ضِدّان صَريحان · قَولات
الفَرق بين جذر ثبي وجذر جمع في القرءان
خلاصة مباشرة
المقابل الذي يبنيه النصّ نفسه جمع: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)؛ الجماعات المتفرّقة في طرف، والجماعة الواحدة في الطرف الآخر، بأمرين متوازيين. والعلاقة تضادٌّ صريح، وقربه الآية نفسها. ويؤيّد التقابلَ أنّ لفظ الجماعة نفسه يقابَل بالتفرّق في مواضع أخرى، منها: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ (سورة آل عِمران ١٠٣)، و﴿أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ﴾ (سورة النور ٦١)، و﴿تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ﴾ (سورة الحَشر ١٤). وليس نفر مقابلًا له، لأنّه الفعل الذي يُوصف بالهيئتين معًا.
الشاهد المركزيّ
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ﴾
مدلول الآية
الآية نداء للجماعة المؤمنة يأمرها بأمرين متلازمَين لا بأمر واحد: الأول أخذ الحذر، وهو استعداد عملي يسبق الحركة ويوجّهها، والثاني النفير الذي يأتي على وجهين يُخيَّر بينهما — ثبات أو جميعًا. الأداة «فَ» تصنع التلازم: لا نفير بلا حذر، والحذر المأمور به ليس خوفًا داخليًا بل عدة خارجية. وجها النفير ليسا حرية مطلقة بل تقديرًا للموقف: إن اقتضى الموقف تعبئة جزئية متفرقة انفروا ثبات، وإن اقتضى حشدًا كاملًا انفروا جميعًا.… التحليل الكامل ←
التضادّ كما يرسمه القرءان
المقابل الذي يبنيه النصّ نفسه جمع: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)؛ الجماعات المتفرّقة في طرف، والجماعة الواحدة في الطرف الآخر، بأمرين متوازيين. والعلاقة تضادٌّ صريح، وقربه الآية نفسها. ويؤيّد التقابلَ أنّ لفظ الجماعة نفسه يقابَل بالتفرّق في مواضع أخرى، منها: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ (سورة آل عِمران ١٠٣)، و﴿أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ﴾ (سورة النور ٦١)، و﴿تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ﴾ (سورة الحَشر ١٤). وليس نفر مقابلًا له، لأنّه الفعل الذي يُوصف بالهيئتين معًا.
المقابل البنيوي الأقوى لجمع هو فرق؛ لأن جمع يضم المتفرق إلى وحدة موضعية أو معنوية، وفرق يفصل ما اجتمع أو يمنع بقاء الوحدة. يظهر ذلك صريحا في آل عمران: اعتصام الجميع يقابله النهي عن التفرق، ومعه تأليف القلوب بعد العداوة. ويظهر في الأنفال حيث يلتقي الجمعان في يوم الفرقان، وفي الشورى حيث يوم الجمع ينتهي إلى فريقين. لذلك فالعلاقة ضدّ صريح الآية نفسها من جهة الميكانيك، مع شواهد دلالية متعددة. أما حشر فهو قريب من الجمع لكنه ليس ضده بل صورة من صوره.
