مُقابِلان سياقيًّا · قَولات
التقابُل بين جذر بءس وجذر نعم في القرءان
خلاصة مباشرة
تثبت مقابلة النعمة بالكفر في سورة إبراهِيم ٢٨، ومقابلة تلقيها بالشكر أو الجحود في سورة النَّحل ١١٢ و١١٤. وفي سورة الزُّمَر ٨ يذكر نسيان الإنسان بعد أن خوله الله نعمة، وجعله لله أندادًا، ثم يخاطب بكفره. فالمقابلة بين عطاء سابق ورد جاحد، ولا تشمل أسماء الأنعام أو جواب نعم. والمساس في هذا السياق يصف وقوع الضر، وليس هو ضد النعمة. والشكر استجابة مطلوبة تجاهها، لا ضد لها. أما النعماء فترد بعد الضراء في سورة هُود ١٠، والمدح بنعم يقابله الذم ببئس. لذلك لا تختزل جميع صيغ الجذر، ومنها النعيم، في زوج واحد من الأضداد.
الشاهد المركزيّ
﴿ أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ﴾
مدلول الآية
مدلول الآية أنّ جزاء الجماعة المشار إليها لا يقدَّم كتعويض عام، بل كمآل مركّب يطابق مسار السياق القريب: ستر الذنب من جهة ربّهم، ثم دار نعيم جارية مستقرة، ثم مدح ختاميّ للأجر من حيث هو ثمرة عمل. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ تربط الحكم بمن سبق وصفهم بالإنفاق وكظم الغيظ والعفو والاستغفار وترك الإصرار، و«جَزَآؤُهُم» يجعل العطاء مقابلةً محكومة لا خبرًا منفصلًا. تنكير ﴿مَّغۡفِرَةٞ﴾ و﴿جَنَّٰتٞ﴾ يفتح سعة العطاء، و﴿مِّن رَّبِّهِمۡ﴾ يردّ… التحليل الكامل ←
التقابُل كما يرسمه القرءان
تثبت مقابلة النعمة بالكفر في سورة إبراهِيم ٢٨، ومقابلة تلقيها بالشكر أو الجحود في سورة النَّحل ١١٢ و١١٤. وفي سورة الزُّمَر ٨ يذكر نسيان الإنسان بعد أن خوله الله نعمة، وجعله لله أندادًا، ثم يخاطب بكفره. فالمقابلة بين عطاء سابق ورد جاحد، ولا تشمل أسماء الأنعام أو جواب نعم. والمساس في هذا السياق يصف وقوع الضر، وليس هو ضد النعمة. والشكر استجابة مطلوبة تجاهها، لا ضد لها. أما النعماء فترد بعد الضراء في سورة هُود ١٠، والمدح بنعم يقابله الذم ببئس. لذلك لا تختزل جميع صيغ الجذر، ومنها النعيم، في زوج واحد من الأضداد.
تتوزع دلالات «بءس» بين الذمّ والقوة والشدة والضيق. يقابل نعمُ بئسَ في صيغة التقويم: نعم للمدح وبئس للذمّ، كما في ذمّ المولى في سورة الحج ١٣ ومدحه في سورة الحج ٧٨. وهذه مقابلة بين تركيبين، ولا تشترط اجتماعهما في آية واحدة. ويظهر حسن مقابلًا سياقيًا في الحسنى بإزاء سوء المآل وذمّ المهاد في سورة الرَّعد ١٨، والأجر الحسن بإزاء البأس المنذَر به في سورة الكَهف ٢. فالتقابل مضبوط بالصيغ والسياقات، ولا يثبت أن نعم ضدّ شامل لكل دلالات الجذر.
