جَذر هدي في القُرءان الكَريم — ٣٢٦ مَوضعًا
التَعريف المُحكَم لجَذر هدي في القُرءان الكَريم
هدي: إظهار الجهة الموصلة إلى المقصود وتمكين المتلقي أو الشيء من السير عليها أو الدلالة بها.
كل موضع من المواضع 326 يبقى داخل هذا الحد الجامع.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
الهداية في القرآن إظهارُ الجهة الموصلة إلى المقصود وتمكينُ المُتلقّي من سلوكها، لا مجرّد إعلام. وهي على صور: بيانٌ، ودلالةُ كتابٍ منزَّل، وتسديدٌ للطريق، وسَوقُ المخلوق إلى وجهته، وسَوقُ الأنعام إلى الحرم. وغايتها في الغالب الأعمّ هي الحقّ، لكنّ الجذر يُستعمل أيضًا في السَّوق إلى غاية شرّ كما في ﴿وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾؛ فالجامع هو الجهةُ الموصِلة لا وجهةُ الخير وحدها.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر هدي
يدور الجذر «هدي» في القرآن على معنًى جامع: إظهارُ الجهة الموصِلة إلى المقصود، وتمكينُ المتلقّي أو الشيء من السير عليها، أو الدلالةُ بها. وينتظم هذا المعنى في ٣٢٦ موضعًا داخل ٢٧٧ آية، عبر مسالك متمايزة يجمعها أصلٌ واحد.
الأوّل: الهدايةُ فعلًا، وأكثرها إسنادًا إلى الله ﴿يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾، وهي قسمان: توفيقٌ يقترن بالإيمان ﴿بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ﴾، ودلالةٌ كونيّة عامّة يُعطى بها كلُّ مخلوق وجهتَه ﴿أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
الثاني: الهُدى اسمًا للحقّ المُنزَّل، يوصف به الكتاب والتوراة والإنجيل والقرآن ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ ﴿فِيهَا هُدٗى وَنُورٞ﴾.
الثالث: الاهتداءُ، وهو قَبول الجهة والسير عليها ﴿فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦ﴾.
الرابع: الهَدۡيُ، ما يُساق من الأنعام إلى الحرم ﴿وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَ﴾ ﴿فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِ﴾.
الخامس: الهَديّةُ، ما يُهدى ﴿وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ﴾.
وهذه المسالك كلّها فروعٌ عن أصل واحد: الجذر يُلازم معنى التوجيه نحو غاية؛ فالأنعام تُساق إلى غاية مكانيّة، والهديّة تُساق إلى مُهدًى إليه، والعبد يُدَلّ على غايته. والغاية في الغالب حقٌّ، وقد تكون شرًّا حين يُساق إليها كما في ﴿فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ﴾؛ فالجامع هو وجهةُ الحركة لا وجهةُ الخير وحدها.
الآية المَركَزيّة لِجَذر هدي
الفاتحة 6
﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾
وجه الدلالة: يجمع هذا الموضع جوهرَ الجذر في أوجز صورة — دعاءُ العبد أن يُظهِر اللهُ له الجهةَ الموصِلة ﴿ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ ويُمكِّنه من سلوكها والثباتِ عليها؛ فالهداية هنا سَوقٌ ودلالةٌ وتثبيت، لا إعلامٌ مجرّد.
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
تتوزّع صيغ الجذر على أبواب وظيفيّة:
— الفعل المسنَد للهداية: «يَهۡدِي» (٣٨)، «هَدَىٰنَا» (٥)، «هَدَىٰكُمۡ» (٣)، «هَدَىٰنِي» (٢)، «لَهَدَيۡنَٰكُمۡ»، «لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ»، «فَهَدَىٰ» — أكثرها فاعِله الله.
— الاسم الدالّ على الحقّ المنزَّل: «هُدٗى» (٢٤)، «وَهُدٗى» (١٥)، «ٱلۡهُدَىٰ» (١٢)، «بِٱلۡهُدَىٰ» (٧).
