مُقابِلان سياقيًّا · قَولات
التقابُل بين جذر ذعن وجذر عرض في القرءان
خلاصة مباشرة
يقع ضدّ «عرض» الصريح ومقابلُه السياقيّ في وجه الإعراض لا في دوائره كلّها. فضدّه الصريح الاتّباع، وقد اجتمعا في أربع آيات، ثلاثٌ منها في وجه الإعراض، أوضحها ﴿ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ (سورة الأنعَام ١٠٦): وصلٌ بجهةٍ متبوعة وقطعٌ لجهةٍ مصروفٍ عنها. ويقابله مقابلةً سياقيّة الإتيانُ المذعن في آيتين متجاورتين: ﴿إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ (سورة النور ٤٨) ثمّ ﴿يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ﴾ (سورة النور ٤٩). أمّا ﴿أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ﴾ (سورة الإسرَاء ٨٣) فتكاملٌ يرسم هيئة التنحّي لا تقابل. ولا يدخل في هذا الحكم العرض بمعنى… يقع ضدّ «عرض» الصريح ومقابلُه السياقيّ في وجه الإعراض لا في دوائره كلّها. فضدّه الصريح الاتّباع، وقد اجتمعا في أربع آيات، ثلاثٌ منها في وجه الإعراض، أوضحها ﴿ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ (سورة الأنعَام ١٠٦): وصلٌ بجهةٍ متبوعة وقطعٌ لجهةٍ مصروفٍ عنها. ويقابله مقابلةً سياقيّة الإتيانُ المذعن في آيتين متجاورتين: ﴿إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ (سورة النور ٤٨) ثمّ ﴿يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ﴾ (سورة النور ٤٩). أمّا ﴿أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ﴾ (سورة الإسرَاء ٨٣) فتكاملٌ يرسم هيئة التنحّي لا تقابل. ولا يدخل في هذا الحكم العرض بمعنى الإبراز والتقديم، ولا السعة، ولا عَرَض الدنيا؛ ففي ﴿لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا﴾ (سورة التوبَة ٤٢) يجتمع الجذر بالاتّباع لفظًا والعَرَض فيه متاع. وفي وجه الإبراز يقترن العرض بانتفاء الخفاء في ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ﴾ (سورة الحَاقة ١٨)، مقابلةً مشهديّة لا تُعمَّم على الجذر.
الشاهد المركزيّ
﴿ وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ﴾
مدلول الآية
إذا دعي المدعون إلى غاية الحكم عند الله ورسوله ظهر فريق منهم معرضا؛ فالاختبار العملي للدعوى هو قبول الفصل بينهم لا مجرد القول. التحليل الكامل ←
التقابُل كما يرسمه القرءان
يقع ضدّ «عرض» الصريح ومقابلُه السياقيّ في وجه الإعراض لا في دوائره كلّها. فضدّه الصريح الاتّباع، وقد اجتمعا في أربع آيات، ثلاثٌ منها في وجه الإعراض، أوضحها ﴿ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ (سورة الأنعَام ١٠٦): وصلٌ بجهةٍ متبوعة وقطعٌ لجهةٍ مصروفٍ عنها. ويقابله مقابلةً سياقيّة الإتيانُ المذعن في آيتين متجاورتين: ﴿إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ (سورة النور ٤٨) ثمّ ﴿يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ﴾ (سورة النور ٤٩). أمّا ﴿أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ﴾ (سورة الإسرَاء ٨٣) فتكاملٌ يرسم هيئة التنحّي لا تقابل. ولا يدخل في هذا الحكم العرض بمعنى الإبراز والتقديم، ولا السعة، ولا عَرَض الدنيا؛ ففي ﴿لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا﴾ (سورة التوبَة ٤٢) يجتمع الجذر بالاتّباع لفظًا والعَرَض فيه متاع. وفي وجه الإبراز يقترن العرض بانتفاء الخفاء في ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ﴾ (سورة الحَاقة ١٨)، مقابلةً مشهديّة لا تُعمَّم على الجذر.