مفهوم كلّ جذر على حدة
جذر ثبي
1 موضعًا في القرءان · الحقل: الانتشار والتفرق | الأمم والشعوب والجماعات
ثبي: هيئةٌ للنافرين جمعًا متعدّدًا يقابل النفيرَ ﴿جَمِيعٗا﴾؛ نفيرٌ في جماعاتٍ متفرّقة لا في جماعةٍ واحدة، ورد في موضعه الوحيد تخييرًا للمؤمنين بعد الأمر بأخذ الحذر، ولا يعيّن النصّ عددها ولا حجمها. يرد الجذر في القرءان مرّةً واحدة، بصيغة ﴿ثُبَاتٍ﴾، في أمرٍ للمؤمنين بالنفير: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١). فالآية تأمر بأخذ الحذر، ثمّ تخيّر في هيئة النفير بين وجهين معطوفين بـ﴿أَوِ﴾، ويُعاد الفعل ﴿ٱنفِرُواْ﴾ مع كلٍّ منهما، فيصير كلّ وجهٍ أمرًا تامًّا: ﴿ثُبَاتٍ﴾ و﴿جَمِيعٗا﴾. فالذي يعيّنه النصّ أنّ ﴿ثُبَاتٍ﴾ هيئةٌ للنافرين مقابلةٌ لـ﴿جَمِيعٗا﴾: جمعٌ متعدّد يقابل الكلّ المجتمع، أي نفيرٌ في جماعاتٍ متفرّقة لا في… ثبي: هيئةٌ للنافرين جمعًا متعدّدًا يقابل النفيرَ ﴿جَمِيعٗا﴾؛ نفيرٌ في جماعاتٍ متفرّقة لا في جماعةٍ واحدة، ورد في موضعه الوحيد تخييرًا للمؤمنين بعد الأمر بأخذ الحذر، ولا يعيّن النصّ عددها ولا حجمها. يرد الجذر في القرءان مرّةً واحدة، بصيغة ﴿ثُبَاتٍ﴾، في أمرٍ للمؤمنين بالنفير: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١). فالآية تأمر بأخذ الحذر، ثمّ تخيّر في هيئة النفير بين وجهين معطوفين بـ﴿أَوِ﴾، ويُعاد الفعل ﴿ٱنفِرُواْ﴾ مع كلٍّ منهما، فيصير كلّ وجهٍ أمرًا تامًّا: ﴿ثُبَاتٍ﴾ و﴿جَمِيعٗا﴾. فالذي يعيّنه النصّ أنّ ﴿ثُبَاتٍ﴾ هيئةٌ للنافرين مقابلةٌ لـ﴿جَمِيعٗا﴾: جمعٌ متعدّد يقابل الكلّ المجتمع، أي نفيرٌ في جماعاتٍ متفرّقة لا في جماعةٍ واحدة. ولا يذكر الموضع عدد هذه الجماعات ولا حجمها، والمفرد لم يرد في القرءان، فلا يُزاد على ما تثبته المقابلة. ويشهد لكونه جمعًا ما في ضبط آخره: جاء ﴿ثُبَاتٍ﴾ بتنوين الكسر، وجاء المعطوف عليه في الموقع نفسه ﴿جَمِيعٗا﴾ بتنوين الفتح؛ وتلك حال الجموع المختومة بألفٍ وتاء في المصحف، كـ﴿أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖ﴾ (سورة البَقَرَة ١٨٤)، أمّا ما كانت تاؤه حرفًا من حروف جذره فيأتي في هذا الموقع بتنوين الفتح، كـ﴿نَبَاتٗا﴾ (سورة نُوح ١٧) على بناءٍ يشبهه. فالألف والتاء في ﴿ثُبَاتٍ﴾ زيادةٌ للجمع، لا تاءُ جذر ثبت. ويتّضح وجه اللفظ بنظائره في هيئات النفير: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ (سورة التوبَة ٤١)، و﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ﴾ (سورة التوبَة ١٢٢)؛ فالنفير في القرءان يُوصف بهيئة النافرين: خفافًا وثقالًا، وكافّةً وطوائف، وثُباتٍ وجميعًا. والموضع الواحد لا يأذن بتحميل اللفظ أوصافًا زائدة على ما تثبته هذه المقابلة.
