مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر ضرر في القُرءان الكَريم — 74 موضعًا
جواب مباشر
دلالة جذر ضرر في القرءان
دلالة جذر «ضرر» في القرءان: ضرر يدلّ على الأثر السلبيّ الذي يُنقص المُصاب أو يُقلّص ما عنده — حالةً كان ذلك (الضُّرّ/الضرّاء) أو فعلًا يق… ← التعريف الكامل
ورد الجذر 74 موضعًا، في 46 صيغة في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «النفع والضرر». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر ضرر من شواهد القرءان وحده.
الصِيَغ المُسجَّلة ·46
عَرض كُلّ الصِيَغ (46)
التَعريف المُحكَم لجَذر ضرر في القُرءان الكَريم
ضرر يدلّ على الأثر السلبيّ الذي يُنقص المُصاب أو يُقلّص ما عنده — حالةً كان ذلك (الضُّرّ/الضرّاء) أو فعلًا يقع على الغير (يَضُرّ) أو إلجاءً بلغ حدّ إلغاء الاختيار (الاضطرار) أو إيذاءً متعمَّدًا على وزن المفاعلة (الضِّرار)، وقد يُطلَق على العاهة المُقعِدة المانعة (الضَّرَر). وعلامته الثابتة في القرءان: مقابلته للنفع مقابلة الضدّين.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
ضرر جذر النقص المُلحَق — كلّ ما يُنقص المرء أو يُلحق به خسارة في حالٍ أو بدنٍ أو قدرة فهو ضرر. وأبلغ مسالكه الاضطرار: حين يبلغ الضرّ حدًّا يُفقد الإنسانَ القدرة على الاختيار، ومن ثَمّ رُفع عنه الإثم. وقيدُ الجذر كلّه واحد: لا يقع الضرّ ولا ينكشف إلا بإذن الله — ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ (البَقَرَة)، ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ﴾ (يُونس).
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر ضرر
المواضع كثيرة ومتنوّعة، لكنّها تتمحور حول محور واحد: الأثر السلبيّ الذي يُنقص المُصاب. نظرنا في كلّ صيغ الجذر فوجدناها خمسة مسالك ترجع كلّها إلى هذا المحور:
الضُّرّ (الأذى الواقع): مسٌّ يَلحق الإنسان فيُنقصه — ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا﴾ (يُونس)، ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ﴾ (الأنبيَاء)، ﴿مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ﴾ (يُوسُف). الضُّرّ هنا حال إصابة ونقص يلزمه «كاشف»، ولا ينكشف إلا بإذن الله.
يَضُرّ (الفعل المنفيّ في باب القدرة): يَرِد دائمًا في سياق إثبات القدرة على الإيقاع بالغير أو نفيها — ﴿مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ﴾ (يُونس)، ﴿لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا﴾ (آل عِمران). الضرّ هنا: الأثر الناقص الذي يُلحق بالغير خسارة أو أذى.
الضَّرَّاء (حال الشدّة الممتدّة): تَرِد مقترنةً بـ«البأساء» أو «السرّاء» — ﴿بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ (البَقَرَة)، ﴿فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ (آل عِمران). حال شدّة يُختبَر بها العبد.
الاضطرار (بلوغ الإلجاء): الضرّ يبلغ حدًّا يُلغي الاختيار — ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ﴾ (البَقَرَة)، ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ﴾ (النَّمل)، ﴿ثُمَّ نَضۡطَرُّهُمۡ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٖ﴾ (لُقمَان).
الضِّرار (المُضارّة المتعمَّدة): فعلٌ بين الناس على وزن المفاعلة، منهيٌّ عنه — ﴿وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا﴾ (البَقَرَة)، ﴿مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا﴾ (التوبَة). الضِّرار يُضيف قصد الإيقاع بالأذى.
