جَذر رجو في القُرءان الكَريم — ٢٨ مَوضعًا

الحَقل: الأمل والرجاء · المَواضع: ٢٨ · الصِيَغ: ١٥

التَعريف المُحكَم لجَذر رجو في القُرءان الكَريم

الرَّجاءُ القُرءانيُّ: تَعليقُ النَّفسِ بِغايبٍ مَحبوبٍ تَنتَظِرُ وُقوعَه مع الإقرارِ بِأَنَّه ليس بِيَدِها، وتَعمَلُ مِن أَجلِه. أَكثَرُ مُتَعَلَّقاتِه: لِقاءُ اللهِ، اليَومُ الآخِر، رَحمَتُه، فَضلُه. ونَفيُه عَن قَومٍ ﴿لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا﴾ تَوصيفٌ عَقَدِيٌّ يُلازِمُ الكُفرَ بِالبَعث. لا يَنفَكُّ في الإسراء ٥٧ عَن الخَوف، فَهو رَجاءٌ مُقَيَّدٌ بِالعَمَلِ والخَشيَة، لا تَمَنٍّ كَسولٌ ولا أَمنٌ مِن مَكرِ الله.

الخُلاصَة الجَوهَريّة

الرَّجاءُ في القرءانِ تَعليقٌ بِغايبٍ مَحبوبٍ مع إمكانِه: لِقاءُ اللهِ، اليَومُ الآخِر، رَحمَتُه. يُولِّدُ العَمَلَ الصالِحَ ويَنفي الإشراك (الكَهف ١١٠)، ويَقتَرِنُ بِالخَوف (الإسراء ٥٧). نَفيُه «لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا» وَصفٌ ثابِتٌ لِمَن أَنكَرَ البَعث (يونس ٧، الفُرقان ٢١). ضِدُّه البِنيَويُّ في القرءان «اليَأس» (يوسُف ٨٧).

المَفهوم القُرءانيّ لجَذر رجو

جِذرُ «رجو» في القرءان يَدورُ على فِعلٍ نَفسيٍّ مَخصوصٍ: تَعليقُ النَّفسِ بِغايبٍ مَحبوبٍ يَنتَظِرُ وُقوعَه، مع إقرارٍ بِأَنَّ تَحَقُّقَه ليس بِيَدِ الراجي. ليس مُجَرَّدَ تَمَنٍّ — التَّمَنّي يَتَعَلَّقُ بِما يَستَحيلُ أَيضًا — وليس مُجَرَّدَ ظَنٍّ، فالظَّنُّ يَتَعَلَّقُ بِما يَتَرَجَّحُ وُقوعُه عَقلًا، أَمّا الرَّجاءُ فَيَتَعَلَّقُ بِما يَنتَظِرُه القَلبُ مع إمكانِه.

وأَكثَرُ ورودِ الجِذرِ في القرءان مَوصولٌ بِلِقاءِ اللهِ وَاليَومِ الآخِر: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا﴾ (الكَهف ١١٠) — فالرَّجاءُ هاهنا قِوامُ السُّلوكِ كُلِّه، يُوَلِّدُ العَمَلَ الصالِحَ، ويَنفي الإشراك. ويَتَكَرَّرُ هذا التَّعليقُ بِبِنيَةٍ مُتَوازِيَة: ﴿لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ (الأَحزاب ٢١، المُمتَحَنَة ٦).

وَيَأتي الجِذرُ مَنفِيًّا في وَصفِ الكافِرين: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا﴾ (يونس ٧، ١١، ١٥، الفُرقان ٢١، العَنكَبوت ٥) — فَنَفيُ الرَّجاءِ هُنا تَوصيفٌ عَقَدِيٌّ، لا انفِعالٌ نَفسيٌّ عابِر. ولِذلك يُقابَلُ في الإسراء ٥٧ بِالخَوفِ مِن العَذاب: ﴿وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾ — فالرَّجاءُ والخَوفُ جَناحانِ لا يَستَقيمُ سَيرُ المؤمنِ بِدونِهِما.