مفهوم كلّ جذر على حدة
جذر بءس
73 موضعًا في القرءان · الحقل: الذم واللعن والسب | الشر والسوء والخبث
«بءس» جذر تتوزع دلالاته بحسب الصيغة والسياق: بئس لإنشاء الذمّ، والبأس للقوة أو الشدة الواقعة، والبأساء للضيق، والبئيس لوصف العذاب، والبائس للفقير، والابتئاس للتأثر المحزن. لا يلزم أن ترجع هذه الوجوه إلى معنى واحد، ولا أن تكون القوة مذمومة. فالشوكة مملوكة في ﴿وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ﴾ (سورة النَّمل ٣٣)، وبأس الحديد مقرون بالمنافع في ﴿فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ (سورة الحدِيد ٢٥). أما ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ﴾ (سورة الأنبيَاء ١٢) فيصور الإحساس بالبأس ثم الركض في ذلك السياق، ولا يحدد جميع استعمالات الجذر. تتوزع استعمالات «بءس» بين إنشاء الذمّ، والبأس قوةً أو شدةً واقعةً، والبأساء ضيقًا، ووصف العذاب بالبئيس والفقير بالبائس، والنهي عن الابتئاس. هذه وجوه… «بءس» جذر تتوزع دلالاته بحسب الصيغة والسياق: بئس لإنشاء الذمّ، والبأس للقوة أو الشدة الواقعة، والبأساء للضيق، والبئيس لوصف العذاب، والبائس للفقير، والابتئاس للتأثر المحزن. لا يلزم أن ترجع هذه الوجوه إلى معنى واحد، ولا أن تكون القوة مذمومة. فالشوكة مملوكة في ﴿وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ﴾ (سورة النَّمل ٣٣)، وبأس الحديد مقرون بالمنافع في ﴿فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ (سورة الحدِيد ٢٥). أما ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ﴾ (سورة الأنبيَاء ١٢) فيصور الإحساس بالبأس ثم الركض في ذلك السياق، ولا يحدد جميع استعمالات الجذر. تتوزع استعمالات «بءس» بين إنشاء الذمّ، والبأس قوةً أو شدةً واقعةً، والبأساء ضيقًا، ووصف العذاب بالبئيس والفقير بالبائس، والنهي عن الابتئاس. هذه وجوه يميزها التركيب والسياق، ولا يثبت أن الذمّ وامتلاك القوة والفقر ترجع إلى معنى لازم واحد. يرد الجذر في ٧٣ موضعًا ضمن ٧٠ آية، وله ٣٠ صورة كتابية بحسب الضبط والوصل. وتتوزع صِيَغه إلى ٤٠ موضعًا للذمّ، و٢٥ لاسم البأس، و٤ للبأساء، وموضع للبئيس، وموضع للبائس، وموضعين للابتئاس. وتزيد المواضع على الآيات لتكرر الجذر مرتين في سورة البَقَرَة ١٧٧ وسورة النِّسَاء ٨٤ وسورة الحج ١٣. فرع الذمّ: بئس ولواحقها صيغة لإنشاء التقبيح، تقابل نعم في المدح. ومن مقترناتها ﴿بِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ في أحد عشر موضعًا، ومنها سورة البَقَرَة ١٢٦؛ و﴿بِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾ في خمسة مواضع، ومنها سورة آل عِمران ١٢. ويأتي ﴿بِئۡسَ مَثۡوَى﴾ في أربعة مواضع، منها سورة آل عِمران ١٥١. فرع البأس: يرد الاسم في خمسة وعشرين موضعًا. منها أربعة عشر موضعًا منسوبة إلى الله بالضمير أو الاسم أو جهة الإتيان، ومنها ﴿بَأۡسُنَا﴾ في سورة الأنعَام ٤٣، و﴿بَأۡسِ ٱللَّهِ﴾ في سورة غَافِر ٢٩. لا تنحصر هذه المواضع في إهلاك منقطع الرجوع؛ فسورة الأنعَام ٤٣ تلوم على ترك التضرّع عند مجيء البأس. وفي عشرة مواضع يتصل البأس بالناس والقتال، ومنها ﴿بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ﴾ في سورة النِّسَاء ٨٤، فهذا بأس الكافرين الذي يُرجى كفّه. ويَرِد ﴿بَأۡسٖ شَدِيدٖ﴾ في سورة الإسرَاء ٥، و﴿بَأۡسَكُمۡ﴾ في سورة النَّحل ٨١، و﴿بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ﴾ في سورة الحَشر ١٤. ويشمل ذلك الصبر حين البأس في سورة البَقَرَة ١٧٧، وإتيانه في سورة الأحزَاب ١٨، وإذاقة بعض الناس بأس بعض في سورة الأنعَام ٦٥. فرع البأساء: أربعة مواضع في سورة البَقَرَة ١٧٧ و٢١٤ وسورة الأنعَام ٤٢ وسورة الأعرَاف ٩٤. تقترن ﴿ٱلۡبَأۡسَآء﴾ بـ﴿ٱلضَّرَّآء﴾ في هذه المواضع؛ ويظهر الصبر في البقرة، والتضرّع في الأنعام والأعراف. لذلك لا تختص البأساء بابتلاء المكذبين للتحذير. فرعا الوصف: ﴿بَـِٔيسِۭ﴾ وصف للعذاب في سورة الأعرَاف ١٦٥، و﴿ٱلۡبَآئِسَ﴾ وصف لمن أُمر بإطعامه مع ذكر فقره في سورة الحج ٢٨. لكل صيغة موضع واحد، ولا تُجمعان مع النهي في عدد مبهم للصيغ النادرة. فرع الابتئاس: ﴿تَبۡتَئِسۡ﴾ في سورة هُود ٣٦ وسورة يُوسُف ٦٩ نهي عن التأثر المحزن بأفعال الآخرين. الخطاب في الأولى لنوح، وفي الثانية من يوسف لأخيه. لا يكون امتلاك الشوكة ذمًّا لصاحبها بمجرده: ﴿وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ﴾ في سورة النَّمل ٣٣ إخبار عن قدرة أصحابها. وللحديد موضع مستقل ضمن اسم البأس: ﴿فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ في سورة الحدِيد ٢٥. فاقتران البأس بالمنافع يمنع تعريفه بأنه مكروه لازمًا في جميع استعمالاته.
التحليل الكامل لجذر بءس ←جذر نعم
144 موضعًا في القرءان · الحقل: البر والإحسان | نَعيم الجَنَّة | الأنعام والحيوانات الأليفة
تتعدد دلالات «نعم» في القرءان بحسب الصيغة والسياق. النعمة خير يصل إلى متلقّيه أو يُذكر كذلك على لسانه، والإنعام إيصاله؛ ومنه الهداية والعطاء، وقد يقابله الإنسان بالشكر أو الكفر. الأنعام والنَّعَم أسماء حيوانات، والنعيم وصف للتنعم يرد في جزاء الجنة وفي السؤال عنه. وتتميز منه النعماء والنَّعمة وناعمة والتنعيم. وصيغة نِعْمَ للمدح، ونَعَمْ لإثبات الجواب. فلا يُحمل الجميع على اسم النعمة، ولا يتطابق فرعها مع الفضل أو الرحمة لمجرد تقارب السياق. تتوزع صيغ «نعم» في القرءان على استعمالات متميزة: النعمة والإنعام، والأنعام، والنعيم وما يتصل بالتنعم، والمدح، وجواب الإثبات. النعمة خير يصل إلى متلقيه أو يُذكر كذلك على لسانه. ولا يدل اشتراك الحروف على أن الأنعام أو المدح أو الجواب أسماء لهذا الخير. (أ)… تتعدد دلالات «نعم» في القرءان بحسب الصيغة والسياق. النعمة خير يصل إلى متلقّيه أو يُذكر كذلك على لسانه، والإنعام إيصاله؛ ومنه الهداية والعطاء، وقد يقابله الإنسان بالشكر أو الكفر. الأنعام والنَّعَم أسماء حيوانات، والنعيم وصف للتنعم يرد في جزاء الجنة وفي السؤال عنه. وتتميز منه النعماء والنَّعمة وناعمة والتنعيم. وصيغة نِعْمَ للمدح، ونَعَمْ لإثبات الجواب. فلا يُحمل الجميع على اسم النعمة، ولا يتطابق فرعها مع الفضل أو الرحمة لمجرد تقارب السياق. تتوزع صيغ «نعم» في القرءان على استعمالات متميزة: النعمة والإنعام، والأنعام، والنعيم وما يتصل بالتنعم، والمدح، وجواب الإثبات. النعمة