التحليل الكامل لجذر ثبي ←جذر جمع
129 موضعًا في القرءان · الحقل: الخلط والاجتماع | السَعَة والاستيعاب | يوم القيامة وأسمائها
«جمع» في القرءان: ضَمُّ المُتَفَرِّق المُتَكاثر إلى وَحدةٍ موضعيّة أو معنويّة بسببٍ جامع؛ وغالب مواضعه يفضي إلى كشف أو حساب أو فصل، وقد ينتهي إلى حفظ وقراءة ﴿إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ﴾، أو اكتناز وعدّ ﴿ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ﴾، أو اجتماع عبادة دوريّ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ﴾. الجَذر «جمع» في القرءان ضَمٌّ للمُتَفَرِّق المُتَكاثر في وَحدةٍ يَحكُمها سَبَبٌ جامِع، لا مُجرَّد تَجاوُر عَدَديّ. يَظهر ذلك في جَمع الأجساد لليوم الموعود ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ﴾، وفي جمع الأمر تحت سلطان واحد ﴿بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ﴾، وفي الاستيعاب الذي لا يترك مستثنًى ﴿فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ﴾.… «جمع» في القرءان: ضَمُّ المُتَفَرِّق المُتَكاثر إلى وَحدةٍ موضعيّة أو معنويّة بسببٍ جامع؛ وغالب مواضعه يفضي إلى كشف أو حساب أو فصل، وقد ينتهي إلى حفظ وقراءة ﴿إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ﴾، أو اكتناز وعدّ ﴿ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ﴾، أو اجتماع عبادة دوريّ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ﴾. الجَذر «جمع» في القرءان ضَمٌّ للمُتَفَرِّق المُتَكاثر في وَحدةٍ يَحكُمها سَبَبٌ جامِع، لا مُجرَّد تَجاوُر عَدَديّ. يَظهر ذلك في جَمع الأجساد لليوم الموعود ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ﴾، وفي جمع الأمر تحت سلطان واحد ﴿بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ﴾، وفي الاستيعاب الذي لا يترك مستثنًى ﴿فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ﴾. وسَبَب الجمع قد يكون إلهيًّا ﴿لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾، أو تدبيريًّا ﴿فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ﴾، أو موضعيًّا ﴿يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ﴾. وأكثر تجلّياته حسمًا «يوم الجمع»؛ لأن الجمع فيه يُظهر المصير ثم ينتهي إلى تمييز الفريقين ﴿فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ﴾. غير أنّ هذا الانتهاء ليس لازمًا في كل موضع؛ فالجمع قد يكون حفظًا وقراءة ﴿إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ﴾، وقد يكون اكتنازًا وعدًّا ﴿ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ﴾، وقد يكون نداء عبادة في يوم معلوم ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ﴾.
التحليل الكامل لجذر جمع ←التحليل التقابُليّ العميق
جامِع التقابُل وحَدّاه
يقوم التقابل على الموضع الوحيد لجذر ثبي: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١). هيئتان للنفير نفسه يُخيَّر بينهما المؤمنون بـ﴿أَوِ﴾، ويُعاد الفعل مع كلٍّ منهما فيصير كلّ وجهٍ أمرًا تامًّا. في الطرف الأوّل جماعاتٌ متعدّدة تنفر كلٌّ منها على حدة، وفي الطرف الثاني الجماعة كلّها نافرةٌ معًا. فالجامع هيئة الخروج، والحدّ الفاصل عدد الكتل التي ينقسم إليها النافرون: كثرةٌ في الأوّل ووحدةٌ في الثاني. ولا يمتدّ التقابل إلى جذر جمع كلّه؛ فكثيرٌ من مواضع ﴿جَمِيعٗا﴾ استيعابٌ للكلّ لا يقابله تفرّق، كـ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ﴾ (سورة الزُّمَر ٥٣)، وإنّما يقع على وجهه الدالّ على اجتماع جماعةٍ في فعلٍ واحد. ولا يعيّن النصّ عدد الثُّبات ولا حجمها، فلا يُزاد على هذه المقابلة.
حَدّ جذر ثبي في مواجهة جمع
حدّ الثُّبات في مواجهة الجمع أنّه جمعٌ لم يرد مفرده في القرءان، ولا يُعرف معناه إلّا بمقابلته لـ﴿جَمِيعٗا﴾: هيئةٌ تنقسم فيها الجماعة الواحدة جماعاتٍ تنفر كلٌّ منها على حدة. وهو في موضعه وجهٌ مأذونٌ فيه لا مذموم، معطوفٌ على الاجتماع تخييرًا لا نهيًا، ومسبوقٌ بالأمر ﴿خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ﴾؛ فالتفرّق هنا تدبيرُ هيئةٍ داخل أمرٍ واحد، لا افتراقُ قلوب. ويليه ذكرُ من يتخلّف عن الهيئتين كلتيهما ﴿وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ (سورة النِّسَاء ٧٢)، فالمذموم في السياق التباطؤ عن النفير، لا هيئة التفرّق فيه.