الآية المَركَزيّة لِجَذر رجو

الكَهف ١١٠ ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ — هذه الآيةُ المَركَزيَّةُ تُحَدِّدُ بِدِقَّةٍ ما يَتَرَتَّبُ على الرَّجاءِ القُرءانيِّ: عَمَلٌ صالِحٌ، ونَفيُ الإشراك. فالرَّجاءُ ليس انفِعالًا قَلبيًّا فَقَط، بَل هو الباعِثُ السُّلوكيُّ الجامِعُ، وَختامُ سورةِ الكَهفِ يَجعَلُه مُنطَلَقَ التَّوحيدِ العَمَليِّ.

المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة

تَتَوَزَّعُ صيَغُ الجِذرِ في ٢٨ مَوضِعًا على نَمَطَين رَئيسَين:

(أ) صيَغُ الفِعلِ المُضارِعِ مِن «رَجَا» (المَفتوحُ الواوُ) — وهي الأَكثَرُ بِفارِقٍ كَبير: ﴿يَرۡجُونَ﴾ ١٠ مَواضِع، ﴿يَرۡجُواْ﴾ ٤ مَواضِع، ﴿وَيَرۡجُونَ﴾ ١ (الإسراء ٥٧)، ﴿وَيَرۡجُواْ﴾ ١ (الزُّمَر ٩)، ﴿وَتَرۡجُونَ﴾ ١ (النِّساء ١٠٤)، ﴿تَرۡجُونَ﴾ ١ (نوح ١٣)، ﴿تَرۡجُوهَا﴾ ١ (الإسراء ٢٨)، ﴿تَرۡجُوٓاْ﴾ ١ (القَصَص ٨٦)، ﴿وَٱرۡجُواْ﴾ الأَمر ١ (العَنكَبوت ٣٦). فالفِعلُ المُضارِعُ يَطغى — لأَنَّ الرَّجاءَ حالٌ مُستَمِرَّةٌ لا تَنقَطِع.

(ب) صيَغُ المَفعولِ ومَنْ تَرَجَّأَ أَمرُه: ﴿مَرۡجُوّٗا﴾ (هود ٦٢) — صَالِحٌ كانَ مَرجوًّا في قَومِه، أَيْ مُعَلَّقٌ بِه أَمَلُهُم. ﴿مُرۡجَوۡنَ﴾ (التَّوبَة ١٠٦) — أَقوامٌ مُؤَخَّرٌ أَمرُهُم لاحتِمالِ العَذابِ أَو التَّوبَة. ﴿تُرۡجِي﴾ (الأَحزاب ٥١) — تَأخيرُ مَن يَشاءُ مِن نِسائِه عليه السَّلام.

(ج) لَفظتانِ مُتَّصِلَتانِ بِأَصلٍ ءرجء (الجَوانِب/التَّأخير): ﴿أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ﴾ (الأَعراف ١١١، الشُّعَراء ٣٦) أَيْ أَخِّرْهُ، و﴿أَرۡجَآئِهَاۚ﴾ (الحاقَّة ١٧) أَيْ جَوانِبِ السَّماء يَومَئِذٍ. تَتَّصِلُ بِالرَّجاءِ مَعنًى لَطيفًا: التَّأخيرُ يَقومُ على رَجاءِ المُستَقبَل.

غِيابُ صيغة «أَرجو» المُتَكَلِّم لافِتٌ — لا يَأتي الرَّجاءُ في القرءانِ بِصيغة المُتَكَلِّمِ المُفرَدِ، إنَّما بِالغائبِ والمُخاطَبِ والجَمع، كأَنَّ الجِذرَ مَوصولٌ بِالجَماعَة لا بِالفَرد.