خير يصل إلى متلقيه أو يُذكر كذلك على لسانه. ولا يدل اشتراك الحروف على أن الأنعام أو المدح أو الجواب أسماء لهذا الخير. (أ) النعمة والإنعام: ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾ (سورة الفَاتِحة ٧) يربط الإنعام بطريق المهتدين. و﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ﴾ (سورة إبراهِيم ٣٤) يذكر عطاء الله الذي لا يحيط به العدّ. وقد يُسند الإنعام إلى إنسان، كما في سورة الأحزَاب ٣٧، وتُحكى دعوى الانتفاع على لسان المتخلف في سورة النِّسَاء ٧٢. أما ﴿وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا﴾ (سورة المُزمل ١١)، و﴿وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ﴾ (سورة الدُّخان ٢٧)، فهما من النَّعمة بفتح النون، في سعة عيش المكذبين وزوالها. لا تثبت هذه السعة رضا الله عن أصحابها؛ وفي سورة الزُّمَر ٤٩ توصف النعمة بأنها فتنة. (ب) الأنعام والنَّعَم: أسماء لحيوانات ينتفع بها الإنسان، وليست جمعًا لاسم النعمة. ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ﴾ (سورة النَّحل ٥) يذكر الدفء والمنافع. ويفصل سياق سورة الأنعَام ١٤٢ إلى ١٤٤ الضأن والمعز والإبل والبقر. الانتفاع بها يصل هذا الفرع بالإنعام، ولا يجعل لين الجلد أو الظهر أصلًا لمعناه. (ج) النعيم وما يتصل بالتنعم: ﴿فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (سورة يُونس ٩، سورة الصَّافَات ٤٣، سورة الوَاقِعة ١٢) وصف لحياة أهل الجنة. ويأتي النعيم أيضًا متعلقًا بالسؤال في سورة التَّكاثُر ٨؛ فلا يُحصر مدلوله في جزاء الجنة. وتتميز منه صرفيًا النعماء في سورة هُود ١٠، والنَّعمة في سورة الدُّخان ٢٧ وسورة المُزمل ١١، وناعمة في سورة الغَاشِية ٨، والتنعيم في سورة الفَجر ١٥. (د) صيغة المدح: ﴿نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ (سورة الأنفَال ٤٠) ثناء على الله. و﴿نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ (ص ٣٠) في سياق هبة سليمان لداود، و﴿نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ﴾ (سورة العَنكبُوت ٥٨) ثناء على جزاء العاملين. هذه وظيفة تقويم وثناء، لا تسمية عطاء يصل إلى متلقٍّ. (هـ) جواب نعم: ورد في أربعة مواضع. ﴿قَالُواْ نَعَمۡ﴾ (سورة الأعرَاف ٤٤) إقرار أصحاب النار بصدق الوعد. و﴿قَالَ نَعَمۡ﴾ (سورة الأعرَاف ١١٤، سورة الشعراء ٤٢) جواب فرعون للسحرة بشأن الأجر والتقريب. و﴿قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ﴾ (سورة الصَّافَات ١٨) إثبات للبعث. تختلف أغراض السائلين؛ فالسحرة يرجون جواب فرعون ولا يدل السياق على خوفهم منه. يختص قاسم العطاء المتصل بمتلقّيه بفرع النعمة والإنعام؛ ولا يجمع الفروع كلها معنى التليين. ويظهر تركيب ﴿أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾ في سورة الفَاتِحة ٧ جهة الإنعام، بينما يجعل ﴿لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (سورة التَّكاثُر ٨) النعيم متعلقًا بالسؤال. هذان أول موضع للجذر وآخره في ترتيب المصحف، وليسا أول القرءان وآخره. وتتحدد صلة النعمة بالشكر أو الكفر من موقف الإنسان منها، لا من الحروف المشتركة وحدها.
