حال أخرى. يجمع المسارين معنى المغايرة: قائمةً في الاسم، وحاصلةً بالانتقال في صيغ التغيير، مع مراعاة النفي والإثبات. ولا يفترض الاسم تطابقًا سابقًا، ولا ينفي كلّ مشابهة؛ فقد تتغاير الذوات وتتشابه في بعض الصفات.
ما مفهوم جذر مثل في القرءان؟
«مثل» وصف الحال والصورة، والمماثلة في جهة يعيّنها السياق. يشمل المثل المضروب ومثل الجنة والمثل الأعلى لله، دون اشتراط نظير لكل وصف. ويتسع للتماثيل المحسوسة، وظهور الروح بشرًا سويًّا، والمفاضلة في الأمثل، والمثلات: عقوبات سابقة يُعتبر بها. ومن المعادلة ﴿مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ﴾ (سورة النِّسَاء ١١)، و﴿فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ﴾ (سورة المَائدة ٩٥)، و﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ (سورة الأنعَام ١٦٠). وكذلك ﴿ٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ﴾ (سورة البَقَرَة ١٩٤)، و﴿وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ﴾ (الطلاق… «مثل» وصف الحال والصورة، والمماثلة في جهة يعيّنها السياق. يشمل المثل المضروب ومثل الجنة والمثل الأعلى لله، دون اشتراط نظير لكل وصف. ويتسع للتماثيل المحسوسة، وظهور الروح بشرًا سويًّا، والمفاضلة في الأمثل، والمثلات: عقوبات سابقة يُعتبر بها. ومن المعادلة ﴿مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ﴾ (سورة النِّسَاء ١١)، و﴿فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ﴾ (سورة المَائدة ٩٥)، و﴿فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ (سورة الأنعَام ١٦٠). وكذلك ﴿ٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ﴾ (سورة البَقَرَة ١٩٤)، و﴿وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ﴾ (سورة الطَّلَاق ١٢)، و﴿وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ﴾ (سورة الزُّمَر ٤٧). وفي ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ (سورة الشُّورى ١١) نفي النظير عن الله. فالمماثلة إثباتًا أو نفيًا وجه من الجذر، وليست تفسيرًا يستوفي الوصف والمفاضلة.
ما خلاصة الفرق بين غير ومثل؟
غير تقول إن الشيء ليس هو الشيء الآخر أو ليس على حدّه، ومثل تقول إن بين شيئين وجه نظير أو مقدارًا مساويًا. لذلك إذا اجتمعا ظهر الفرق بين تغيير الطرف أو مفارقته، وبين بقاء الشبه أو المعادلة بينهما.