المَواضع القُرءانيّة لِجَذر رجو

تَتَوَزَّعُ المَواضِعُ الـ٢٨ على ٤ وَظائفَ دَلاليَّة مَضبوطَة:

(١) رَجاءُ لِقاءِ اللهِ والاستِعدادُ لَه (٤ مَواضِع): ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا﴾ (الكَهف ١١٠)، ﴿مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ﴾ (العَنكَبوت ٥)، ﴿لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ (الأَحزاب ٢١، المُمتَحَنَة ٦) — في كُلِّها يَتَرَتَّبُ على الرَّجاءِ سُلوكٌ: عَمَلٌ صالِح، أُسوَةٌ بِالرَّسولِ.

(٢) رَجاءُ الرَّحمَةِ والمَغفِرَةِ والفَضل (٧ مَواضِع): ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ﴾ (البَقَرَة ٢١٨)، ﴿وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾ (الإسراء ٥٧)، ﴿وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦ﴾ (الزُّمَر ٩)، ﴿ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا﴾ (الإسراء ٢٨)، ﴿وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَ﴾ (النِّساء ١٠٤)، ﴿يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ﴾ (فاطِر ٢٩)، ﴿وَمَا كُنتَ تَرۡجُوٓاْ أَن يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبُ إِلَّا رَحۡمَةٗ﴾ (القَصَص ٨٦).

(٣) نَفيُ الرَّجاءِ تَوصيفًا عَقَدِيًّا لِمُنكِرِ البَعث (٨ مَواضِع): ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا﴾ (يونس ٧)، ﴿فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا﴾ (يونس ١١)، ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا﴾ (يونس ١٥)، ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا﴾ (الفُرقان ٢١)، ﴿بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا﴾ (الفُرقان ٤٠)، ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾ (الجاثِيَة ١٤)، ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا﴾ (النَّبَإ ٢٧)، ﴿مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا﴾ (نوح ١٣). وكُلُّها تَجعَلُ النَّفيَ سَبَبَ الكُفر.

(٤) رَجاءاتٌ مَخصوصَةٌ في سياقاتٍ ضَيِّقَة: ﴿ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا﴾ (النور ٦٠) — تَوقُّعُ الزَّواج، فالرَّجاءُ هُنا دُنيَويٌّ مَحدود، ﴿وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ (العَنكَبوت ٣٦) — الأَمرُ بِالرَّجاءِ في خُطبَةِ شُعَيب.

بِالإضافَةِ لِخَمسة مَواضِعَ مِن أَصلٍ ءرجء قريبٍ: ﴿مُرۡجَوۡنَ﴾ (التَّوبَة ١٠٦)، ﴿مَرۡجُوّٗا﴾ (هود ٦٢)، ﴿أَرۡجِهۡ﴾ (الأَعراف ١١١، الشُّعَراء ٣٦)، ﴿تُرۡجِي﴾ (الأَحزاب ٥١)، ﴿أَرۡجَآئِهَاۚ﴾ (الحاقَّة ١٧) — كُلُّها تَدورُ على التَّأخيرِ والتَّعليقِ، وهو المَعنى الأَصليُّ المُشتَرَكُ مع الرَّجاء.

القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر

القاسِمُ الجامِعُ بَينَ مَواضِعِ الجِذرِ كُلِّها: تَعليقُ النَّفسِ بِغايبٍ مَحبوبٍ مع إمكانِ وُقوعِه.

هذا القاسِمُ يَتَجَلّى في ثَلاثِ سِماتٍ ثابِتَة: (أ) المُتَعَلَّقُ مَحبوبٌ — لا يَكونُ الرَّجاءُ في القرءانِ لِمَكروهٍ. حتى نَفيُه ﴿لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا﴾ (النور ٦٠) يَنفي تَوقُّعَ شيءٍ مَطلوبٍ. (ب) المُتَعَلَّقُ مُمكِنٌ لا مُحَقَّقٌ — لا يَدخُلُ الرَّجاءُ على ما هو واقِعٌ. ﴿يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ﴾ (فاطِر ٢٩) — تِجارَةٌ مَوعودَةٌ مَوكولَةٌ إلى اللهِ. (ج) المُتَعَلَّقُ ليس بِيَدِ الراجي — يَتَعَلَّقُ بِفِعلِ غَيرِه (اللهِ غالِبًا). ﴿تَرۡجُوهَا﴾ (الإسراء ٢٨) رَحمَةٌ مِن الرَّبِّ تَنتَظِرُها.