التحليل الكامل لجذر نعم ←التحليل التقابُليّ العميق
جامِع التقابُل وحَدّاه
العلاقة بين بءس ونعم ليست تضادًّا كليًّا بين جذرين في كل فروعهما، بل مقابلة سياقية تقويمية. بءس يجمع شدة المكروه وصيغة الذم؛ فهو في جهة الحكم القاطع على سوء المآل، أو في جهة البأس الواقع حربًا وإهلاكًا وضيقًا. ونعم يجمع الإسباغ المليّن وصيغة المدح؛ فهو في جهة النعمة والنعيم والأنعام، وفي جهة الحكم على بلوغ الشيء وجه الجودة. لذلك يلتقيان عند بابين: باب التقويم، حيث تقابل ﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾ (سورة آل عِمران ١٢) صيغ المدح مثل ﴿وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ﴾ (سورة آل عِمران ١٣٦)، وباب الحال، حيث يقابل البأس بوصفه شدة مكروهة النعمة بوصفها إتمامًا وإسباغًا كما في النحل. ولا يصح جعل كل نعم ضد كل بءس؛ فالأنعام فرع انتفاع وتسخير، والبائس فرع فقر ومسكنة، وقد يجتمعان في سياق إطعام لا في تضاد مباشر.
حَدّ جذر بءس في مواجهة نعم
حد بءس في مواجهة نعم أنه يثبت جهة الشدة المكروهة أو الذم القاطع، لا جهة الإنعام والإمداد. فإذا جاء بصيغة ﴿بِئۡسَ﴾ حكم على المآل أو القرار أو الشراب بأنه مذموم في موضعه، كما في ﴿فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾ (سورة النَّحل ٢٩). وإذا جاء باسم البأس دل على قوة مؤذية أو وقاية من شدة، كما في ﴿وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ﴾ (سورة النَّحل ٨١). هذا الحد ينفي عن بءس معنى التليين والإسباغ؛ فهو لا يعطي سعة ولا يقرر جودة، بل يكشف موضع المكروه أو يذمه أو يقي منه.
حَدّ جذر نعم في مواجهة بءس
حد نعم في مواجهة بءس أنه يثبت جهة الإتمام والإحسان والمدح، لا جهة المكروه ولا الذم. في فرع النعمة يأتي الجذر إسباغًا على المخاطبين: ﴿كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ﴾ (سورة النَّحل ٨١)، وفي فرع المدح يحكم على العاقبة أو الأجر بأنه محمود: ﴿فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ﴾ (سورة الرَّعد ٢٤). ومن جهة الأنعام يظهر الانتفاع المباح في ﴿عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ﴾ (سورة الحج ٢٨). فهذا الجذر لا يكتفي بنفي البؤس، بل يقرر وجه نفع أو جودة أو نعيم، وقد يَرِد في سياق اختبار النعمة لا في سياق مدح مطلق.
قراءة مواضع التلاقي
مواضع التلاقي في الشواهد تكشف أن الجمع ليس دائمًا جمع صيغة مدح مع صيغة ذم، بل جمع بنية الحياة بين وقاية وانتفاع. في النحل تأتي النعمة بعد ذكر ما يخفف على الإنسان: ظل، أكنان، سرابيل تقي الحر، ثم سرابيل تقي البأس، فيختم النص: ﴿وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ﴾ (سورة النَّحل ٨١). البأس هنا شدة البشر بينهم، والنعمة إتمام الوقاية منها. وفي الحج يجتمع فرع الأنعام مع البائس الفقير داخل نسك الإطعام: ﴿عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ﴾ (سورة الحج ٢٨). الأنعام رزق ينتفع به، والبائس موضع حاجة يوجَّه إليه الطعام. أما الشواهد المتجاورة فتظهر التقويم الصريح: ﴿بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا﴾ (سورة الكَهف ٢٩) يقابله بعده ﴿نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا﴾ (سورة الكَهف ٣١)، فالبنية وصف مآلين لا مجرد تضاد لفظين.