ورد «ذعن» مرة واحدة في بنية متجاورة تجعل مقابله السياقي «عرض»: إذا دعي فريق إلى الحكم أعرض، وإذا كان الحق لهم أتوا مذعنين. هذا ليس ضدًا مطلقًا لكل إذعان، لأن الإذعان في الآية ليس تسليمًا مجردًا، بل مجيء منقاد مشروط بكون الحق لهم. لذلك فالمقابلة ليست مع «حيف»؛ فالحيف في الآية التالية خوف مدعى أو سؤال كاشف، ولا يحمل فعل الإقبال أو الإدبار. العلاقة مع «عرض» بنيوية داخل مقطع النور: الإعراض عند الدعوة إلى الحكم في آية، ثم الإتيان مذعنين عند موافقة الحق في الآية التالية. بهذا يكون «عرض» مقابلًا سياقيًا لقصد الحركة العملية: انصراف عن الحكم في مقابل مجيء إليه.
مفهوم كلّ جذر على حدة
جذر ذعن
1 موضعًا في القرءان · الحقل: الأمر والطاعة والعصيان
ذعن: الإذعان في موضعه القرءاني مجيء منقاد إلى الحكم حين يكون الحق للآتي، فهو انقياد ظاهر مشروط بمصلحة صاحبه. الجذر ذعن يرد في القرءان في 1 موضعًا عبر 1 آية، وبـ1 صيغة مضبوطة في مواضعه. > ذعن: إقبال عملي منقاد يظهر عند موافقة الحكم لمصلحة صاحبه، لا مجرد خضوع باطن. ورد الجذر مرة واحدة في سورة النور ٤٩. السياق القريب يقابل بين الإعراض عند الدعوة إلى الحكم وبين المجيء مذعنين إذا كان الحق لهم؛ لذلك لا يصح جعله تسليمًا صادقًا مطلقًا.
التحليل الكامل لجذر ذعن ←جذر عرض
79 موضعًا في القرءان · الحقل: الرغبة والإقبال والإدبار | الإظهار والتبيين | المال والثروة | السَعَة والاستيعاب
عرض: تقديم الشيء وإبرازه لجهة، وإعراضه انصراف عنه أو ترك الاشتغال به. ومن فروعه متاع الدنيا المطلوب، وسعة الامتداد في ﴿جَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ﴾ (سورة آل عِمران ١٣٣) و﴿فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ﴾ (سورة فُصِّلَت ٥١). ومنه ما يُجعل معترضًا به في ﴿وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٢٤)، والتعريض بالخطبة في ﴿فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٣٥). لا يلزم هذه الفروع بُعد جانبي مكاني. يدل العرض على تقديم الشيء لجهة وإبرازه لها، ويدل الإعراض على الانصراف عن الشيء أو ترك الاشتغال به. وتتصل بهما أسماء المتاع والسعة والعُرضة والتعريض والعارض، دون أن تثبت حركة جانبية مكانية في كل استعمال. تظهر الفروع الكبرى في أربع دوائر، وتضبط الألفاظ الأخرى… عرض: تقديم الشيء وإبرازه لجهة، وإعراضه انصراف عنه أو ترك الاشتغال به. ومن فروعه متاع الدنيا المطلوب، وسعة الامتداد في ﴿جَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ﴾ (سورة آل عِمران ١٣٣) و﴿فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ﴾ (سورة فُصِّلَت ٥١). ومنه ما يُجعل معترضًا به في ﴿وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٢٤)، والتعريض بالخطبة في ﴿فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٣٥). لا يلزم هذه الفروع بُعد جانبي مكاني. يدل العرض على تقديم الشيء لجهة وإبرازه لها، ويدل الإعراض على الانصراف عن الشيء أو ترك الاشتغال به. وتتصل بهما أسماء المتاع والسعة والعُرضة والتعريض والعارض، دون أن تثبت حركة جانبية مكانية في كل استعمال. تظهر الفروع الكبرى في أربع دوائر، وتضبط الألفاظ الأخرى حدودها: الدائرة الأولى — الإعراض والانصراف: ﴿وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ﴾ (سورة الإسرَاء ٨٣). اقترن الإعراض هنا بالنأي بالجانب، لكنه لا يطابقه في كل موضع. ففي ﴿عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ﴾ (سورة التَّحرِيم ٣) تركٌ لذكر بعض