مُقارَنَة جَذر رجو بِجذور شَبيهَة

الرَّجاءُ يَلتَقي بِجِذورٍ ثَلاثَة، ويَفتَرِقُ عَنها بِخَصائِصَ دَقيقَة:

(١) «أَمَنَ» (الأَمن): الأَمنُ راحَةٌ مِن وُقوعِ المَكروه، أَمّا الرَّجاءُ فَتَعَلُّقٌ بِوُقوعِ المَحبوب. الأَمنُ يَنفي الخَوفَ تَمامًا، والرَّجاءُ يَتَعايَشُ مَعَه: ﴿وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾ (الإسراء ٥٧). والأَمنُ مَذمومٌ في حَقِّ مَكرِ اللهِ، والرَّجاءُ مَحمودٌ.

(٢) «بَشَرَ» (البِشارَة والاستِبشار): البِشارَةُ تَتَعَلَّقُ بِخَبَرٍ سارٍّ ينالُ المَخبَر، والاستِبشارُ فَرَحٌ بِما وَقَعَ أَو تَأَكَّدَ وُقوعُه. أَمّا الرَّجاءُ فَإِلى المُتَوَقَّعِ غَير المُؤَكَّد. ولِذلك فَرِحُ المَلائكَةِ في آلِ عِمران ١٧٠ ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ﴾ استِبشارٌ بِواقِع، وكَلامُ شُعَيب ﴿وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ تَعليقٌ بِما لَم يَأتِ بَعد.

(٣) «طَمِعَ» (الطَّمَع): الطَّمَعُ يَدخُلُ على ما يُمكِنُ تَحصيلُه ولَكِن قَد يَكونُ بِغَير وَجهِ حَقٍّ. الرَّجاءُ شَأنُ المؤمنِ بِالحَقِّ. ﴿وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ﴾ (الشُّعَراء ٨٢) — طَمَعٌ مَخصوصٌ في حَقِّ النَّبيِّ إبراهيم؛ بَينَما الرَّجاءُ يُعَلَّقُ بِاللهِ مُطلَقًا. الطَّمَعُ يُمكِنُ أَن يَتَعَلَّقَ بِأَيِّ مُمكِن، أَمّا الرَّجاءُ في القُرءانِ فَلا يُعَلَّقُ إلَّا بِفَضلِ اللهِ ولِقائِه ورَحمَتِه.

اختِبار الاستِبدال

اختِبارُ الاستِبدالِ على الكَهف ١١٠ ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا﴾:

لَو أُبدِلَ «يَرجو» بـ«يَتَمَنّى»: لَضاعَ الباعِثُ السُّلوكيُّ — التَّمَنّي حالٌ نَفسيَّةٌ لا تُلزِمُ بِالعَمَل. والقرءانُ يَعرِضُ التَّمَنّيَ مَذمومًا في «بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ» (البَقَرَة ٨١). لَو أُبدِلَ بـ«يَخافُ»: لَخَلا التَّعليقُ مِن المَحبوب، فالخَوفُ تَوَقُّعُ المَكروه. ولَذَهَبَت رَوحُ الآيَة. لَو أُبدِلَ بـ«يَطمَعُ»: لَسَقَطَت رُتبَةُ التَّعليقِ بِاللهِ، فالطَّمَعُ يُحتَمَلُ أَن يَكونَ بِغَيرِ وَجهِ حَقٍّ.

