جَذر نذر في القُرءان الكَريم — 130 مَوضعًا
التَعريف المُحكَم لجَذر نذر في القُرءان الكَريم
نذر هو تقديم أمر ذي تبعة قبل حلوله أو قبل أدائه، بحيث يصير المخاطب أو الملزم على بينة مما يجب حذره أو الوفاء به. يدخل فيه الإنذار الرسالي بالعاقبة، والنذور التي يوجبها العبد على نفسه، والنُّذُر بوصفها رسائل تحذير متتابعة.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
يجمع الجذر بين الإنذار والنذر التعبدي في زاوية واحدة: تبعة معلنة قبل تمامها؛ فالإنذار يسبق العذاب أو الحساب ليحذر السامع، والنذر يسبق الوفاء ليصير الشيء لازما في عهد صاحبه.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر نذر
يدور الجذر نذر في مواضعه القرآنية على معنى جامع: نذر هو تقديم أمر ذي تبعة قبل حلوله أو قبل أدائه، بحيث يصير المخاطب أو الملزم على بينة مما يجب حذره أو الوفاء به. يدخل فيه الإنذار الرسالي بالعاقبة، والنذور التي يوجبها العبد على نفسه، والنُّذُر بوصفها رسائل تحذير متتابعة.
يتبين من المسح أن هذه الزاوية تنتظم مسلكين كبيرين لا ثالث لهما إلا قيد التبعة السابقة: مسلك الإنذار، وهو الغالب، يقدّم العاقبة المخوفة قبل وقوعها — ﴿ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ﴾، ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ﴾؛ ويتفرّع عنه اسم النذير الحامل لهذا البلاغ، والنُّذُر الجمعية بوصفها وقائع التحذير الماضية ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. ومسلك النَّذْر التعبدي يقدّم التزامًا يوجبه العبد على نفسه قبل أدائه — ﴿إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا﴾، ﴿وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ﴾. والمسلكان يلتقيان في بنية واحدة: شيء ذو تبعة يُعلَن أو يُلزَم به سابقًا لحينه، فتؤكد الشواهد أن الفروع المذكورة ليست معاني منفصلة، بل وجوه للزاوية نفسها.
الآية المَركَزيّة لِجَذر نذر
البقرة 6 إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
ورد الجذر في القرآن في 70 رسمًا قرآنيًّا متمايزًا، يرجع بعد تطبيع الإملاء إلى 42 صيغة معيارية؛ فالرقمان لمقياسين لا تناقض بينهما: الأول يعدّ كل صورة رسم متمايزة بضبطها وفواصلها، والثاني يجمع الصور المترادفة رسمًا في صيغة واحدة.
وتنقسم الصيغ وظيفيًّا على مسلكي الجذر: - صيغ الإنذار وما تفرّع عنه: الأفعال (أَنذَرَ، أَنذِرۡ، تُنذِرُ، يُنذِرُ، لِتُنذِرَ، لِّيُنذِرَ، أُنذِرُواْ، وَلِيُنذِرُواْ)، واسم الفاعل (نَذِيرٞ، مُّنذِرٞ، ٱلۡمُنذِرِينَ)، واسم المفعول (ٱلۡمُنذَرِينَ)، والاسم الجمعي للوقائع (ٱلنُّذُرُ، بِٱلنُّذُرِ، وَنُذُرِ). - صيغ النَّذْر التعبدي: الفعل (نَذَرۡتُ، نَذَرۡتُم) والمصدر/الاسم (نَّذۡرٖ، بِٱلنَّذۡرِ، نُذُورَهُمۡ).
وأكثر الرسوم ورودًا: نَذِيرٞ 20، وَنَذِيرٗا 6، وَنُذُرِ 6، ٱلۡمُنذَرِينَ 5، لِتُنذِرَ 4. وغلبة صيغة نَذِيرٞ مفردةً تكشف أن الحضور الراجح للجذر هو اسم الحامل للتحذير. وينبَّه إلى عائق تصنيف: ترِد في جوار آيتَي ﴿لِيُنذِرَكُمۡ﴾ (الأعراف 63 و69) كلمتا وَلِتَتَّقُواْ (جذر وقي) وَٱذۡكُرُوٓاْ (جذر ذكر)، فتُلصَقان أحيانًا بعدّ نذر بالمجاورة؛ والصواب استثناؤهما من معنى الجذر وصيغه، فهما من جذرين آخرين.
الصِيَغ القُرءانيّة لِجَذر نذر — تَجميع آليّ بِالأَوزان
صيغ الجَذر «نذر» مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع).