— صيغ الاهتداء (مطاوعة): «يَهۡتَدُونَ» (١٠)، «ٱهۡتَدَىٰ» (٧)، «تَهۡتَدُونَ» (٦)، «مُّهۡتَدُونَ» و«ٱلۡمُهۡتَدِينَ».
— اسم الفاعل: «هَادٖ» و«هَادٍ» و«هَادِيَ» و«هَادِيٗا» و«لَهَادِ».
— مسلك الهَدۡي (الأنعام المساقة): «ٱلۡهَدۡيَ» و«ٱلۡهَدۡيِ» و«ٱلۡهَدۡيُ» و«هَدۡيَۢا» — سبع صيغ في خمس آيات (البقرة 196، المائدة 2 و95 و97، الفتح 25).
— مسلك الهَديّة: «بِهَدِيَّةٖ» و«بِهَدِيَّتِكُمۡ» — موضعان (النمل 35 و36).
وأعلى السور تركّزًا بعدد المواضع: البقرة (٣٥)، الأنعام (٢٨)، الأعراف (١٩)، المائدة (١٦)، النحل (١٥).
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر هدي
٣٢٦ موضعًا في ٢٧٧ آية، تتوزّع على مسالك دلاليّة:
— الهدايةُ فعلًا إلهيًّا هي الغالبة: يقترن «يَهۡدِي» بـ«مَن يَشَآءُ» في سياق القسمة الربّانيّة، ويُنفى الفعل عن أصناف بأعيانها ﴿لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ والفاسقين والكافرين.
— الهدايةُ الكونيّة: يُعطى كلُّ مخلوق وجهتَه ﴿أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ ﴿وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾.
— الهُدى اسمًا للكتاب المنزَّل في عشرات المواضع، يَطّرد فيها اقترانُه بالرحمة في وصف الوحي.
— الاهتداءُ، وثمرتُه عائدةٌ على صاحبه ﴿فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦ﴾، ويُذكر معه الاهتداء الحسّيّ بالنجوم ﴿وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ﴾.
— الهَدۡيُ: الأنعام تُساق إلى محلّها بالحرم ﴿حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥ﴾.
— الهَديّةُ: ما تُرسله ملكة سبإ ﴿وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ﴾.
— استعمالٌ مضادّ: السَّوقُ إلى غاية شرّ ﴿وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ ﴿فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ﴾.
وأعلى السور تركّزًا بعدد المواضع: البقرة، فالأنعام، فالأعراف، فالمائدة، فالنحل، فيونس.
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
القاسم المشترك بين المواضع المتباينة — الفعل والاسم والمطاوعة والأنعام المساقة والهديّة — هو التوجيهُ نحو غاية: حركةٌ ذاتُ وجهة من مُوجِّهٍ إلى موجَّهٍ نحو مقصد. فالكتاب يُوجِّه، والربّ يُوجِّه، والعبد يَقبل التوجيه فيهتدي، والأنعام تُوجَّه إلى محلّها، والهديّة تُوجَّه إلى مُهدًى إليه. اختلفت المتعلَّقات واتّحد أصلُ الحركة الموجَّهة، كما يتجلّى في ﴿أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾: لكلِّ مخلوقٍ وجهةٌ يُساق إليها.
مُقارَنَة جَذر هدي بِجذور شَبيهَة
يفترق «هدي» عن أقرب الجذور إليه في الحقل:
— رشد: الرشد ثمرةُ استقامة الوجهة بعد الهداية وإدراكُ صوابها؛ والهداية إظهارُ الوجهة وتمكينُ سلوكها — ولذا جاء ﴿يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ﴾ (الجن 2): الهداية موصِلة، والرشد مَوصولٌ إليه.
— دعو: الدعاء إلى الهدى نداءٌ يَستدعي السلوك، والهداية إيصالٌ فعليّ للجهة — ولذا يجتمعان: ﴿وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡ﴾ (الأعراف 193): دعاءٌ بلا اهتداء.