موقع هذا التقابُل في حقله الدلاليّ
هذا التقابل يتميز عن تقابلات الشر والخير العامة بأنه محصور في موضعين من الحقلين: شدة المكروه وصيغة الذم من جهة بءس، والإسباغ وصيغة المدح من جهة نعم. حقل بءس يجاور الشر والسوء والخبث، لكنه أخص من السوء العام لأنه يحمل شدة أو حكم ذم. وحقل نعم يجاور البر والإحسان والنعيم والأنعام، لكنه لا يعني الخير المجرد فقط، بل إسباغًا أو مدحًا أو انتفاعًا. لذلك لا يكون المقابل هنا كفر النعمة، مع أنه مقابل قوي في شواهد نعم، بل نعم بوصفها صيغة المدح والبسط الذي يظهر بإزاء بئس والبأس.
امتحان الاستبدال
في شاهد النحل ينكسر المعنى لو وُضع نعم مكان بءس في موضع الوقاية: ﴿وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ﴾ (سورة النَّحل ٨١). السرابيل لا تقي النعمة، بل تقي شدة واقعة أو متوقعة بين الناس؛ لذلك يحتاج الموضع إلى بءس لا إلى نعم. وفي الجملة نفسها لا يصلح أن يقال يتم بأسه عليكم بدل ﴿يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ﴾، لأن الإتمام هنا لجهة الإحسان والوقاية، لا لجهة المكروه. وكذلك في الكهف لا يستقيم أن تُستبدل صيغة الذم في ﴿بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ﴾ بصيغة المدح، لأن السياق ماء كالمهل يشوي الوجوه؛ ولو قيل نعم لانقلب الحكم على المكروه إلى ثناء يناقض صورة العذاب.
الخلاصة الميسَّرة
بءس يضع القارئ أمام شدة مكروهة أو حكم ذم، ونعم يضعه أمام نعمة أو نفع أو حكم مدح. يلتقيان حين يبيّن النص ما يُتقى من البأس وما تتم به النعمة، أو حين يقابل مآل مذمومًا بمآل محمود.
مواضع التلاقي في آية واحدة (2)
﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ﴾
مدلول الآية
الله يجعل من خلقه ومن الجبال والسرابيل منظومة وقاية: ظلالًا وأكنانًا ولباسًا يقي الحر والبأس، وبذلك يتم نعمته على المخاطبين لعلهم يسلمون. التحليل الكامل ←
﴿ لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ﴾
مدلول الآية
الآية تبين بعض غايات المجيء للحج: حضور منافع تعود إلى الناس، وذكر اسم الله في أيام معلومة على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ثم إباحة الأكل منها وإطعام المحتاج المنكسر والفقير. التحليل الكامل ←
لطائف هذا التقابُل
- العلاقة بين نعم وبئس بنية تقويميّة لا اجتماع آية، لذلك خُفضت إلى تقابل سياقيّ بنيويّ.
- نعم هنا ليس جذر النعمة فقط، بل صيغة المدح التي تقابل صيغة بئس في باب الحكم على المآل.