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر نذر
يرد الجذر في 130 موضعًا موزّعة على 115 آية فريدة، وتنتظم كلها في ثلاثة مسالك لا يخرج عنها موضع: - الإنذار الرسالي: إعلام سابق بعاقبة كفر أو عذاب أو حساب، كما في سؤال الإنذار وعدم الإيمان (البقرة 6)، وإنذار الناس يوم العذاب (إبراهيم 44)، والإنذار بالنار وبالصاعقة. - النذير والنُّذُر: اسمٌ للرسول الحامل لهذا التحذير (هود 25، فاطر 23)، أو للآيات والوقائع الماضية التي تحمل التحذير المتكرر — ﴿ٱلنُّذُرُ﴾ و﴿وَنُذُرِ﴾ في القمر، و﴿نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰ﴾ في النجم. - النذر التعبدي: إلزام سابق يوجبه العبد على نفسه ويطلب الوفاء، كما في نذور الحج (الحج 29)، وما نذرته امرأة عمران ومريم لله (آل عمران 35، مريم 26)، ووفاء الأبرار بالنذر (الإنسان 7). والتعريف يصمد على المسالك الثلاثة بلا موضع شاذ: كلها تبعة معلنة أو ملتزَمة قبل تمامها.
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
القاسم المشترك في كل المواضع هو سبق التبعة على وقوعها: خبر يحذر، أو عهد يلزم، أو آية تنبه. لذلك لا يساوي الجذر مجرد الخوف؛ فالخوف أثر في النفس، أما نذر فإبلاغ أو إلزام سابق.
مُقارَنَة جَذر نذر بِجذور شَبيهَة
| الجذر | وجه الفرق |
|---|---|
| بشر | البشير والنذير قطبا الرسالة الواحدة، يقترنان صريحًا في ﴿بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا﴾ (البقرة 119، سبأ 28، فاطر 24، فصلت 4)؛ فبشر تقديم خير منتظر قبل بلوغه، ونذر تقديم تبعة مخوفة قبل وقوعها. والاتجاهان متضادان والبنية واحدة. |
| حذر | الحذر استجابة المُنذَر وثمرته في المتلقّي، لا فعل المُنذِر؛ يدلّ عليه اقتران الجذرين في ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ (التوبة 122). فالنذير يُبلِّغ، والحذر هو الأثر المطلوب لمن بُلِّغ. |
| خوف | الخوف أثر وجداني في القلب، ونذر فعل تبليغ أو التزام سابق؛ وقد يقع الإنذار ولا يقع الخوف (البقرة 6). |
| وعد | الوعد يثبت خبرًا مستقبلًا مجرّدًا، ونذر يضيف إليه جهة التحذير من التبعة أو الإلزام بالوفاء. |
اختِبار الاستِبدال
لو سوّي نذر ببشر في موضع النار لتغير اتجاه الخطاب من التحذير إلى الوعد بالخير. ولو سوّي بالخوف لضاع فعل الإبلاغ السابق، لأن من لا يؤمن قد يسمع الإنذار ولا يقع الخوف في قلبه.
الفُروق الدَقيقَة
الإنذار يطلب انتباه المخاطب قبل العاقبة، والنذر التعبدي يطلب وفاء الملزم قبل الأداء، واسم النذير يثبت حامل هذا التنبيه. اجتماع هذه الزوايا يمنع اختزال الجذر في التخويف وحده أو في العبادة وحدها.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الأمر والطاعة والعصيان.
صلة الجذر بحقل الأمر والطاعة والعصيان تأتي من جهة أن النذير يكشف تبعة العصيان ويستدعي الطاعة قبل فوات الأوان — ﴿لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا﴾، ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا﴾ — وأن النَّذْر التزامُ طاعةٍ يوجبه العبد على نفسه ويُطالَب بالوفاء به. ومع ذلك فمسلك الإنذار له وجهٌ أصيل في حقل البلاغ الرسالي وفي محور الإيمان والكفر، إذ المُنذَرون يقابلهم المؤمنون وتُذكر عاقبتهم — ﴿فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ﴾ — فلا يُقصَر تبرير صلة الجذر على جهة الطاعة وحدها.