— بلغ: البلاغ إيصالُ الخطاب وانتهاؤه إلى المُبلَّغ؛ والهداية إظهارُ الطريق الموصِل لا مجرّد وصول الكلام.
— دلل: الدلالة قد تقف عند الإشارة المجرّدة؛ والهداية القرآنيّة تتعلّق بالجهة التي تقود إلى المقصود مع التمكين من سلوكها.
اختِبار الاستِبدال
لا يقوم رشد مقام هدي في ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ﴾ (البلد 10): المطلوب إظهارُ الجهتين وتمكينُ السلوك، لا إدراكُ صوابهما — والرشد إنّما يأتي بعد سلوك إحداهما.
ولا يقوم بلغ مقام هدي في ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ (البقرة 2): الكتاب ليس خطابًا واصلًا فحسب، بل جهةٌ دالّة تُسلَك؛ ولو كان بلاغًا لاكتفى بانتهاء الخطاب إلى السامع.
ولا يقوم دعو مقام هدي في ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِ﴾ (الإسراء 97): المُهتدي مَن ثبتت له الجهة فعلًا، لا مَن نُودي إليها فقط؛ ولذا قُوبِل الاهتداء بالضلال لا بترك الإجابة.
الفُروق الدَقيقَة
الفروق الدقيقة بين صيغ الجذر:
— «الهُدى» اسمٌ للجهة وللحقّ الدالّ عليها، كما في ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾.
— «هَدَى / يَهۡدِي» فعلُ إسناد الجهة، ويتعدّى تارةً بنفسه إلى المفعول الثاني ﴿هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ ﴿وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا﴾، وتارةً بحرفٍ ﴿يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ﴾ ﴿يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ﴾ — فالأوّل إيصالٌ مباشر للجهة، والثاني توجيهٌ نحوها.
— «ٱهۡتَدَى» قَبول الجهة والسير عليها، وثمرتُه على صاحبه ﴿فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦ﴾.
— «المُهتدي» مَن ثبتت له الجهة، يُقابَل بالضالّ.
— «الهَدۡي» ما يُساق إلى جهة مخصوصة (الحرم)، فهو فرعٌ حسّيّ من معنى التوجيه لا معنًى منفصلًا.
— «الهَديّة» ما يُساق إلى مُهدًى إليه، وهي كذلك فرعٌ حسّيّ من السَّوق الموجَّه.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الهداية والاستقامة والرشد.
الجذر هو محور حقل الهداية والاستقامة والرشد؛ لأنه يحدد أصل الاتجاه، ثم تأتي الاستقامة والرشد والاتباع آثارا أو صورا قريبة منه.
مَنهَج تَحليل جَذر هدي
كشف الاستيعابُ الكلّيّ أن الجذر يجمع تحت أصل واحد مسلكين لا يلتقيان ظاهرًا: المعنويَّ — هداية القلب والكتاب — والحسّيَّ — الهَدۡي المساق، والهديّة، والاهتداء بالنجوم. والرابط أن الجذر لا يدلّ على الغاية ولا على المُتلقّي، بل على الحركة الموجَّهة نفسها؛ فاتّسع لكلّ ما يُساق نحو وجهة، معنويًّا كان أو محسوسًا. ومن أبرز انتظاماته أن نفي الفعل لا يقع على الأفراد بل على الأصناف الموصوفة ﴿لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ والفاسقين والكافرين، فالحرمان معلَّل بالوصف لا بالعين.
الجَذر الضِدّ
الجذر الضد: ضلل.
«هدي» و«ضلل» هما الثنائية المحورية في القرآن لمحور الجهة: الهدى إظهار الجهة الموصلة وتمكين السير عليها، والضلال فقد هذه الجهة أو الخروج عنها. التقابل ليس معجميا فحسب، بل بنيوي يجري في النص جريانا متلازما، حتى إن آيات كثيرة تجمع الجذرين في موضع واحد لتقرير قسمة العباد بهما.