القاسم المشترك: في كلّ صيغة وكلّ موضع، ضرر = أثر سلبيّ يُنقص المُصاب ويُقلّص ما عنده — حالةً يعانيها المرء (الضُّرّ/الضرّاء)، أو فعلًا يقع على الغير (يَضُرّ)، أو إلجاءً أفقده الخيار (الاضطرار)، أو إيذاءً متعمَّدًا (الضِّرار). والسمة الجوهريّة الثابتة: الضرّ في القرءان يقابل النفع مقابلة الضدّين — ﴿مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ﴾، ﴿ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا﴾ — هما طرفا ميزان واحد.
الآية المَركَزيّة لِجَذر ضرر
سورة يُونس ٤٩
قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ
هذه الآية مركز التقابل المعلَن للجذر: تَجمع في نَفَسٍ واحد نفيَ مِلكِ الضرّ والنفع عن النبيّ نفسِه، مع استثناء ما شاء الله؛ فيتأكّد أنّ مِلكَ الضرّ والنفع لله وحده، وأنّ ميزان «ضرّ/نفع» معيار اختبار الإلٰهيّة.
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
| الصيغة | العدد | الوجه الدلاليّ |
|---|---|---|
| ﴿ضَرّٗا﴾ | 6 | وقوع الضرّ أو نفي القدرة عليه |
| ﴿ٱلضُّرُّ﴾ | 5 | الضرّ معرّفًا |
| ﴿وَٱلضَّرَّآءِ﴾ | 4 | الشدّة والبلاء |
| ﴿ٱضۡطُرَّ﴾ | 4 | حال الاضطرار |
| ﴿بِضُرّٖ﴾ | 3 | إصابة الضرّ |
| ﴿ضَرَّآءَ﴾ | 3 | الشدّة في مقابلة السراء |
| ﴿ضُرّٞ﴾ | 3 | ضرّ يقع بالإنسان |
| ﴿يَضُرُّواْ﴾ | 3 | نفي الإضرار |
| ﴿ضَرًّا﴾ | 2 | ضرّ منصوب |
| ﴿ضُرّٖ﴾ | 2 | ضرّ مجرور |
| ﴿ضِرَارٗا﴾ | 2 | إيقاع الضرر على جهة المضارّة |
| ﴿يَضُرُّكُمۡ﴾ | 2 | إضرار موجّه إلى جماعة المخاطبين |
| ﴿يَضُرُّهُمۡ﴾ | 2 | إضرار موجّه إلى الغائبين |
| بقية الصيغ المفردة: ﴿أَضۡطَرُّهُۥٓ﴾، ﴿بِضَآرِّهِمۡ﴾، ﴿بِضَآرِّينَ﴾، ﴿بِضُرٍّ﴾، ﴿تَضُرُّونَهُۥ﴾، ﴿تَضُرُّوهُ﴾، ﴿تُضَآرَّ﴾، ﴿تُضَآرُّوهُنَّ﴾، ﴿ضَرُّهُۥٓ﴾، ﴿ضَرّٗاۚ﴾، ﴿ضُرَّهُۥ﴾، ﴿ضُرِّهِۦٓ﴾، ﴿ضُرّٖۖ﴾، ﴿مُضَآرّٖۚ﴾، ﴿نَضۡطَرُّهُمۡ﴾، ﴿وَٱلضَّرَّآءُ﴾، ﴿يَضُرَّ﴾، ﴿يَضُرُّكَۖ﴾، ﴿يَضُرُّكُم﴾، ﴿يَضُرُّنَا﴾، ﴿يَضُرُّهُمۡۗ﴾، ﴿يَضُرُّهُۥ﴾، ﴿يَضُرُّوكَ﴾، ﴿يَضُرُّوكُمۡ﴾، ﴿يَضُرُّونَ﴾، ﴿يَضُرُّونَكَ﴾، ﴿يُضَآرَّ﴾، ﴿ٱضۡطُرِرۡتُمۡ﴾، ﴿ٱلضَّرَرِ﴾، ﴿ٱلضَّرَّآءُ﴾، ﴿ٱلضُّرَّ﴾، ﴿ٱلضُّرِّ﴾، ﴿ٱلۡمُضۡطَرَّ﴾ | 33 | تنويع بين الضرّ والإضرار والاضطرار والمضارّة |
يتوزّع الجذر بين اسم الضرّ وصيغ الفعل التي تُسنَد إلى ضمائر متعدّدة، وبين الضرّاء والاضطرار والمضارّة. ويُظهر اختلاف الرسم تنوّعًا في الإعراب والوصل والضمائر، مع بقاء الصيغ الكبرى موزّعة بين وقوع الضرّ، والإضرار، وحال الاضطرار.