مَنهَج تَحليل جَذر نذر
كشف المسح أن الجذر ذو مسلكين — إنذارٍ ونَذْرٍ تعبدي — لا يجمعهما موضوع واحد (فهذا عذابٌ وذاك عبادة)، وإنما يجمعهما قيدٌ بنيويّ واحد: سبق التبعة على حينها. ومن هنا تَبيّن أن اختبار الضدّ يجب أن يُجرى على المسلك لا على الجذر مجرّدًا: فالإنذار يقابله البشارة قطبًا برسالة واحدة، أما النَّذْر التعبدي فلا يقابله بشر — ولذلك امتنع جعل بشر ضدًّا جامعًا للجذر كلّه، وبقي ضدًّا لوجه الإنذار خاصّةً.
الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر بشر)
في باب الإنذار، يقابل «نذر» جذر «بشر» مقابلة صريحة ومتكررة. النذير يقدّم خبر العاقبة المخوفة قبل وقوعها، والبشير يقدّم خبر الرحمة أو الفوز قبل تمامه؛ كلاهما إعلام سابق، لكن أثرهما في النفس والعمل متقابل. ولا ينبغي إدخال العذاب أو الخوف كأضداد ثانوية؛ فهما متعلق الإنذار أو أثره، لا الجذر المقابل له. وكذلك النذر بمعنى الإلزام الذاتي لا يملك ضدًا مستقلًا داخل هذه العلاقة. لذلك يكون بشر هو المقابل الرئيس المحكم.
- الإنذار والبشارة يشتركان في السبق إلى الخبر ويفترقان في جهة الأثر.
- العذاب متعلق الإنذار وليس ضد الإنذار؛ لذلك لا يدخل secondary.
نَتيجَة تَحليل جَذر نذر
وحدة الجذر ليست في موضوع التبعة — عذابٌ أو عبادة — بل في بنية الزمن: كلُّ موضعٍ يضع المتلقّي قبل لحظة الحسم، قبل نزول العذاب أو قبل أداء العهد، فيمنحه «وقتًا للاستعداد» يحذر فيه أو يوفي. بهذا تنغلق المسالك الثلاثة — الإنذار والنذير والنَّذْر — في نتيجة واحدة لا في تَعداد: الجذر كلّه إعلان تبعةٍ سابقٍ لحينها يفتح للمخاطَب مهلةً للفعل.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر نذر
الشواهد الكاشفة مأخوذة من نص الآيات الداخلي، وكل شاهد يبرز وجها من المعنى الجامع: - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ (البقرة 6) — الإنذار الاستفهاميّ الذي يبيّن أنه إبلاغ سابق قد لا يثمر إيمانًا. - ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ﴾ (البقرة 119) — التقابُل البنيويّ بين النذير والبشير قطبَي الرسالة. - ﴿ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ﴾ (الحج 29) — النَّذْر التعبدي التزامًا يُطلب الوفاء به. - ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (القمر 16) — النُّذُر بوصفها وقائع تحذير ماضية متتابعة. - ﴿نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ﴾ (المدثر 36) — اسم النذير يثبت حامل البلاغ. - ﴿فَأَنذَرۡتُكُمۡ نَارٗا تَلَظَّىٰ﴾ (الليل 14) — الإنذار بالعاقبة المعيّنة قبل وقوعها. - ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ (آل عمران 35) — صيغة الفعل ﴿نَذَرۡتُ﴾ تكشف النَّذْر التعبدي إلزامًا يوجبه العبد على نفسه قبل أدائه. - ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا﴾ (الإنسان 7) — صيغة ﴿بِٱلنَّذۡرِ﴾ تثبت أن وفاء الأبرار بما ألزموا به أنفسهم وجهٌ من المعنى الجامع. - ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ (هود 25) — اسم النذير مسنَدًا إلى الرسول الحامل للتحذير في مقام البلاغ. - ﴿وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القمر 36) — يجمع فعل الإنذار الماضي ﴿أَنذَرَهُم﴾ مع النُّذُر الجمعية في موضع واحد. - ﴿لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ (يس 6) — صيغة الغاية ﴿لِتُنذِرَ﴾ والمبنيّ للمجهول ﴿أُنذِرَ﴾ يبيّنان أن الإنذار إبلاغ سابق يُقصَد به رفع الغفلة.
لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر نذر
يغلب في الجذر اسم النذير وصيغ الإنذار، وهذا يبيّن أن أكثر حضوره في مقام البلاغ السابق للعاقبة. وورود النذور يثبت أن الأصل ليس تخويفا مجردا، بل تبعة معلنة أو ملتزمة قبل تمامها.