— الآية المركزية للتقابل: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ﴾ (البقرة 16). جعل الهدى ثمنا تباع به الضلالة يقطع بأنهما طريقان متضادان لا يجتمعان: ربح أحدهما خسارة الآخر. وأعيد التقابل بنصه: ﴿ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾ (البقرة 175).
— التقابل في فاتحة الكتاب: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ (الفاتحة 6) ثم ﴿غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الفاتحة 7). فالسؤال الأول للعبد هو الهدى، والاستعاذة المقترنة به من سبيل الضالين، والمحور واحد: الجهة الموصلة في مقابل فقدها.
— نمط «يهدي» و«يضل» المزدوج: ﴿يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗا﴾ (البقرة 26)، ﴿فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ﴾ (إبراهيم 4)، ومثله في النحل 93 وفاطر 8 والمدثر 31. والقسمة في الخلق نفسها: ﴿فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُ﴾ (النحل 36)، ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُ﴾ (الأعراف 30).
— مرآة التقابل في الفاعل والمفعول: ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ (الإسراء 97)، ﴿وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ﴾ (الزمر 36)، ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّ﴾ (الزمر 37). فمن لا هادي له فضال، ومن لا مضل له فمهتد؛ الجذران يتمم أحدهما حد الآخر بالنفي.
— اختبار الاستبدال: في ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ﴾ (الضحى 7) لو استبدلت «هدى» بـ«أضل» لانقلب المعنى من رفع فقد الجهة إلى إيقاعه؛ ولو استبدلت «ضالا» بـ«مهتديا» لزال موجب الفعل التالي، إذ لا يهدى إلا من فقد الجهة. ومثله ﴿وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ﴾ (طه 79): الإضلال فعل والهداية نفيها في الموضع نفسه، فبينهما تقابل لا يقبل اجتماعا.
— خلاصة دلالية: الهدى جهة موصلة إلى المقصود وتمكين السير عليها، والضلال فقد هذه الجهة. ولذلك جاء التقابل في الفعل (يهدي/يضل)، وفي الفاعل (هاد/مضل)، وفي القابل (مهتد/ضال)، وفي المصدر (هدى/ضلالة)، وفي الفريق (فريق هدى وفريق حق عليه الضلالة). هذا الانتظام النصي الشامل يجعل من «ضلل» الجذر الضد المحكم لـ«هدي»، لا بدلالة معجمية فقط، بل بتقابل بنيوي يجري في القرآن من فاتحته إلى خواتمه.
نَتيجَة تَحليل جَذر هدي
استوعب التحليلُ ٣٢٦ موضعًا في ٢٧٧ آية تحت حدٍّ جامع واحد: إظهارُ الجهة الموصِلة إلى المقصود وتمكينُ السير عليها أو الدلالةُ بها. وانتظمت تحته المسالك الستّة — الهدايةُ فعلًا، والهُدى اسمًا للحقّ المنزَّل، والاهتداءُ، والهَدۡيُ المساق، والهَديّةُ، والسَّوقُ المضادّ إلى غاية الشرّ — من غير فصل فرعٍ عن أصله، ومن غير موضعٍ شاذٍّ يخرج عن الحدّ.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر هدي
- الفاتحة 6: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ — طلبُ الجهة الموصِلة والثبات عليها. - البقرة 2: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ — الكتابُ جهةُ هدًى. - البقرة 16: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ﴾ — تقابلُ الهدى والضلال. - طه 50: ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ — هدايةُ كلِّ مخلوق إلى وجهته. - الإسراء 97: ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ﴾ — الفعلُ الإلهيّ والقَبول العبديّ. - النحل 16: ﴿وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ﴾ — اهتداءٌ حسّيّ بالعلامات. - المائدة 97: ﴿وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَ﴾ — الهَدۡيُ المساق إلى الحرم. - النمل 35: ﴿وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ﴾ — الهديّةُ ما يُساق إلى مُهدًى إليه. - الحج 4: ﴿كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ — السَّوقُ الموجَّه إلى غاية شرّ. - الضحى 7: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ﴾ — الهدايةُ رفعُ فقد الجهة.
لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر هدي
غلبةُ صيغة الفعل «يَهۡدِي» على سائر صيغ الجذر تكشف أنّ الهداية في القرآن فعلُ إسنادٍ مستمرّ لا حدثٌ منقضٍ؛ ويوازيها ثِقَلُ الاسم «هُدٗى» و«ٱلۡهُدَىٰ» الدالِّ على الجهة والحقِّ المُنزَّل معًا — فالجذر يجمع في صيغه الطريقَ والدليلَ والاستجابةَ تحت أصلٍ واحد.
— ملاحظات بنيويّة — • يجمع الجذر مسلكًا معنويًّا (هداية القلب) ومسلكًا حسّيًّا (الهَدۡي المساق، والهديّة، والاهتداء بالنجوم) دون انفصال، إذ الأصل واحد: الحركةُ الموجَّهة نحو وجهة. • اطّرد نفيُ الفعل عن أصناف موصوفة لا عن أفراد: «القوم الظالمين» و«القوم الفاسقين» و«القوم الكافرين» و«مَن هو كاذب كفّار» — فالحرمان معلَّل بالوصف. • في ﴿وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (الحج 4) و﴿فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ﴾ (الصافات 23) يُستعمل الجذر في السَّوق إلى غاية شرّ — دليلٌ على أن الجامع هو وجهةُ الحركة لا وجهةُ الخير. • الإسنادُ والاستجابةُ مجموعان تحت أصلٍ واحد: تتكرّر بنيةُ ﴿مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ﴾ (الكهف 17 والإسراء 97، وبنظيرِها في الأعراف 178)، فيُسنَد فعلُ الهداية إلى الله وتُسنَد ثمرتُه الاهتداءُ إلى العبد؛ ولا يَملِكُ النبيُّ نفسُه هذا الإسنادَ (القصص 56) — فالجذرُ يضمّ التوجيهَ والاستجابةَ في انتظامٍ واحد.
— لطائف إحصائيّة آليّة — • دَلالة الإسناد: اللَّه يَفعَل هَذا الجَذر في ١٢٣ مَوضِع — ٦٢٪ من إجماليّ ١٩٧ إسناد. • تَركّز مِحوَريّ: ٧٩٪ من الإسنادات تَعود لِفاعِلي مِحوَر «إلهيّ» — ١٥٥ من ١٩٧. • اقتِران نَصّيّ: يَرِد مَع جَذر «قول» في ٨٢ آية. • اقتِران نَصّيّ: يَرِد مَع جَذر «قوم» في ٦٩ آية. • اقتِران نَصّيّ: يَرِد مَع جَذر «ربب» في ٦٢ آية.
— الفاعِلون الأَبرَز — • أَبرَز الفاعِلين: اللَّه (١٢٣)، الرَّبّ (٣٢)، الَّذين آمَنوا (١٦). • تَوزيع مِحوَريّ: إلهيّ (١٥٥)، المُؤمِنون (١٦)، المَخلوقات (١٥)، المُعارِضون (١١).
— اقترانات مُصَنَّفَة — • اقتران تَقابُل: «بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ» — تَكَرَّر ٣ مَرّات في ٣ سُوَر (التوبة 33، الفتح 28، الصفّ 9).
إحصاءات جَذر هدي
- المَواضع: ٣٢٦ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
- الصِيَغ: ١٣٠ صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: يَهۡدِي.