الحديث. ويأتي الأمر ﴿فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ﴾ (سورة النَّجم ٢٩)، ويقابله وصف المعرضين عن الآيات في ﴿إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ﴾ (سورة الأنعَام ٤). والانصراف ليس مذمومًا بذاته؛ ففي ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ﴾ (سورة المؤمنُون ٣) إعراض عن اللغو. الدائرة الثانية — العرض والإظهار والتقديم: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ (سورة الأحزَاب ٧٢) تقديم للأمانة، ويتلوه الإباء عن حملها وحمل الإنسان لها. و﴿يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ﴾ (سورة هُود ١٨) عرض للناس على ربهم. وفي ﴿وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا﴾ (سورة الكَهف ١٠٠) إبراز لجهنم للكافرين، دون اشتراط بُعد جانبي. الدائرة الثالثة — عَرَض الدنيا: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا﴾ (سورة الأنفَال ٦٧)، و﴿عَرَضٗا قَرِيبٗا﴾ (سورة التوبَة ٤٢)، و﴿عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ﴾ (سورة النور ٣٣). ويرد ﴿عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ (سورة النِّسَاء ٩٤) في النهي عن نفي إيمان من ألقى السلام. وهو متاع يُطلب أو يؤخذ؛ وتبيّن مقابلته بالآخرة في سورة الأنفَال ٦٧ وجه تفضيل العاجل، دون أن يكون ظهوره جانبيًا جزءًا من معناه. الدائرة الرابعة — العَرْض والعريض: ﴿جَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ﴾ (سورة آل عِمران ١٣٣) وصف لسعة الجنة، و﴿فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ﴾ (سورة فُصِّلَت ٥١) وصف لاتساع الدعاء وكثرته. يجتمعان في السعة، ولا يلزم للدعاء بُعد مكاني. تربط هذه الاستعمالات علاقة الشيء بالجهة التي يُقدَّم لها أو يُنصرف عنها، مع فروع للمتاع والامتداد. وتظهر صورة الانصراف الحسي في ﴿أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ﴾ (سورة الإسرَاء ٨٣)، ولا تُجعل شرطًا لكل إعراض. والعُرضة ما يُجعل معترضًا به، في النهي ﴿وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٢٤)، فلا تُجعل الأيمان مانعًا من البر والتقوى والإصلاح. والتعريض قول في أمر الخطبة يميّزه السياق من إكنانه في النفس: ﴿فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٣٥). ويقيّده القول المعروف وعدم عزم عقدة النكاح قبل الأجل. والعارض ما رأوه مستقبل أوديتهم وظنّوه ممطرًا: ﴿هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ﴾ (سورة الأحقَاف ٢٤). ثم بيّن السياق أنه ريح فيها عذاب، فظهور الشيء لا يضمن صحة الحكم على حقيقته.
التحليل الكامل لجذر عرض ←التحليل التقابُليّ العميق
جامِع التقابُل وحَدّاه
العلاقة بين ذعن وعرض هنا مقابلة سياقية لا تضاد مطلقًا؛ لأن عرض في الشواهد أوسع من الإعراض، فهو قد يدل على الإبراز والتقديم والامتداد والمتاع، ولا يقابل ذعن في هذه الدوائر كلها. موضع التقابل المحدد هو فرع الإعراض في عرض، في مواجهة الإتيان المذعن في ذعن. فالإعراض في الآية حركة جانب عن حكم دعي إليه الفريق، أما الإذعان فحركة إتيان إلى الحكم نفسه حين يكون الحق لهم. لذلك يجتمع الحد في اتجاه الموقف من الحكم: أيدبر الفريق عن جهة الحكم عند الدعوة إليه، أم يأتي إليها منقادًا حين يكون الحق له؟ هذا الحد تمنعه الشواهد من أن يصير ثناءً على الإذعان بإطلاق؛ لأن صيغة ذعن الوحيدة مربوطة بشرط المصلحة: كون الحق لهم. كما تمنعه من جعل حيف ضدًا؛ فالحيف احتمال في سؤال لاحق، لا حركة إقبال أو إدبار.