أعلى السور تركيزا في هذا الجذر: القمر 12، الأعراف 7، فاطر 7، البقرة 6، يس 6، الأحقاف 6، الأنعام 5، الشعراء 5. وتركّز القمر لافت: ترِد فيها صيغ النُّذُر الجمعية لازمةً لقرين العذاب في ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.
• دَلالة الإسناد: نَحن (الإلهيّ) يَفعَل هَذا الجَذر في 15 مَوضِع — 33٪ من إجماليّ 46 إسناد. • تَركّز مِحوَريّ: 76٪ من الإسنادات تَعود لِفاعِلي مِحوَر «إلهيّ» — 35 من 46. • تَنَوُّع صَرفيّ كَبير: 70 رسمًا قرآنيًّا متمايزًا في القُرآن. • اقتِران نَصّيّ: يَرِد مَع جَذر «قول» في 34 آية. • اقتِران نَصّيّ: يَرِد مَع جَذر «رسل» في 23 آية. • اقتِران نَصّيّ: يَرِد مَع جَذر «بشر» في 22 آية. • حاضِر في 3 إيقاع مُتَكرّر (إيقاعات قَويّة/تامّة).
• أَبرَز الفاعِلين: نَحن (الإلهيّ) (15)، اللَّه (13)، الرَّبّ (7). • تَوزيع مِحوَريّ: إلهيّ (35)، المَخلوقات (7)، الأَنبياء (4).
• اقتران تَقابُل: «بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا» — تَكَرَّر 4 مَرّات في 4 سُوَر. • في نافذة القولتين المجاورتين تَرِد «بَشِيرٗا» جارةً للجذر 4 مَرّات، و«عَذَابِي» 6 مَرّات — فالجوار القريب يُجلّي قطبَي التقابُل والتبعة معًا.
يلتقي الإنذار بالبيان في القرءان عبر بنية نعتيّة ثابتة: لا يُوصَف ﴿نَذِيرٞ﴾ بنعتٍ مُتّصلٍ إلّا بـ﴿مُّبِينٞ﴾.
١) النعت الحصريّ: من بين كلّ مواضع ﴿نَذِير/ٱلنَّذِير﴾، حين يَتبَعها نعتٌ مُتّصلٌ يكون ﴿مُّبِين/ٱلۡمُبِين﴾ في إحدى عشرة آية، ولا يَرِد لها نعتٌ آخر البتّة: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ (الأعراف ١٨٤)، ﴿إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ (هود ٢٥)، ﴿إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ (الحج ٤٩)، ﴿إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ (الشعراء ١١٥)، ﴿وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ (العنكبوت ٥٠)، ﴿إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ (صٓ ٧٠)، ﴿وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ (الأحقاف ٩)، ﴿إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ (الذاريات ٥٠ و٥١)، ﴿وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ (الملك ٢٦)، ﴿إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾ (نوح ٢).
٢) صيغة التعريف: ويأتي الوصف معرّفًا في ﴿إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ﴾ (الحجر ٨٩)، فيتطابق المسلكان نكرةً وتعريفًا.
٣) عدم العكس: لا يَجتمع ﴿مُبِين﴾ نعتًا متّصلًا مع ﴿بَشِير﴾ في موضعٍ واحد، فالبيان لازمٌ للإنذار وحده لا للبشارة، مع أنّهما يَقترنان عطفًا في ﴿بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا﴾ (البقرة ١١٩، سبإ ٢٨، فاطر ٢٤، فصّلت ٤).
٤) البيان مدارُ الرسالة والإنذار معًا: تَنفي المائدة ١٩ خُلوّ الزمان من رسالةٍ مُبيِّنة ثُمّ تُثبتها ﴿فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞ﴾، ويُربَط البلاغ بالإنذار في ﴿هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ﴾ (إبراهيم ٥٢).
إحصاءات جَذر نذر
- المَواضع: 130 مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
- الصِيَغ: 70 صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: نَذِيرٞ.