- أَبرَز الصِيَغ: يَهۡدِي (٣٨) هُدٗى (٢٤) وَهُدٗى (١٥) ٱلۡهُدَىٰ (١٢) يَهۡتَدُونَ (١٠) هَادُواْ (٨) يَهۡدِ (٨) بِٱلۡهُدَىٰ (٧)
الرَسم التَوقيفيّ — أَزواج جَذر هدي
- بهٰد ⟂ بهٰدي (الياء النِهائيّة): «بِهَٰدِ» (1 مَوضع وَحيد) في الرُّوم 30:53 «وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡ» — الياء النِهائيّة مَحذوفَة رَسمًا لِأَنَّ «هَادِي» مُضاف إلى «ٱلۡعُمۡيِ» (إضافَة مُباشَرَة لِالـاسم الظاهِر). «بِهَادِي» (1 مَوضع، مَع ياء) في…«بِهَٰدِ» (1 مَوضع وَحيد) في الرُّوم 30:53 «وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡ» — الياء النِهائيّة مَحذوفَة رَسمًا لِأَنَّ «هَادِي» مُضاف إلى «ٱلۡعُمۡيِ» (إضافَة مُباشَرَة لِالـاسم الظاهِر). «بِهَادِي» (1 مَوضع، مَع ياء) في النَّمل 27:81 «وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ» — نَفس البِنية مَع إثبات الياء. كِلا المَوضِعَين بِنَفس البِنية بِالضَبط «وَمَآ أَنتَ بِهَاد(ي) ٱلۡعُمۡيِ» — الفَرق إعرابيّ-رَسميّ بَحت في حَذف/إثبات الياء عِندَ الإضافَة المُباشَرَة لِالاسم الظاهِر.
- هدىن ⟂ هدىني (الياء النِهائيّة): «هَدَىٰنِ» (1 مَوضع وَحيد) في الأَنعام 6:80 «قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ» — ياء المُتَكَلِّم مَحذوفَة رَسمًا (هَدَى + ني)، تَطبيقًا لِقاعِدَة جَواز حَذف ياء المُتَكَلِّم في الفِعل المُعتَلّ الآخِر. «هَدَىٰنِي»…«هَدَىٰنِ» (1 مَوضع وَحيد) في الأَنعام 6:80 «قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ» — ياء المُتَكَلِّم مَحذوفَة رَسمًا (هَدَى + ني)، تَطبيقًا لِقاعِدَة جَواز حَذف ياء المُتَكَلِّم في الفِعل المُعتَلّ الآخِر. «هَدَىٰنِي» (2 مَوضع، مَع ياء) في الأَنعام 6:161 «قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ» وَالزُّمَر 39:57 «لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ» — ياء المُتَكَلِّم ثابِتَة. الفَرق إعرابيّ-وَقفيّ: حَذف الياء في 6:80 (مَع نِهايَة الجُملَة قَبل فاصِل)، إثباتها في 6:161 وَ39:57 (مَع وُصول الكَلام).
- يهد ⟂ يهدي (الياء النِهائيّة): «يَهۡدِ» (3 مَواضع، بِدون ياء نِهائيّة) رَسم الفِعل المَجزوم في الاستِفهام أَو الشَرط بِـ«مَن»: الأَعراف 7:100 «أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ» (استِفهام تَوبيخيّ)، الأَعراف 7:178 «مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِي»…«يَهۡدِ» (3 مَواضع، بِدون ياء نِهائيّة) رَسم الفِعل المَجزوم في الاستِفهام أَو الشَرط بِـ«مَن»: الأَعراف 7:100 «أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ» (استِفهام تَوبيخيّ)، الأَعراف 7:178 «مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِي» (شَرط بِمَن)، الإسراء 17:97 «وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِ» (شَرط بِمَن). «يَهۡدِي» (42 مَوضع، مَع ياء) رَسم الفِعل المَرفوع في الإخبار العامّ. الياء النِهائيّة تُحذَف رَسمًا تَطبيقًا لِقاعِدَة العَرَبيّة في جَزم الفِعل المُعتَلّ الآخِر — الفَرق إعرابيّ بَحت يَتَّبِع القاعِدَة النَحَويّة.