حَدّ جذر ذعن في مواجهة عرض
ذعن في هذا الزوج لا يثبت خضوعًا عامًا ولا طاعة صادقة مطلقة، بل يثبت صورة عملية مخصوصة: مجيء إلى جهة الحكم في هيئة انقياد حين يكون الحق للآتين. حدّه يظهر في قوله ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ﴾ (سورة النور ٤٩)، فالفعل المركزي ليس شعورًا باطنيًا، بل إتيان إلى الحكم. وهو في مواجهة عرض ينفي حركة الجانب والابتعاد عن مجلس الحكم؛ لا ينفي كل معاني عرض الأخرى كالعرض والإظهار والسعة. لذلك لا يحمل ذعن هنا معنى الرضا المطلق بالحكم، بل معنى الانقياد الظاهر الذي كشفه شرط موافقة الحق لهم.
حَدّ جذر عرض في مواجهة ذعن
عرض في مواجهة ذعن لا يؤخذ بكل دوائره، بل بفرع الإعراض وحده: الانصراف الجانبي عن مواجهة الحكم عند الدعوة إليه. حدّه هنا أنه لا يصف مجيئًا منقادًا، ولا قبولًا عمليًا بمقام التحاكم، بل يصف فريقًا يجعل الدعوة إلى الله ورسوله للحكم سببًا للانكفاء: ﴿وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ (سورة النور ٤٨). وهو لا يقابل ذعن من جهة الإظهار أو الامتداد أو عرض الدنيا، وإنما من جهة حركة الموقف: جانب وانصراف بدل إتيان وانقياد.
قراءة مواضع التلاقي
لا تجمع الشواهد الجذرين في آية واحدة، لكنها تجمعهما في آيتين متجاورتين ببنية كاشفة: دعوة إلى الحكم، ثم انكشاف الفريق بحسب كون الحق لهم. في الآية الأولى تأتي الدعوة إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، فتظهر صيغة المفاجأة في انقسام فريق منهم إلى الإعراض: ﴿وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ (سورة النور ٤٨). وفي الآية التالية لا يتبدل مقام الحكم، بل يتبدل موقع المصلحة؛ فإذا كان الحق لهم جاءوا إلى الحكم نفسه: ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ﴾ (سورة النور ٤٩). لذلك فالجمع المتجاور ليس عرض حالتين منفصلتين، بل كشف معيار الحركة: الإعراض عند الدعوة إلى الحكم، والإتيان المذعن حين يكون الحق لهم. البنية المتكررة في المقطع شرط ومآل عملي: إذا دعي الفريق إلى الحكم أعرض، وإذا صار الحق لهم أتى مذعنًا.
موقع هذا التقابُل في حقله الدلاليّ
يميز هذا التقابل أنه لا يدور على الطاعة والعصيان عامة، ولا على الرغبة والإدبار كلها، بل على حركة مخصوصة أمام الحكم. ذعن من حقل الأمر والطاعة والعصيان، لكنه هنا ليس طاعة مطلقة؛ وعرض له حقول متعددة، لكن الفرع الداخل في المقابلة هو الإعراض فقط. لذلك لا يصح سحب التقابل إلى عرض بمعنى الإظهار أو السعة أو المتاع، ولا إلى ذعن بمعنى تسليم باطني عام. قوته في ضيق موضعه: حكم، دعوة، إعراض، ثم إتيان مذعن عند ظهور الحق لهم.
امتحان الاستبدال
لو وُضع ذعن موضع عرض في سورة النور ٤٨ لانكسر وصف المشهد؛ فالآية تقول إنهم عند الدعوة إلى الحكم يكون منهم فريق معرض، أي إن الحركة حركة انصراف عن الجهة المدعو إليها، لا إتيان إليها. ولو قيل في معنى الآية إنهم مذعنون عند الدعوة لضاع التوتر الذي تكشفه الآية التالية. وبالعكس، لو وُضع عرض موضع ذعن في قوله ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ﴾ (سورة النور ٤٩) لانقلبت الحركة؛ لأن النص يثبت إتيانًا إلى الحكم، والإعراض يثبت انصرافًا عنه. الذي ينكسر إذن هو اتجاه الفعل نفسه: إلى الحكم أو عنه.
الخلاصة الميسَّرة
المشهد يقول إن فريقًا يعرض عن الحكم عند الدعوة إليه، لكنه يأتي منقادًا إذا كان الحق له. فذعن هنا مجيء منقاد مشروط بالمصلحة، وعرض هنا انصراف عن الحكم لا كل معاني الجذر.