- أَبرَز الصِيَغ: نَذِيرٞ (20) وَنَذِيرٗا (6) وَنُذُرِ (6) ٱلۡمُنذَرِينَ (5) لِتُنذِرَ (4) لِّيُنذِرَ (3) نَّذِيرٖ (3) ٱلنُّذُرُ (3)
أَبواب الفِعل لِجَذر نذر
الجامع الدلاليّ في الجذر «نذر» هو الإعلام بِأَمرٍ آتٍ يَنبَني عَلَيه التِزام: إمّا التِزامٌ يَفرضه القائل عَلى نَفسه فيُعلِم به ربَّه ﴿نَذَرۡتُ لَكَ﴾، وإمّا التزامٌ يَفرضه المُنذِر عَلى المُنذَرين بِإِعلامهم عَذابًا قَريبًا ﴿فَأَنذَرۡتُكُمۡ نَارٗا تَلَظَّىٰ﴾. ويُوزِّع القرءان هذا المعنى عَلى ثلاثة أَبواب لا يَسدّ أحدها مَسدّ الآخر: المجرَّد «نَذَرَ» يَنحَصِر في وَفاء العَهد لله بِفِعلٍ يُؤَدَّى (صَوم، تَحرير، نَفَقَة) ولا يُسنَد إلّا للناذِر نَفسه، والإفعال «أَنذَرَ» يَنحَصِر في إعلام الغَير بِعَذابٍ قَريب فيُسنَد إلى رَسولٍ يَدعو قَومه أو إلى الله مُخاطِبًا عِبادَه، أمّا بَنية الأَسماء (نَذير، نُذُر، مُنذِر، نَذر) فتَنقُل الفِعل إلى وَصف لازِم أو هَيئة قائمَة. ومَدار الفَرق: مَن المُلتَزِم؟ والالتزام عَلى نَفسه أم عَلى غَيره؟ هل التَحذير حَدَث في الزَمَن أم وَصف مُلازِم؟
- ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓ﴾ (آل عِمران ٣٥)
- ﴿فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا﴾ (مَريَم ٢٦)
- ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥ﴾ (البَقَرَة ٢٧٠)
- ﴿ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ﴾ (الحج ٢٩)
- ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا﴾ (الإنسَان ٧)
- ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ﴾ (إبراهِيم ٤٤)
- ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ﴾ (مَريَم ٣٩)
- ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ﴾ (غَافِر ١٨)
- ﴿وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ﴾ (الأحقَاف ٢١)
- ﴿وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القَمَر ٣٦)
- ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ (نُوح ١)
- ﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ﴾ (المُدثر ٢)
- ﴿إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ﴾ (النَّبَإ ٤٠)
- ﴿فَأَنذَرۡتُكُمۡ نَارٗا تَلَظَّىٰ﴾ (اللَّيل ١٤)
- ﴿فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ﴾ (فُصِّلَت ١٣)
- ﴿أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ﴾ (هُود ٢)
- ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا﴾ (البَقَرَة ١١٩)
- ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا﴾ (الإسرَاء ١٠٥)
- ﴿بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ﴾ (قٓ ٢)
- ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخۡشَىٰهَا﴾ (النَّازعَات ٤٥)
- ﴿هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰ﴾ (النَّجم ٥٦)
- ﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القَمَر ٢٣)
- ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (القَمَر ١٦)
- ﴿قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ﴾ (المُلك ٩)
- ﴿وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ﴾ (القَمَر ٤١)
لَطائف بِنيويّة
- تَوزيع بِنيويّ قاطِع لا يَتَخَلَّف: الباب الأَوَّل «نَذَرَ» يَلتَزِم به البَشَر لِله ﴿إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا﴾ (آل عِمران ٣٥)، وَيَتَكَرَّر النَمَط في (مَريَم ٢٦) و(البَقَرَة ٢٧٠) و(الحج ٢٩) و(الإنسَان ٧). والباب الرابِع «أَنذَرَ» يَلتَزِم به الله أو الرَسول تُجاه البَشَر ﴿أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ (نُوح ١)، ويَتَكَرَّر في (الأحقَاف ٢١) و(المُدثر ٢) و(النَّبَإ ٤٠) و(اللَّيل ١٤). البابان لا يَجتَمِعان قَطّ في مُتَعَلَّق واحِد ولا في فاعِل واحِد، وهذا يَكشِف أنّ الجذر يَنقَسِم إلى جِهَتَين فِعليَّتَين: جِهَة الالتزام الصاعِد مِن العَبد لِربه، وجِهَة الإعلام النازِل مِن الله أو رَسوله إلى العَبد.