حَدّ جذر جمع في مواجهة ثبي
وحدّ الجمع في مواجهة الثُّبات أنّه جذرٌ واسع: ضمٌّ للمتفرّق في وحدةٍ بسببٍ جامع، يأتي جمعًا للناس ليوم الحساب، وجمعًا للمال، واستيعابًا للكلّ. ولا يلتقي بالثُّبات إلّا في ﴿جَمِيعٗا﴾ هيئةً للنافرين، وهي هيئةٌ ترد لجماعةٍ تفعل فعلًا واحدًا معًا، كما في ﴿لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ﴾ (سورة الحَشر ١٤). وفي هذا الوجه يختلف حكم الاجتماع بحسب مقامه: يُؤمر به ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ (سورة آل عِمران ١٠٣)، ويُكشف ظاهره ﴿تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ﴾ (سورة الحَشر ١٤)، ويُخيَّر فيه مع الثُّبات في النفير. أمّا الاستيعاب ﴿بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ﴾ (سورة الرَّعد ٣١) فلا يقابله تفرّقٌ في النصّ.
قراءة مواضع التلاقي
موضع التلاقي الوحيد أمرٌ للمؤمنين: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١). فيه ثلاثة أوامر: ﴿خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ﴾، ثمّ ﴿فَٱنفِرُواْ﴾ مرّتين، لكلّ هيئةٍ أمرها. ولم يُكتفَ بعطف ﴿جَمِيعٗا﴾ على ﴿ثُبَاتٍ﴾، بل أُعيد الفعل ﴿ٱنفِرُواْ﴾، فكلّ هيئةٍ أمرٌ مستقلّ، والتخيير بـ﴿أَوِ﴾ يمنع الجمع بينهما في نفيرٍ واحد. ويأتي بناءٌ نظير في مقامٍ آخر: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ﴾ (سورة النور ٦١)، حيث يُقابَل الاجتماع بالتفرّق بـ«أو» في أكلٍ لا جناح فيه. فالبناء واحد: ﴿جَمِيعٗا﴾ في طرف، وجمعٌ دالّ على الكثرة المتفرّقة في طرف؛ والفرق في المقام وفي الترتيب: هناك رفعُ حرجٍ يبدأ بالاجتماع، وهنا أمرٌ بهيئة النفير يبدأ بالتفرّق بعد الأمر بالحذر.
موقع هذا التقابُل في حقله الدلاليّ
يتميّز هذا التقابل من تقابل الجمع والتفرّق في ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ (سورة آل عِمران ١٠٣) بأنّ التفرّق هناك منهيٌّ عنه، والثُّبات هنا وجهٌ مأذونٌ فيه. ويتميّز من تقابل الجمع والأشتات بأنّ الأشتات تأتي في أكلٍ لا حرج فيه وفي صدور الناس ﴿يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا﴾ (سورة الزَّلزَلة ٦)، أمّا الثُّبات فلم ترد إلّا هيئةً لنفيرٍ مأمورٍ به. فهو تقابلٌ في هيئة حركةٍ جماعيّة يختارها المأمورون، لا في حالٍ تقع عليهم أو في ائتلاف قلوبهم.
امتحان الاستبدال
لو قيل في سورة النِّسَاء ٧١ «فانفروا جميعًا» وحدها لسقط الوجه الأوّل من التخيير، وصار الاجتماع لازمًا، والنصّ جعله أحد وجهين. ولو قيل «فانفروا ثباتٍ وجميعًا» بالواو لاجتمعت الهيئتان في نفيرٍ واحد، وهما لا تجتمعان: الجماعة إمّا كتلٌ متعدّدة وإمّا كتلةٌ واحدة؛ ولذلك جاءت ﴿أَوِ﴾ وأُعيد الفعل. ويخالفه في البناء ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ (سورة التوبَة ٤١)، حيث عُطف الوصفان بالواو فلا تخيير بينهما. فلا يحلّ أحد الطرفين محلّ الآخر، ولا يُجمعان في نفيرٍ واحد.
