العفة
13 آية موثَّقة · 6 آياتٍ محوريّة · 7 آياتٍ ذات صلة
موضوع «العفة» في القرءان الكريم — 13 آية موثَّقة، مربوطة بمنهج قَولات الداخليّ الصرف (القرءان نفسه فقط، بلا تفسير ولا موروث خارجيّ). الآيات مصنَّفة: محوريّة (الآية عن الموضوع تحديدًا) وذات صلة (صلة أعمّ).
قراءة في الموضوع
العفة: كفّ النفس عند قيام الداعي
يقع موضوع العفة في مسار المكتوبات ثم الصبر والصابرين، لكنه لا يقدّم كفًّا عائمًا عن كل شيء؛ بل يسأل: كيف تضبط النفس طلبها حين يحضر داعي النكاح أو المال أو الزينة؟ وتجمع آياته بين التحصّن، ومنع الإكراه، وحدود ما يجوز ابتغاؤه، فتجعل العفة فعلًا اختياريًّا يحفظ موضع الحاجة من أن يتحول إلى عدوان.
من طلبٍ منضبط إلى كفٍّ مختار
يحمل «عفف» معنى الكفّ الاختياري عند داعٍ ظاهر: فالغنيّ المولّى على المال مأمور بأن يكفّ عن الأخذ: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡ﴾ سورة النِّسَاء ٦، ويظهر التعفف في الفقراء حتى يحسبهم الجاهل أغنياء: ﴿يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾ سورة البَقَرَة ٢٧٣. وفي النكاح لا يلغى الداعي، بل يوجّه إلى انتظار الغنى.
أما «بغي» فهو طلب موجّه يحكم عليه مطلوبه وسياقه؛ لذلك يظهر في طلب المال مع الإحصان، وفي ابتغاء الكتاب، ويظهر في صورة الإكراه على البغاء لابتغاء عرض الحياة الدنيا، كما يرد منفيًّا في سورة مَريَم ٢٠ و٢٨. فلا يكفي ورود الطلب وحده لتحديد جهته، بل تتبين الجهة بما يقرن به من تحصّن أو سفاح أو عدوان.
حدود الطلب وصور التحصّن
في موضع النكاح، يقرن النص الطلب بالمال وبالإحصان، ويفصله عن المسافحة: ﴿أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ﴾ سورة النِّسَاء ٢٤. ثم يضع للذي لا يجد نكاحًا زمنًا فعليًّا للكفّ: ﴿وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ﴾ سورة النور ٣٣. فالعفة هنا ليست نفيًا للنكاح، بل حفظٌ للطلب حتى يقوم سبيله.
وتقابل الآية نفسها التحصّن بالإكراه على البغاء: ﴿وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا﴾ سورة النور ٣٣. وتورد في الموضع نفسه ابتغاء الكتاب: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ﴾ سورة النور ٣٣، وتجعل غاية الإكراه ﴿لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ سورة النور ٣٣. ويظهر البغي منفيًّا في ﴿قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا﴾ سورة مَريَم ٢٠، وفي ﴿يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا﴾ سورة مَريَم ٢٨؛ فتتكرر الصورة بوصفها حدًّا منفيًّا.
ولا تقف العفة عند حال العجز؛ ففي رخصة وضع الثياب يبقى الاستعفاف هو الخير: ﴿وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّ﴾ سورة النور ٦٠. ويأتي الحدّ الجامع مكررًا بالنص نفسه في موضعين: ﴿فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ﴾ سورة المؤمنُون ٧، ﴿فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ﴾ سورة المَعَارج ٣١. فالتكرار يثبت أن العفة تتصل بحدٍّ لما وراء المأذون، لا بمجرد امتناع منفصل.
كفّ الداعي غير كظم الغيظ
يفترق موضوع العفة عن كظم الغيظ؛ فالشاهد الشقيق يخصّ حالة الغيظ وما يتبعها من عفو: ﴿وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ سورة آل عِمران ١٣٤. أما العفة فتتحرك عند داعي المال أو النكاح أو الزينة، وتبني حدودًا للطلب والتحصّن. لذلك لا يستبدل أحدهما بالآخر: هذا يضبط انفعالًا متوجهًا إلى الناس، وتلك تضبط نفسًا عند موارد الحاجة.
توزّعٌ يكشف تعدد المواقف
تقوم المادة الموثقة للموضوع على عشر آيات: سبع محوريّة وثلاث ذات صلة. وتتقدم النساء ومريم والنور والبقرة بآيتين لكل منها، ويأتي المؤمنون بآية. هذا التوزع يكشف أن العفة لا تُحصر في مشهد واحد: فهي ظاهرة في المال، وفي الامتناع عن السؤال، وفي النكاح، وفي التحصّن، وفي الرخصة التي يبقى ما وراءها خيرًا.
العفة بين الحدود وحفظ الحقوق
تتسع القراءة بالاتصال بحدود الصيام: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَا﴾ سورة البَقَرَة ١٨٧، وبحفظ مال اليتيم، وبالتمييز في «بغي» بين طلب مؤذن به وطلب يتجاوز الحد. فالعفة خيط يجمع كفّ النفس بحفظ حق الغير وإبقاء الطلب داخل حدوده.
المواضع في القرءان
6 آياتٍ محوريّة
سورة النِّسَاء ٢٤
۞ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا
سورة مَريَم ٢٠
قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا
سورة مَريَم ٢٨
يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا
سورة المؤمنُون ٧
فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ
سورة النور ٣٣
وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
سورة المَعَارج ٣١
فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ
7 آياتٍ ذات صلة
سورة البَقَرَة ١٧٣
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ
سورة البَقَرَة ١٨٧
أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ
سورة الأنعَام ١٤٥
قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
سورة الأعرَاف ٣٣
قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ
سورة النَّحل ٩٠
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ
سورة النَّحل ١١٥
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
سورة الحدِيد ٢٧
ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ
موضوعات ذات صلة