أسئلة شائعة
ما العلاقة بين جذر بءس وجذر نعم في القرءان؟
العلاقة بينهما: مُقابِل سياقيّ (في بِنيَة السورة). تثبت مقابلة النعمة بالكفر في سورة إبراهِيم ٢٨، ومقابلة تلقيها بالشكر أو الجحود في سورة النَّحل ١١٢ و١١٤. وفي سورة الزُّمَر ٨ يذكر نسيان الإنسان بعد أن خوله الله نعمة، وجعله لله أندادًا، ثم يخاطب بكفره. فالمقابلة بين عطاء سابق ورد جاحد، ولا تشمل أسماء الأنعام أو جواب نعم. والمساس في هذا السياق يصف وقوع الضر، وليس هو ضد النعمة. والشكر استجابة مطلوبة تجاهها، لا ضد لها. أما النعماء فترد بعد الضراء في سورة هُود ١٠، والمدح بنعم يقابله الذم ببئس. لذلك لا تختزل جميع صيغ الجذر،… العلاقة بينهما: مُقابِل سياقيّ (في بِنيَة السورة). تثبت مقابلة النعمة بالكفر في سورة إبراهِيم ٢٨، ومقابلة تلقيها بالشكر أو الجحود في سورة النَّحل ١١٢ و١١٤. وفي سورة الزُّمَر ٨ يذكر نسيان الإنسان بعد أن خوله الله نعمة، وجعله لله أندادًا، ثم يخاطب بكفره. فالمقابلة بين عطاء سابق ورد جاحد، ولا تشمل أسماء الأنعام أو جواب نعم. والمساس في هذا السياق يصف وقوع الضر، وليس هو ضد النعمة. والشكر استجابة مطلوبة تجاهها، لا ضد لها. أما النعماء فترد بعد الضراء في سورة هُود ١٠، والمدح بنعم يقابله الذم ببئس. لذلك لا تختزل جميع صيغ الجذر، ومنها النعيم، في زوج واحد من الأضداد.
كم مرة يلتقي جذر بءس وجذر نعم في آية واحدة؟
يلتقيان في 2 آية يجتمع فيها الجذران معًا. من ذلك قوله تعالى في النَّحل آية 81.
ما مفهوم جذر بءس في القرءان؟
«بءس» جذر تتوزع دلالاته بحسب الصيغة والسياق: بئس لإنشاء الذمّ، والبأس للقوة أو الشدة الواقعة، والبأساء للضيق، والبئيس لوصف العذاب، والبائس للفقير، والابتئاس للتأثر المحزن. لا يلزم أن ترجع هذه الوجوه إلى معنى واحد، ولا أن تكون القوة مذمومة. فالشوكة مملوكة في ﴿وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ﴾ (سورة النَّمل ٣٣)، وبأس الحديد مقرون بالمنافع في ﴿فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ (سورة الحدِيد ٢٥). أما ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ﴾ (سورة الأنبيَاء ١٢) فيصور الإحساس بالبأس ثم الركض… «بءس» جذر تتوزع دلالاته بحسب الصيغة والسياق: بئس لإنشاء الذمّ، والبأس للقوة أو الشدة الواقعة، والبأساء للضيق، والبئيس لوصف العذاب، والبائس للفقير، والابتئاس للتأثر المحزن. لا يلزم أن ترجع هذه الوجوه إلى معنى واحد، ولا أن تكون القوة مذمومة. فالشوكة مملوكة في ﴿وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ﴾ (سورة النَّمل ٣٣)، وبأس الحديد مقرون بالمنافع في ﴿فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ (سورة الحدِيد ٢٥). أما ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ﴾ (سورة الأنبيَاء ١٢) فيصور الإحساس بالبأس ثم الركض في ذلك السياق، ولا يحدد جميع استعمالات الجذر.
ما مفهوم جذر نعم في القرءان؟
تتعدد دلالات «نعم» في القرءان بحسب الصيغة والسياق. النعمة خير يصل إلى متلقّيه أو يُذكر كذلك على لسانه، والإنعام إيصاله؛ ومنه الهداية والعطاء، وقد يقابله الإنسان بالشكر أو الكفر. الأنعام والنَّعَم أسماء حيوانات، والنعيم وصف للتنعم يرد في جزاء الجنة وفي السؤال عنه. وتتميز منه النعماء والنَّعمة وناعمة والتنعيم. وصيغة نِعْمَ للمدح، ونَعَمْ لإثبات الجواب. فلا يُحمل الجميع على اسم النعمة، ولا يتطابق فرعها مع الفضل أو الرحمة لمجرد تقارب السياق.
ما خلاصة الفرق بين بءس ونعم؟
بءس يضع القارئ أمام شدة مكروهة أو حكم ذم، ونعم يضعه أمام نعمة أو نفع أو حكم مدح. يلتقيان حين يبيّن النص ما يُتقى من البأس وما تتم به النعمة، أو حين يقابل مآل مذمومًا بمآل محمود.