إذًا «يَرۡجُو» يَجمَعُ بِالضَّبط: الإقرارَ بِأَنَّ اللِّقاءَ آتٍ بِيَدِ اللهِ، والمَحَبَّةَ لَه، والباعِثَ على العَمَلِ الصالِحِ — وهَذا الجَمعُ هو ما لا يُتَأَتّى لِأَيِّ بَديلٍ آخَر.

الفُروق الدَقيقَة

فُروقٌ دَقيقَةٌ تَكشِفُ تَخصُّصَ الجِذر:

(أ) الرَّجاءُ مَوصولٌ غالِبًا بِاللهِ مُباشَرَةً، لا بِالواسِطَة. حتى في الإسراء ٢٨ ﴿ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا﴾، الرَّجاءُ هُنا في رَحمَةٍ مَوكولَةٍ إلى الرَّبِّ.

(ب) صيغَةُ المَفعولِ ﴿مَرۡجُوّٗا﴾ في هود ٦٢ تَدُلُّ على شَخصٍ كانَ مَوضِعَ تَعليقِ القَومِ آمالَهُم — قَومُ صالِحٍ كانوا يُعَلِّقونَ بِه آمالَ القِيادَة، فَلَمّا دَعاهُم إلى التَّوحيد سَقَطَ في نَظَرِهِم. هذه الصيغَةُ الفَريدَةُ تَكشِفُ أَنَّ الرَّجاءَ يَنقَلِبُ خَيبَةً حينَ لا يُوافِقُ المَرجوُّ هَوى الراجي.

(ج) الفَرقُ بَينَ ﴿أَرۡجِهۡ﴾ في الأَعراف ١١١ والشُّعَراء ٣٦ وبَينَ سائِرِ الجِذر: ﴿أَرۡجِهۡ﴾ مِن «أَرجَأَ» = أَخَّرَ، فَهو مَعنى التَّأخيرِ والتَّعليق. ولكنَّه يَلتَقي بِالرَّجاءِ مِن جِهَة أَنَّ المُؤَخَّرَ مُعَلَّقُ المَصير.

(د) ﴿مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ﴾ (التَّوبَة ١٠٦): تَأخيرٌ في حُكمِ اللهِ — احتِمالان: العَذابُ أَو التَّوبَة. فَوَصفٌ صَريحٌ بِأَنَّ الرَّجاءَ مَوقوفٌ على أَمرٍ غَيبيٍّ مُحتَمَل.

(هـ) ﴿أَرۡجَآئِهَاۚ﴾ (الحاقَّة ١٧): جَوانِبُ السَّماء يَومَ القِيامَة — اتِّساقٌ مَعنَويٌّ مع الجِذر: الجَوانِبُ هي ما يَتَأَخَّرُ على الناظِرِ ولا يُدرَكُ كُلِّيّا في لَحظَةٍ.

الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه

هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الأمل والرجاء.

في حَقلِ «الأَمل والرَّجاء»، الرَّجاءُ هو الوَتَدُ المَركَزيُّ. يُحيطُ بِه: - «بَشَرَ»: الفَرَحُ بِخَبَرٍ سارٍّ مَوعودٍ — أَقرَبُ إلى تَأكيدِ الوُقوع. - «طَمِعَ»: تَرَقُّبُ مُمكِنٍ، يَصلُحُ في الدُّنيا والآخِرَة لكِن قَد يَنجَرُّ إلى ما لا يَحِلُّ. - «تَمَنّى»: تَعليقٌ نَفسيٌّ يَطالُ المُمكِنَ والمُستَحيل. - «وَعَدَ»: مِن جِهَةِ الواعِد، والرَّجاءُ مِن جِهَةِ المَوعود. ضِدُّ الحَقلِ: «يَأَسَ» و«قَنَطَ» — يَأتيانِ مَنفِيَّينِ في حَقِّ المؤمنِ (يوسُف ٨٧، الزُّمَر ٥٣).