التَجميع الصَرفيّ الآليّ لِصيَغ جَذر ضرر بِالأَوزان
صيغ الجَذر «ضرر» بِرَسمها التَوقيفيّ، مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع). العَدَد أَعلى كُلّ بِطاقَة تَقريبيّ لِأَنَّ التَجميع آليّ؛ والجَرد الكامِل في شَريط «الصِيَغ المُسجَّلة» أَعلى الصَفحَة.
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر ضرر
يَرِد الجذر «ضرر» في 74 موضعًا ضمن 70 آية فريدة، تنتظم في خمسة مسالك دلاليّة صريحة:
1) مسلك الضُّرّ (الأذى الواقع المكشوف): مسٌّ يَلحق الإنسان فيُنقصه ولا ينكشف إلا بإذن الله — سورة يُوسُف ٨٨، سورة يُونس ١٢، سورة الأنبيَاء ٨٣-٨٤، سورة النَّحل ٥٣-٥٤، سورة الإسرَاء ٥٦، سورة الإسرَاء ٦٧، سورة الرُّوم ٣٣، سورة الزُّمَر ٨، سورة الزُّمَر ٣٨، سورة الزُّمَر ٤٩، سورة الأنعَام ١٧، سورة يُونس ١٠٧، سورة يسٓ ٢٣، سورة المؤمنُون ٧٥.
2) مسلك يَضُرّ في باب القدرة (نفي القدرة عن غير الله): الفعل المنفيّ يكشف عجز المعبودات وعجز الكافرين عن الإضرار بالله — سورة البَقَرَة ١٠٢، سورة آل عِمران ١٤٤، سورة آل عِمران ١٧٦-١٧٧، سورة النِّسَاء ١١٣، سورة المَائدة ٤٢، سورة المَائدة ١٠٥، سورة التوبَة ٣٩، سورة هُود ٥٧، سورة الحج ١٢، سورة مُحمد ٣٢، سورة المُجَادلة ١٠، سورة آل عِمران ١٢٠، سورة الأنبيَاء ٦٦، سورة الفُرقَان ٥٥، سورة يُونس ١٨، سورة يُونس ١٠٦، سورة الأنعَام ٧١، سورة الشعراء ٧٣، سورة الفَتح ١١، سورة الجِن ٢١، سورة طه ٨٩، سورة الرَّعد ١٦، سورة سَبإ ٤٢، سورة المَائدة ٧٦، سورة الحج ١٣.
3) مسلك الضَّرَّاء (حال الشدّة الممتدّة): تقترن بـ«البأساء» أو «السرّاء» اختبارًا للعبد — سورة البَقَرَة ١٧٧، سورة البَقَرَة ٢١٤، سورة الأنعَام ٤٢، سورة الأعرَاف ٩٤، سورة الأعرَاف ٩٥، سورة آل عِمران ١٣٤، سورة هُود ١٠، سورة يُونس ٢١، سورة فُصِّلَت ٥٠.
4) مسلك الاضطرار (بلوغ الإلجاء): يَرِد إمّا في رخصة الضرورة الغذائيّة وإمّا في الإلجاء العقابيّ — سورة البَقَرَة ١٧٣، سورة المَائدة ٣، سورة الأنعَام ١١٩، سورة الأنعَام ١٤٥، سورة النَّحل ١١٥، سورة النَّمل ٦٢، سورة البَقَرَة ١٢٦، سورة لُقمَان ٢٤.