- الإنذار في القرءان مُتَعَلَّقه مَخصوص بِالعَذاب والأَيّام الكُبرى ولا يَشذّ عَن ذلك. تَتَبُّع ما يَلي «أَنذَرَ» يُعطي قائمَة مُغلَقَة: ﴿عَذَابٗا قَرِيبٗا﴾ (النَّبَإ ٤٠)، ﴿نَارٗا تَلَظَّىٰ﴾ (اللَّيل ١٤)، ﴿صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ﴾ (فُصِّلَت ١٣)، ﴿بَطۡشَتَنَا﴾ (القَمَر ٣٦)، ﴿بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ﴾ (الكَهف ٢)، ﴿يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ﴾ (مَريَم ٣٩)، ﴿يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ﴾ (غَافِر ١٨)، ﴿يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ﴾ (إبراهِيم ٤٤). فالباب الرابِع لا يَتَوَجَّه إلّا إلى ما يُحذَر مِنه فِعلًا، ولا يُستَعمَل لِلتَرغيب ولا لِلإعلام المُحايِد، ومُقابِله البِنيويّ الثابِت «بَشير» الذي يَتَوَجَّه إلى الخَير.
- ثُنائيَّة «بَشير ونَذير» قانون قِرانٍ نَحويّ شِبه إلزاميّ في الأَسماء: ﴿بَشِيرٞ وَنَذِيرٞ﴾ (المَائدة ١٩) ﴿نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ﴾ (هُود ٢) ﴿بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا﴾ (البَقَرَة ١١٩) وأَمثالها في (الإسرَاء ١٠٥) و(الفُرقَان ٥٦) و(فَاطِر ٢٤) و(فُصِّلَت ٤) و(الأحقَاف ١٢). أَمّا الفِعل «أَنذَرَ» فلا يُقرَن بِـ«بَشَّرَ» إلّا في الكَهف ٢ ﴿لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (الكَهف ٢) و﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا﴾ (مَريَم ٩٧). فالاسم يُلازِم القَرين، والفِعل يَستَقِلّ أَكثَر.
- سورَة القَمَر تَختَصّ بِجَمع «النُّذُر» بِكَثافَة لافِتَة: ٦ مَواضع بِصيغَة الإيقاع المُتَكَرِّر ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (القَمَر ١٦) ثُمَّ (القَمَر ١٨) و(القَمَر ٢١) و(القَمَر ٣٠) و(القَمَر ٣٧)، ومَوضِعان بِصيغَة التَكذيب ﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القَمَر ٢٣) و﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القَمَر ٣٣)، ومَوضِع خاتِم ﴿وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ﴾ (القَمَر ٤١). الإيقاع يَربط كلّ قِصَّة هَلاك (عاد، ثَمود، قَوم لوط، آل فِرعَون) بِجَمع الإنذارات السابِقَة. ولا تُستَعمَل هذه الصيغَة الجَمعيَّة بِهذه الكَثافَة في أَيّ سورَة أُخرى، مِمّا يَكشِف أنّ القَمَر هي السورَة المَركَزيَّة لِبِنيَة الإنذار الجَماعيّ المُكَذَّب به.
- مَوضِع كَشف الفَرق بَين «أَنذَرَ» فِعلًا و«نَذير» وَصفًا: ﴿لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ (يسٓ ٦) — الفِعل وَقَع عَلى المُخاطَبين ولم يَقَع عَلى آبائهم، فالغَفلَة نَتيجَة انعِدام الفِعل. ويُقابِله ﴿لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ﴾ (القَصَص ٤٦) وَنَظيرها في (السَّجدة ٣) — هنا غاب «النَذير» (الوَصف القائم) فاستَتبَع غِياب الفِعل. والقَرينَة الجامِعَة: الإنذار يَستَلزِم نَذيرًا، فإن غاب الوَصف غاب الفِعل.
- الباب الأَوَّل لا يَرِد إلّا بِصيغَة الماضي «نَذَرَ/نَذَرتُ/نَذَرتُم»، ولا يَأتي بِصيغَة المُضارِع ولا الأَمر في القرءان كلّه. وهذا يَكشِف أنّ النَذر فِعل يُذكَر بَعد إنشائه لا يُنشَأ بِالأَمر القرءانيّ. في المُقابِل، الباب الرابِع «أَنذَرَ» يَأتي بِصيغَة الأَمر بِكَثافَة ﴿أَنذِرۡ قَوۡمَكَ﴾ (نُوح ١) ﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ﴾ (المُدثر ٢) ﴿أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ (يُونس ٢) ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ (إبراهِيم ٤٤) ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ﴾ (الشعراء ٢١٤) ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ﴾ (مَريَم ٣٩). فالقرءان لا يَأمُر بِالنَذر ابتداءً، لكنّه يَأمُر بِالإنذار ابتداءً — وهذا فَرق تَكليفيّ مَركَزيّ.