لطائف هذا التقابُل
- القرب بين الآيتين يجعل المقابلة في حركة الموقف: إعراض ثم إتيان مذعن.
- «حيف» ليس ضدًا؛ لأنه احتمال مذكور في سؤال لاحق لا حركة مقابلة للجذر.
- لا يتبدّل مقام الحكم بين الآيتين، وإنّما يتبدّل موقع المصلحة؛ فالتجاور يكشف أنّ الإعراض والإتيان المذعن حركتان لموقفٍ واحد.
- المقابلة مخصوصةٌ بوجه الإعراض عن الحكم، ولا تُسحَب إلى العرض بمعنى الإبراز أو إلى عَرَض الدنيا.
أسئلة شائعة
ما العلاقة بين جذر ذعن وجذر عرض في القرءان؟
العلاقة بينهما: مُقابِل سياقيّ (في آيات مُتَجاوِرَة). يقع ضدّ «عرض» الصريح ومقابلُه السياقيّ في وجه الإعراض لا في دوائره كلّها. فضدّه الصريح الاتّباع، وقد اجتمعا في أربع آيات، ثلاثٌ منها في وجه الإعراض، أوضحها ﴿ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ (سورة الأنعَام ١٠٦): وصلٌ بجهةٍ متبوعة وقطعٌ لجهةٍ مصروفٍ عنها. ويقابله مقابلةً سياقيّة الإتيانُ المذعن في آيتين متجاورتين: ﴿إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ (سورة النور ٤٨) ثمّ… العلاقة بينهما: مُقابِل سياقيّ (في آيات مُتَجاوِرَة). يقع ضدّ «عرض» الصريح ومقابلُه السياقيّ في وجه الإعراض لا في دوائره كلّها. فضدّه الصريح الاتّباع، وقد اجتمعا في أربع آيات، ثلاثٌ منها في وجه الإعراض، أوضحها ﴿ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ (سورة الأنعَام ١٠٦): وصلٌ بجهةٍ متبوعة وقطعٌ لجهةٍ مصروفٍ عنها. ويقابله مقابلةً سياقيّة الإتيانُ المذعن في آيتين متجاورتين: ﴿إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ (سورة النور ٤٨) ثمّ ﴿يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ﴾ (سورة النور ٤٩). أمّا ﴿أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ﴾ (سورة الإسرَاء ٨٣) فتكاملٌ يرسم هيئة التنحّي لا تقابل. ولا يدخل في هذا الحكم العرض بمعنى الإبراز والتقديم، ولا السعة، ولا عَرَض الدنيا؛ ففي ﴿لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا﴾ (سورة التوبَة ٤٢) يجتمع الجذر بالاتّباع لفظًا والعَرَض فيه متاع. وفي وجه الإبراز يقترن العرض بانتفاء الخفاء في ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ﴾ (سورة الحَاقة ١٨)، مقابلةً مشهديّة لا تُعمَّم على الجذر.
ما مفهوم جذر ذعن في القرءان؟
ذعن: الإذعان في موضعه القرءاني مجيء منقاد إلى الحكم حين يكون الحق للآتي، فهو انقياد ظاهر مشروط بمصلحة صاحبه.
ما مفهوم جذر عرض في القرءان؟
عرض: تقديم الشيء وإبرازه لجهة، وإعراضه انصراف عنه أو ترك الاشتغال به. ومن فروعه متاع الدنيا المطلوب، وسعة الامتداد في ﴿جَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ﴾ (سورة آل عِمران ١٣٣) و﴿فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ﴾ (سورة فُصِّلَت ٥١). ومنه ما يُجعل معترضًا به في ﴿وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٢٤)، والتعريض بالخطبة في ﴿فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٣٥). لا يلزم هذه الفروع بُعد جانبي مكاني.
ما خلاصة الفرق بين ذعن وعرض؟
المشهد يقول إن فريقًا يعرض عن الحكم عند الدعوة إليه، لكنه يأتي منقادًا إذا كان الحق له. فذعن هنا مجيء منقاد مشروط بالمصلحة، وعرض هنا انصراف عن الحكم لا كل معاني الجذر.