5) مسلك الضِّرار (المُضارّة المتعمَّدة بين الناس على وزن المفاعلة): سورة البَقَرَة ٢٣١، سورة البَقَرَة ٢٣٣، سورة البَقَرَة ٢٨٢، سورة النِّسَاء ١٢، سورة التوبَة ١٠٧، سورة الطَّلَاق ٦؛ ويُفرَد منه «الضَّرَر» اسمًا للعاهة المُقعِدة في سورة النِّسَاء ٩٥.
أبرز السور تركّزًا: البَقَرَة (9)، يُونس (8)، آل عِمران (6)، الأنعَام (5)، المَائدة والزُّمَر (4 لكلّ منهما).
- الصِيَغ: 46 صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: ضَرّٗا.
- أَبرَز الصِيَغ: ضَرّٗا (6) ٱلضُّرُّ (5) ٱضۡطُرَّ (4) وَٱلضَّرَّآءِ (4) يَضُرُّواْ (3) بِضُرّٖ (3) ضَرَّآءَ (3) ضُرّٞ (3)
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
القاسم المشترك: المسّ بالأثر الناقص الواقع المؤثِّر — في البدن أو المال أو الحال أو القدرة.
الجذر الضدّ: نفع — والتقابل بين الجذرين قُطبيّ ثابت في القرءان، يَرِد في النظم نفسِه مكرّرًا ﴿لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ﴾، ﴿ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا﴾.
مُقارَنَة جَذر ضرر بِجذور شَبيهَة
| الجذر | وجه الشبه | وجه الافتراق | الشاهد |
|---|---|---|---|
| سوء | الشرّ | سوء = الشرّ المعنويّ والوصف الأخلاقيّ؛ ضرّ = الأثر الواقع المؤثِّر | ﴿وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ﴾ سورة الأعرَاف ١٨٨ |
| بأس | الشدّة | بأس = الشدّة العقابيّة والقتاليّة؛ ضرّ = الأثر الناقص المتنوّع | ﴿وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ سورة البَقَرَة ١٧٧ |
| ءذي | الأذى | أذى = الإيذاء الخفيف بالقول والفعل؛ ضرّ = الأثر الواقع الأشدّ | ﴿لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ﴾ سورة آل عِمران ١١١ |
وآل عِمران 111 شاهد قاطع على الفرق: ﴿لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ﴾ — يُستثنى «الأذى» من «الضرّ» بأداة الحصر، فدلّ على أنّ الأذى أدنى رتبةً وأنّ الضرّ هو الأثر الواقع المؤثِّر، أقوى من الأذى الخفيف وأخصّ من السوء المعنويّ ومن البأس العقابيّ.
اختِبار الاستِبدال
- في ﴿لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا﴾ (سورة يُونس ٤٩): لو وُضع «شرًّا ولا خيرًا» لتحوّل المعنى من الأثر الواقع الحادث إلى التقييم الأخلاقيّ المجرَّد، ولانكسر التقابل البنيويّ مع «نفع» — فالضرّ أدقّ لأنّه عن القدرة على إيقاع الأثر.
- في ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ﴾ (سورة البَقَرَة ١٧٣): لو وُضع «أُكره» لاختفى معنى الإلجاء ببلوغ الضرّ حدَّه؛ فالاضطرار إكراهٌ نشأ عن الضرّ الشديد تحديدًا، لا مطلق إكراه.
الفُروق الدَقيقَة
- الضُّرّ (اسمًا) = الحال الراهنة من الأذى والنقص؛ مسٌّ يَلحق الإنسان لا ينفصل عن إحساسه به، يلزمه «كاشف»، ولا ينكشف إلا بإذن الله.
- الضَّرَّاء = الحال الممتدّة من الشدّة؛ تقابل «السرّاء» و«النعماء» لا «النفع»، وتقترن بـ«البأساء» اختبارًا للعبد. فالتقابل بين الضرّاء والسرّاء تقابل حالَين، أمّا التقابل البنيويّ مع النفع فمحصور في صيغ «ضرّ/ضرًّا/ضُرّ» المنوّنة وفي الأفعال «يَضُرّ/يَنفَع».