- اسم «المُنذَرين» بِالبِناء لِلمَفعول يَرِد دائمًا في سياق الذَمّ ووَصف الحال السَيِّئَة لِمَن لم يَنتَفِع بِالإنذار ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِينَ﴾ (الصَّافَات ١٧٧) ﴿وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا﴾ (الكَهف ٥٦) ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ﴾ (الأحقَاف ٣). فبِنيَة المَفعوليَّة في هذا الجذر تَستَتبِع دائمًا الإعراض أو السوء، بِخِلاف بِنيَة الفاعِليَّة «مُنذِرين» التي تَرِد في سياق الرُسُل ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (الكَهف ٥٦) ونَظيرها في (الأنعَام ٤٨).
أَدعِيَة قُرءانيّة من جَذر نذر
- آل عِمران — الآية 35–36﴿إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾
- إبراهِيم — الآية 44﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ﴾
- فَاطِر — الآية 37﴿وَهُمۡ يَصۡطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾
اكتِشافات بِنيويّة تَخصّ جَذر نذر
- النذير — الإعلام المسبق قبل كل عقوبة القاعدة التي يكشفها جذر «نذر» في القرآن هي: لا عذاب إلا بعد إنذار. وهذا ليس مبدأً مذكورًا صريحًا في آية واحدة، بل هو بنية مركّبة تتصل في مواضع الجذر كلها. في كل موضع يرد فيه «نذير» أو «منذر» يكون الإ…القاعدة التي يكشفها جذر «نذر» في القرآن هي: لا عذاب إلا بعد إنذار. وهذا ليس مبدأً مذكورًا صريحًا في آية واحدة، بل هو بنية مركّبة تتصل في مواضع الجذر كلها. في كل موضع يرد فيه «نذير» أو «منذر» يكون الإنذار سابقًا على الحدث — إنذارًا للحجة لا للتهديد. والتقابل الثابت «بشير ونذير» يكشف بنية أعمق: البشير يأتي دائمًا قبل النذير في الترتيب اللفظي — ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ﴾ (البقرة 119) — وفي كل موضع اقتران «بشير + نذير» في القرآن لم تُعكس هذه البنية مرة واحدة: البشير سابق دائمًا. هذا الترتيب ليس عرضيًّا — الرسالة تبدأ ببشرى لا بتخويف. كذلك يكشف القمر نمطًا فريدًا: ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ — صيغة الاستفهام التقريري تتكرر ست مرات في السورة الواحدة، بعد قصة كل أمة أُهلكت. «نُذُر» هنا جمع نذير، والاستفهام في كل مرة يجعل الإنذار شرطًا للعذاب: العذاب لم يقع إلا لأن النذير سبق ولم يُستجَب له.
- بشير يتقدّم نذير — قانون ترتيب ثابت في 13 موضعاً في كل موضع من مواضع القرآن يقترن فيه «بشيراً» بـ«نذيراً» — وعددها ثلاثة عشر موضعاً — يتقدم البشير النذيرَ دون استثناء واحد. هذا الترتيب ليس توافقاً عرضياً بل قانون بنيوي مطرد على طول الكتاب. القرآن ل…في كل موضع من مواضع القرآن يقترن فيه «بشيراً» بـ«نذيراً» — وعددها ثلاثة عشر موضعاً — يتقدم البشير النذيرَ دون استثناء واحد. هذا الترتيب ليس توافقاً عرضياً بل قانون بنيوي مطرد على طول الكتاب. القرآن لا يُقدّم الإنذار على البشارة في هذه الصيغة الاقترانية أبداً، وكأن الرسالة تُعرَّف أولاً بما تُبشّر به ثم بما تُنذر منه. والعكس — «نذير ثم بشير» — غير موجود في هذه الثنائية. جذر «نذر» يحضر في القرآن بوجهَين متمايزَين: الإنذار أي التحذير من العذاب، والنذر أي الالتزام الشخصي. وفي سورة القمر يتجلى الجانب الأول بصيغة تكرارية حادة: ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ تتكرر ست مرات في السورة الواحدة — بعد كل قصة من قصص الأقوام المكذِّبة — كأنها طَرق على الباب الواحد مراراً. «نُذُر» هنا جمع إنذار، وتكرارها الستي في سورة واحدة هو الأعلى في القرآن لصيغة استفهامية توبيخية. الجمع بين القانون الترتيبي لـ«بشير/نذير» وبين التكرار الستي لـ«نُذُر» في القمر يُظهر جذراً يعمل على مستويَين: التقديم في الثنائية الرسالية، والتكثيف في سياق الحساب.
