ما الذي يدخل في رصيد الإنسان؟
يقع الاكتساب في ملتقى المال والتجارة والقانون، لكن آياته المحوريّة لا تحصره في تحصيل المال؛ إذ تجعل المكتسَب مادّةً للإنفاق، ونصيبًا يختصّ بصاحبه، ومالًا قد يزاحم الأَولى، ثم تضع المال وما كسب بجوار عدم الإغناء. فسؤال الموضوع: كيف يصير ما باشره الإنسان محسوبًا له، وما الذي لا يضمنه ذلك الحساب؟
بين تحصيل الشيء وما يستقرّ لصاحبه
في الجذر «كسب» يظهر المكتسَب بوصفه ما يدخل في رصيد صاحبه: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ﴾ سورة البَقَرَة ٢٦٧، ويظهر نصيبًا لكلّ من الرجال والنساء: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ﴾ سورة النِّسَاء ٣٢. فالفارق المعروض بين مباشرة الفعل وما يدخل في الرصيد يفسّر سعة الكسب للمال وغيره.
وأمّا «قرف» فيجمع تحصيل الشيء مع تلوّن المكتسَب: فالأموال تُقترف في سورة التوبَة ٢٤، والإثم يقترفه أصحابُه في ﴿وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ﴾ سورة الأنعَام ١١٣، والحسنة تقترن بالزيادة في ﴿وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ﴾ سورة الشُّوري ٢٣. فلا يحكم اللفظ على المكتسَب قبل أن يبيّن السياق ما هو.
الطيّب والنصيب والحدّ الذي لا يتجاوزه المال
أوّل المحاور يجعل الاكتساب مصدرَ اختبارٍ في الإنفاق: الآية لا تكتفي بطلب الإنفاق، بل تصل ما يُنفَق بطيّب ما كُسب، وتقابله بالنهي عن قصد الخبيث. وهنا يتعيّن أن يكون النظر في المال المكتسَب نظرًا في جهته عند خروجه أيضًا.
والمحور الثاني فرديّة الرصيد: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ﴾ سورة النِّسَاء ٣٢، ثم يأتي النصيب المكتسَب للرجال وللنساء. فبدل تحويل التفاضل إلى تمنٍّ، تردّ الآية النظر إلى نصيب يضاف إلى مكتسِبه وإلى سؤال الفضل.
ثم يُدخل «اقترف» المال في مشهد التجارة والسكن والقرابة، ويكشف موضع الخطر في تقديمها: ﴿وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ﴾ سورة التوبَة ٢٤. وتأتي الخاتمة الحادّة: ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ﴾ سورة المَسَد ٢؛ فحصول المال لا يساوي الإغناء.
وتتسع الدائرة إلى ما ليس مالًا: ﴿فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ﴾ سورة البَقَرَة ٧٩، و﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ﴾ سورة الأنعَام ١٢٠. ويظلّ الغد خارج علم النفس: ﴿وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ﴾ سورة لُقمَان ٣٤.
الاكتساب ليس مبادلةً ولا إجراءً تجاريًّا
تظهر الشراء في طرفي مبادلة محدّدة: ﴿ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ﴾ سورة البَقَرَة ١٦؛ أمّا الاكتساب فيتعلّق بما يستقرّ للمكتسِب، مالًا أو إثمًا أو حسنة، من غير أن يفترض طرفَي مبادلة. ويظهر البيع والربا في مقابلةٍ صريحة: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ﴾ سورة البَقَرَة ٢٧٥، بينما لا تقيم آيات الاكتساب هذا التقابل، بل تسأل عن الرصيد وآثاره. وتختصّ المداينة والعقود والرهن بإجراءاتٍ بين أطراف، كما في ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ﴾ سورة البَقَرَة ٢٨٢؛ أمّا موضوعنا فيتقدّم عليه أو يتلوه: ما الذي آل إلى الإنسان من ذلك كلّه؟
قلّة الآيات واتساع الامتداد
تضمّ المادّة 9 آيات موثّقة، منها 4 محوريّة و5 ذات صلة. وتتقدّم البَقَرَة بـ2 والأنعَام بـ2، ثم النِّسَاء والتوبَة والمَسَد بـ1. وهذا التوزيع يجمع في مساحة محدودة بين الإنفاق والنصيب والتجارة وعدم الإغناء، ثم تمدّ الآيات ذات الصلة المجال إلى الإثم والحسنة وغد النفس؛ فتبدو وحدة الموضوع في انتقال الرصيد بين هذه المجالات، لا في حبسِه داخل المال وحده.
من الرصيد إلى وجهته
يتصل الاكتساب بالإنفاق لأنّ المكتسَب يُسأل عمّا يُخرَج منه، وبالتجارة لأنّ الأموال المقترفة تُذكر معها، وبالإثم والحسنة لأنّ الكسب والاقتراف يجريان فيهما أيضًا. وتبقى آية الغد ضابطًا لهذا الامتداد: ما يُطلب ويُباشَر لا يحيط الإنسان بما سيكسب منه.