- الضِّرار = الضرّ المتعمَّد على وزن المفاعلة بين الناس بعضِهم على بعض، فعلٌ منهيٌّ عنه يُراد به التعدّي؛ لا نظير له على وزن المفاعلة في «نفع» — فالنفع لا يَرِد مُفاعَلةً بين الناس.
- الاضطرار = بلوغ الضرّ درجةَ إلغاء الاختيار. وهو مسلكان لا يُخلَط أحدهما بالآخر: (أ) اضطرار الرخصة — بلوغ الجوع حدَّ المخمصة فتُباح المحرَّمات الغذائيّة ويُرفع الإثم (سورة البَقَرَة ١٧٣، سورة المَائدة ٣، سورة الأنعَام ١١٩، سورة الأنعَام ١٤٥، سورة النَّحل ١١٥)؛ (ب) اضطرار الإلجاء العقابيّ — سَوقُ الكافر قهرًا إلى العذاب (سورة البَقَرَة ١٢٦ ﴿ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ﴾، سورة لُقمَان ٢٤ ﴿ثُمَّ نَضۡطَرُّهُمۡ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٖ﴾)؛ والاضطرار في القرءان لا يكون إلا إلى ضِيقٍ أو عذاب، لا يَرِد «اضطُرَّ إلى نفعٍ» قطّ.
- الضَّرَر (بفتحتين، معرَّفًا) = العاهة البدنيّة المُقعِدة المانعة، يَرِد فرعًا وحيدًا في ﴿غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾ (سورة النِّسَاء ٩٥)؛ وصفٌ لمن به عجزٌ بدنيّ يَمنعه الجهاد، فهو الضرر بمعنى الحالة المُقعِدة لا الفعل ولا المسّ العارض.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: النفع والضرر.
في حقل «الشرّ والسوء والخبث»: الضرر صورةٌ من صور الشرّ الفاعل الواقع المؤثِّر. في حقل «النقص والضياع»: جوهر الضرر نقصُ ما عند المرء وتقليصُ ما يملك من حالٍ أو بدنٍ أو قدرة.
مَنهَج تَحليل جَذر ضرر
فحصتُ الاستيعاب الكلّيّ لمواضع الجذر الـ74 في 70 آية، ثمّ نظرتُ في الثنائيّة الثابتة (ضرّ/نفع) في نحو عشرين موضعًا، وفي صيغة «الاضطرار» كحدٍّ أقصى للضرر، وفي «الضِّرار» كشكلٍ متعمَّد على وزن المفاعلة، وفي «الضَّرَّاء» كحالٍ ممتدّة، وفي «الضَّرَر» كاسمٍ للعاهة. خرجتُ بمحور واحد يستوعب كلّ موضع بلا شذوذ: الأثر الناقص. الضرر دائمًا ما يُنقص — سواء تحقّق فعلًا أم قُدِّر أم نُفِيت القدرة عليه.
الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر نفع)
الضد النصي لجذر ضرر هو نفع؛ لأن الضرر أثر سلبي ينقص المصاب أو يضيق عليه، والنفع أثر صالح يصل إلى المنتفع فيسد حاجة أو يحقق صلاحا. يتكرر الجمع بينهما في آية واحدة بصيغ متبادلة: لا يضر ولا ينفع، أو لا يملك نفعا ولا ضرا، وهذا يثبت تقابل القدرة والأثر لا مجرد تلازم. أما مسس وكشف ودعاء ورحمة فهي عناصر في مشهد الضرر: المس يصف وقوع الضر، والكشف يصف رفعه، والدعاء أثره في المصاب، والرحمة قد تأتي بعده؛ لذلك لا تصلح أضدادا. ويصح جعل كشف علاقة مكملة؛ لأنه يزيل الضر ولا يقابله كأصل دلالي مستقل.
- يأتي الترتيب أحيانا ضر ثم نفع، وأحيانا نفع ثم ضر، مما يدل على قطبية الأثر لا أولوية ترتيبية ثابتة.