- احتِكار سورَة القَمَر لِجَمع «النُّذُر» مَع لازِمَة الإيقاع المُتَكَرِّر صيغَة الجَمع «نُذُر / ٱلنُّذُر» مُحتَكَرَة شِبه كامِلًا في سورَة القَمَر: ١١ من أَصل ١٤ مَوضِعًا لِالجَمع في القرءان كلِّه تَقَع داخل هذه السورَة وَحدها، أَي ٧٨٪، بَينَما لا تَتَجاوَز المَواضِع في كل…صيغَة الجَمع «نُذُر / ٱلنُّذُر» مُحتَكَرَة شِبه كامِلًا في سورَة القَمَر: ١١ من أَصل ١٤ مَوضِعًا لِالجَمع في القرءان كلِّه تَقَع داخل هذه السورَة وَحدها، أَي ٧٨٪، بَينَما لا تَتَجاوَز المَواضِع في كل السور الأُخرى مَجموعَةً ثَلاثَة: يونُس ١٠١ ﴿وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ﴾، والأَحقاف ٢١ ﴿وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ﴾، والنَجم ٥٦ ﴿هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰ﴾. داخل القَمَر يَنقَسِم الجَمع إلى صيغَتَين بِنيويَّتَين: لازِمَة الإيقاع المُتَكَرِّر ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (القَمَر ١٦) ثُمَّ (القَمَر ١٨) و(القَمَر ٢١) و(القَمَر ٣٠)، أَربَع مَرّات بِالنَصّ نَفسه، ثُمَّ تَتَحَوَّل اللازِمَة إلى صيغَة الذَوق ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (القَمَر ٣٧) و(القَمَر ٣٩). وَالصيغَة الثانيَة هي بناء التَكذيب ﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القَمَر ٢٣) و﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القَمَر ٣٣) و﴿فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ﴾ (القَمَر ٣٦) و﴿جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ﴾ (القَمَر ٤١)، مَع التَنويه الافتِتاحيّ ﴿فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ﴾ (القَمَر ٥). فالسورَة تَفتَتِح بِنَفي إغناء الجَمع، ثُمَّ تَبني عَلى أَربَع قِصَص هَلاك (عاد، ثَمود، قَوم لوط، آل فِرعَون) دائرَةً يَتَكَرَّر فيها الجَمع بَعدَ كل قِصَّة، حَتَّى يَصير الجَمع عُنوان البِنيَة.
الجُموع — صِيَغ جَمع جَذر نذر
- 130 مَوضعًاالجَذر «نذر» له ثَلاثة أنماط جَمع: المُنذِرون (8)، المُنذَرون (5)، والنُّذُر جَمع تَكسير (13).
الإدماجات — قَولات مَدموجة من جَذر نذر
- أنذرناكم«أنذرناكم» = «أنذر» + «نا + كم» — قَولة مَدموجة.
الإيقاعات — عِبارات مُتَكَرِّرة تَحوي جَذر نذر
- ﴿كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾
- ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾
- ﴿لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ﴾
- ﴿إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾
- ﴿أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ﴾
- ﴿لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ﴾
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر نذر في القرآن
- «نَذِير» اسم الفاعِل40+ موضعًا
«أَنَا لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ» (الحج 49). صيغة قياسيَّة لِوَصف النَّبيّ.
- «مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا» قياسيَّة10+ مَواضع
«وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا» (سَبأ 28).
- «ٱلنُّذُر» الجَمع
«فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ» (القمر 16، 18، 21، 30، 37، 39). تَكَرَّرَت 6 مَرَّات في سُورة القَمَر — صيغة إيقاعيَّة فَريدَة.
- «أَنذَرۡ» الأَمر
«وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ» (الأنعام 51).
- «ٱلنَّذِير» المَنذور3 مَواضع
«إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا» (آل عمران 35 — أُم مَريم)، «إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا» (مريم 26 — مَريم). صيغة فَريدَة لِلنَّذر بمَعنى التَّعَهُّد.
- «مَّنذِرِين»
«وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ» (الشعراء 214).
- «إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا»النبأ 40
انفِراد. صيغة فَريدَة لِلإنذار النِّهائي.
- «نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ»المدثر 36
انفِراد. النَّبيّ نَذيرٌ لِلبَشَر — صيغة فَريدَة.
- «إِن نُّذُرَنَا إِلَّا بَلَٰغٞ مُّبِينٞ»
تَركيب نادِر.
- «وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ» مَع الإنذار
في سياق سُورة القَمَر.
- «نُذُر» في القمر تَكَرَّرَت 6 مَرَّات في 50 آية
12٪ م