مَنهَج تَحليل جَذر رجو

بُنيَ هذا التَّحليلُ على المَسحِ الكامِلِ لِلـ٢٨ مَوضِعًا في data.json بِالنَّصِّ العُثمانيِّ مِن quran-full.json. تَمَّ فَصلُ المَواضِعِ إلى أَربَعِ وَظائفَ دَلاليَّة بَعدَ تَطبيقِ كُلِّ تَعريفٍ مُسَوَّدٍ على كُلِّ مَوضِعٍ، وإعادَةِ الصياغَةِ كُلَّما خالَفَ مَوضِعٌ التَّعريف.

تَحَقَّقَ التَّمييزُ عَن «أَمَنَ» و«بَشَرَ» و«طَمِعَ» باختِبارِ الاستِبدالِ المَنهَجيّ. والتَّقابُلُ مع «يَأَسَ» تَأَكَّدَ مَعنويًّا في يوسُف ٨٧ وإن لَم يَلتَقِ الجِذرانِ في آيَةٍ واحِدَة (٠ تَلازُم لَفظيٍّ). كُلُّ اقتِباسٍ نُسِخَ مِن quran-full.json بِالنَّسخِ الميكانيكيّ مع تَطبيعِ NFC.

الجَذر الضِدّ

## الجِذرُ الضِّدُّ: «يءس» (اليَأس)

التَّقابُلُ البِنيَويُّ: «رجو» تَعليقُ النَّفسِ بِغايبٍ مَحبوبٍ يَنتَظِرُ وُقوعَه؛ «يءس» انقِطاعُ النَّفسِ عَن المَحبوبِ بِالحُكمِ بِامتِناعِ وُقوعِه. الرَّجاءُ يَفتَحُ بابَ المُستَقبَل، واليَأسُ يُغلِقُه.

الآيةُ المَركَزيَّةُ لِلتَّقابُل: يوسُف ٨٧ ﴿يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ — هذه الآيَةُ تَضَعُ اليَأسَ في مَوضِعِ الكُفر. وفي الزُّمَر ٥٣ ﴿لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِ﴾ يَأتي القُنوطُ في نَفسِ مَوضِعِ اليَأس. وفي القرءانِ كُلِّه لا يُسنَدُ اليَأسُ إلى المؤمنين إلَّا مَنفيًّا.

التَّلازُمُ اللَّفظيُّ: صِفرُ آيَةٍ تَجمَعُ بَينَ «رجو» و«يءس» في لَفظٍ واحِد — وهَذا أَعمَقُ في التَّقابُل: لا يَجتَمِعانِ في القَلبِ كَما لا يَجتَمِعانِ في الآيَة. الراجي ليس بِيائِسٍ، واليائِسُ ليس بِراج.

التَّقابُلُ السُّلوكيُّ: يَتَرَتَّبُ على الرَّجاءِ في الكَهف ١١٠ ﴿فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا﴾ — أَي عَمَلٌ. ويَتَرَتَّبُ على اليَأسِ في يوسُف ٨٧ توصيفُ الكُفر. فالرَّجاءُ مُنشِئٌ، واليَأسُ هادِم.

التَّقابُلُ في الحَدَث: يَعقوبُ عليه السَّلام في يوسُف ٨٧ يَنهى بَنيهِ عَن اليَأسِ في أَشَدِّ ساعاتِ المِحنَة، فَيَستَحضِرُ ضِمنًا الرَّجاءَ — يَلقاهُ مَوضِعَ اليَأس. وهذا النَّمَطُ يَتَكَرَّرُ في الزُّمَر ٥٣ ﴿لَا تَقۡنَطُوا﴾ في خِطابِ المُسرِفين.

جِذرٌ ضِدٌّ ثانوي: «قنط» (يونُس ٤٩، الحِجر ٥٥-٥٦، الرُّوم ٣٦، الزُّمَر ٥٣، فُصِّلَت ٤٩، الشُّورى ٢٨) — أَخَصُّ مِن اليَأس، يَدُلُّ على شِدَّةِ القَطعِ مع تَيَقُّنٍ بِامتِناعِ المَطلوب. ولَم يَلتَقِ مع «رجو» في آيَةٍ واحِدَة كَذلِك. والفَرقُ بَين «يءس» و«قنط»: اليَأسُ انقِطاعٌ عام، والقُنوطُ انقِطاعٌ مَع مَرارَة.