الخلاصة الميسَّرة
الثُّبات أن تخرج الجماعة في جماعاتٍ متفرّقة، و«جميعًا» أن تخرج كلّها معًا. وقد خيّر القرءان المؤمنين بين الهيئتين بعد أن أمرهم بأخذ الحذر: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١). فالتقابل بينهما تقابل الكثرة المتفرّقة والوحدة المجتمعة، وكلتاهما مأمورٌ بها على التخيير.
لطائف هذا التضادّ
- أُعيد فعل ﴿ٱنفِرُواْ﴾ مع كلّ هيئة، فكان كلّ طرفٍ أمرًا تامًّا، والتخيير بـ﴿أَوِ﴾ يمنع اجتماع الهيئتين في نفيرٍ واحد.
- يتكرّر البناء نفسه في ﴿أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ﴾ (سورة النور ٦١)، والمقام هناك رفعُ حرجٍ في الأكل، وهنا أمرٌ بهيئة النفير بعد الأمر بأخذ الحذر.
- التفرّق هنا وجهٌ مأذونٌ فيه، بخلاف ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ (سورة آل عِمران ١٠٣)؛ فحكم مقابل الاجتماع يتبع مقامه لا لفظه.
أسئلة شائعة
ما العلاقة بين جذر ثبي وجذر جمع في القرءان؟
العلاقة بينهما: ضِدّ صَريح (في الآية نفسها). المقابل الذي يبنيه النصّ نفسه جمع: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)؛ الجماعات المتفرّقة في طرف، والجماعة الواحدة في الطرف الآخر، بأمرين متوازيين. والعلاقة تضادٌّ صريح، وقربه الآية نفسها. ويؤيّد التقابلَ أنّ لفظ الجماعة نفسه يقابَل بالتفرّق في مواضع أخرى، منها: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ (سورة آل عِمران ١٠٣)، و﴿أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ﴾ (سورة النور ٦١)، و… العلاقة بينهما: ضِدّ صَريح (في الآية نفسها). المقابل الذي يبنيه النصّ نفسه جمع: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)؛ الجماعات المتفرّقة في طرف، والجماعة الواحدة في الطرف الآخر، بأمرين متوازيين. والعلاقة تضادٌّ صريح، وقربه الآية نفسها. ويؤيّد التقابلَ أنّ لفظ الجماعة نفسه يقابَل بالتفرّق في مواضع أخرى، منها: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ (سورة آل عِمران ١٠٣)، و﴿أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ﴾ (سورة النور ٦١)، و﴿تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ﴾ (سورة الحَشر ١٤). وليس نفر مقابلًا له، لأنّه الفعل الذي يُوصف بالهيئتين معًا.
كم مرة يلتقي جذر ثبي وجذر جمع في آية واحدة؟
يلتقيان في 1 آية يجتمع فيها الجذران معًا. من ذلك قوله تعالى في النِّسَاء آية 71.
ما مفهوم جذر ثبي في القرءان؟
ثبي: هيئةٌ للنافرين جمعًا متعدّدًا يقابل النفيرَ ﴿جَمِيعٗا﴾؛ نفيرٌ في جماعاتٍ متفرّقة لا في جماعةٍ واحدة، ورد في موضعه الوحيد تخييرًا للمؤمنين بعد الأمر بأخذ الحذر، ولا يعيّن النصّ عددها ولا حجمها.
ما مفهوم جذر جمع في القرءان؟
«جمع» في القرءان: ضَمُّ المُتَفَرِّق المُتَكاثر إلى وَحدةٍ موضعيّة أو معنويّة بسببٍ جامع؛ وغالب مواضعه يفضي إلى كشف أو حساب أو فصل، وقد ينتهي إلى حفظ وقراءة ﴿إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ﴾، أو اكتناز وعدّ ﴿ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ﴾، أو اجتماع عبادة دوريّ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ﴾.
ما خلاصة الفرق بين ثبي وجمع؟
الثُّبات أن تخرج الجماعة في جماعاتٍ متفرّقة، و«جميعًا» أن تخرج كلّها معًا. وقد خيّر القرءان المؤمنين بين الهيئتين بعد أن أمرهم بأخذ الحذر: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١). فالتقابل بينهما تقابل الكثرة المتفرّقة والوحدة المجتمعة، وكلتاهما مأمورٌ بها على التخيير.