خُلاصَةُ التَّضادّ: الرَّجاءُ في القرءانِ نِصفٌ مِن إيمانِ المؤمنِ، واليَأسُ نِصفٌ مِن كُفرِ الكافِر — كَما في يوسُف ٨٧ نَصًّا. ولِذلك يَأمُرُ القرءانُ بِالرَّجاءِ ﴿وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ (العَنكَبوت ٣٦) ويَنهى عَن اليَأسِ والقُنوطِ بِنَصٍّ مُماثِلٍ في صيغَةِ الأَمر.

نَتيجَة تَحليل جَذر رجو

النَّتيجَةُ المُحكَمَة: الرَّجاءُ في القرءانِ ليس عاطِفَةً ساذَجَة، بَل مَوقِفٌ عَقَدِيٌّ يَستَلزِمُ ثَلاثَة: تَصديقَ البَعث، الإقرارَ بِأَنَّ المَطلوبَ بِيَدِ الله، والعَمَلَ الصالِح. ولِذلك يُقابَلُ نَفيُه بِالكُفر (يونس ٧، الفُرقان ٢١، النَّبَإ ٢٧)، ويُقرَنُ ثُبوتُه بِالأُسوَة بِالرَّسولِ (الأَحزاب ٢١، المُمتَحَنَة ٦)، وضِدُّه البِنيَويُّ «اليَأس» (يوسُف ٨٧).

شَواهد قُرءانيّة من جَذر رجو

(١) الكَهف ١١٠ ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا﴾ — الآيَةُ الجامِعَةُ لِلرَّجاءِ والعَمَلِ والتَّوحيد. (٢) الإسراء ٥٧ ﴿وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾ — التَّعَلُّقُ المُزدَوَجُ بِالرَّجاءِ والخَوف. (٣) الأَحزاب ٢١ ﴿لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ — شَرطُ الاقتِداءِ بِالرَّسول. (٤) يونس ٧ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا﴾ — صِيغَةُ النَّفي لِلكافِرين، تَتَكَرَّرُ ٨ مَرّات. (٥) النَّبَإ ٢٧ ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا﴾ — تَعليلُ كُفرِهِم بِنَفي الرَّجاء. (٦) فاطِر ٢٩ ﴿يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ﴾ — استِعارَةٌ تِجاريَّةٌ لِلرَّجاءِ في الفَضل. (٧) العَنكَبوت ٣٦ ﴿وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ — صيغَةُ الأَمر بِالرَّجاء، فَريدَة. (٨) هود ٦٢ ﴿قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا﴾ — الانقِلابُ مِن الرَّجاءِ إلى الخَيبَة.

لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر رجو

(١) بِنيَةُ ﴿لَا يَرۡجُونَ﴾ تَتَكَرَّرُ ٨ مَرّاتٍ تَتَكَرَّر في سُوَرٍ تَدورُ على صِراع الدَعوَة الأُولى مع التَكذيب بِالبَعث (يونس ٧، ١١، ١٥، الفُرقان ٢١، ٤٠، الجاثِيَة ١٤، النَّبَإ ٢٧، نوح ١٣) — وهذا تَركيزٌ لافِتٌ يَكشِفُ أَنَّ نَفيَ الرَّجاءِ كانَ المَوضوعَ المَركَزيَّ في صِراعِ الدَعوَة الأُولى مع التَّكذيبِ بِالبَعث.

(٢) «يءس» المُتَوَقَّعُ ضِدًّا — صِفرُ تَلازُمٍ لَفظيٍّ مع «رجو»: لا تَجتَمِعُ كَلِمَةُ رَجاءٍ مع كَلِمَةِ يَأسٍ في آيَةٍ واحِدَة. التَّقابُلُ بَينَهُما بِنيَويٌّ لا لَفظيٌّ — كَأَنَّ القرءانَ يَفصِلُ بَينَهُما حتى في النَّظم.

(٣) اقتِرانُ ﴿لِقَآءَ﴾ بِالرَّجاء: يَرِدُ اللِّقاءُ مَفعولًا بِـ«رجو» في ٧ مَواضِع (الكَهف ١١٠، العَنكَبوت ٥، يونس ٧، ١١، ١٥، الفُرقان ٢١، الإسراء ٥٧ ضِمنًا). فَالرَّجاءُ في القرءانِ مَوصولٌ بِاللِّقاءِ غالِبًا.

(٤) اقتِرانُ ﴿رَحۡمَة﴾ بِالرَّجاء: يَرِدُ مَفعولًا بِـ«رجو» في ٤ مَواضِع (البَقَرَة ٢١٨، الإسراء ٢٨، ٥٧، الزُّمَر ٩، القَصَص ٨٦) — فَالرَّجاءُ مِن جِهَةِ ما يُطلَبُ يَنقَسِمُ غالِبًا بَين «اللِّقاء» و«الرَّحمَة».

(٥) التَّوازي اللَّفظيُّ بَين الأَحزاب ٢١ والمُمتَحَنَة ٦: ﴿لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ﴾ — بِنيَةٌ مُتَطابِقَةٌ بِالحَرف، تَأتي في الأَحزاب لِلرَّسولِ وفي المُمتَحَنَة لإِبراهيم. شَرطُ الأُسوَةِ في القرءانِ كُلِّه: رَجاءُ اللهِ واليَومِ الآخِر.

(٦) ﴿أَرۡجِهۡ﴾ مَوضِعانِ مُتَوازِيانِ بِنَفسِ السياق (الأَعراف ١١١، الشُّعَراء ٣٦) — قِصَّةُ موسى مع فِرعَون، تَكَرَّرَت لَفظَتانِ بِفارِقٍ يَسير: ﴿وَأَرۡسِلۡ﴾ (الأَعراف) ↔ ﴿وَٱبۡعَثۡ﴾ (الشُّعَراء)، فَكَشَفَ التَّوازي تَطابُقَ سياقِ القَصَّتَين.

(٧) غِيابُ المُتَكَلِّمِ المُفرَد: لا يَأتي الجِذرُ في القرءانِ بِصيغَة «أَرجو» مَنسوبَةً إلى مُتَكَلِّمٍ مُؤمِنٍ مُفرَد. الصيغُ كُلُّها بِالغائبِ والمُخاطَبِ والجَمعِ — كَأَنَّ الرَّجاءَ في القرءانِ شَأنٌ جَماعيٌّ، لا يَصِحُّ بِه التَّفَرُّدُ.

(٨) ﴿تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ﴾ (فاطِر ٢٩) — استِعارَةٌ تِجاريَّةٌ نادِرَةٌ لِلرَّجاءِ، تَأتي بَعدَ ذِكرِ الصَّلاةِ والإنفاقِ، فَتَجعَلُ الأَعمالَ سِلعَةً مَرجوَّةَ الرِّبح، وهذه الزاويَةُ الاقتِصاديَّةُ لِلرَّجاءِ تُفرَدُ فاطِر بِها.

إحصاءات جَذر رجو

  • المَواضع: ٢٨ مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
  • الصِيَغ: ١٥ صيغة فَريدة.
  • أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: يَرۡجُونَ.
  • أَبرَز الصِيَغ: يَرۡجُونَ (١٠) يَرۡجُواْ (٤) أَرۡجِهۡ (٢) وَتَرۡجُونَ (١) يَرۡجُونَۗ (١) مُرۡجَوۡنَ (١) مَرۡجُوّٗا (١) تَرۡجُوهَا (١)