- نفي الملك عن الطرفين يكشف أن مناط التقابل هو القدرة على إيصال أثر أو دفعه.
- الضر في القرءان يطلب كاشفا، أما النفع فيطلب مالكا ومحققا.
أَضداد ثانَويَّة 1
- الكشف يتبع الضر ولا يساويه في رتبة الضد، فهو علاج الحالة لا طرفها المقابل.
- تكرار كشف الضر يحفظ للنفع مقام الضد، وللكشف مقام الرفع والإزالة.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر ضرر
الشواهد الكاشفة لمدلول الجذر، موزّعةً على مسالكه الخمسة:
مسلك الضُّرّ (الأذى الواقع المكشوف): ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (سورة يُونس ١٢)
﴿وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (سورة الأنبيَاء ٨٣)
﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (سورة يُونس ١٠٧)
مسلك يَضُرّ (نفي القدرة عن غير الله): ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ (سورة يُونس ١٨)
﴿قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ (سورة المَائدة ٧٦)
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ (سورة آل عِمران ١٤٤)
مسلك الضَّرَّاء (حال الشدّة الممتدّة): ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (سورة آل عِمران ١٣٤)
﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ﴾ (سورة هُود ١٠)
﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (سورة الأنعَام ٤٢)
مسلك الاضطرار (بلوغ الإلجاء): ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ (سورة البَقَرَة ١٧٣)
﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (سورة النَّمل ٦٢)
﴿نُمَتِّعُهُمۡ قَلِيلٗا ثُمَّ نَضۡطَرُّهُمۡ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٖ﴾ (سورة لُقمَان ٢٤)
مسلك الضِّرار والضَّرَر (المُضارّة المتعمَّدة والعاهة): ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٣١)
﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ (سورة التوبَة ١٠٧)
﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ﴾ (سورة الطَّلَاق ٦)
﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ﴾ (سورة النِّسَاء ٩٥)
الملاحَظات اللَطيفَة عَن جَذر ضرر
- ثنائيّة «البأساء والضرّاء» تَرِد تَكرارًا حرفيًّا بنظمٍ واحد في موضعَين (سورة البَقَرَة ١٧٧، سورة الأنعَام ٤٢)، وبتقديم وتأخير في سورة البَقَرَة ٢١٤ ﴿مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ﴾ وسورة الأعرَاف ٩٤ ﴿بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾؛ هذا الاطّراد يكشف أنّ الزوج صيغة قرءانيّة مَسكوكة لاختبار العبد، لا اقتران عابر.
- اقتران «نفع» مع «ضرّ» في نظم التعجيز عن المعبودات يَتكرّر بصيغته الكاملة في مواضع متشابهة — ﴿مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ﴾ (سورة الأنبيَاء ٦٦)، ﴿مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ﴾ (سورة الفُرقَان ٥٥)، ﴿مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ﴾ (سورة يُونس ١٨)؛ تَكرار البنية يكشف أنّ الجذر في حقل العقيدة أداةُ إثبات القدرة أو نفيِها معيارًا للإلٰهيّة.
- صيغة الماضي المبنيّ للمجهول «ٱضۡطُرَّ» تَرِد أربع مرّات (4/4)، كلّها في سياق رخصة الضرورة الغذائيّة ورفع الإثم — سورة البَقَرَة ١٧٣، سورة المَائدة ٣، سورة الأنعَام ١٤٥، سورة النَّحل ١١٥ — وتنضمّ إليها صيغة «ٱضۡطُرِرۡتُمۡ» (سورة الأنعَام ١١٩) في المسلك نفسِه، فتبلغ مواضع اضطرار الرخصة الغذائيّة خمسةً؛ ويبقى اضطرار الإلجاء العقابيّ مسلكًا منفصلًا في صيغ المضارع «أَضۡطَرُّهُۥٓ» (سورة البَقَرَة ١٢٦) و«نَضۡطَرُّهُمۡ» (سورة لُقمَان ٢٤).
- صيغة «ضِرَارٗا» المنوّنة تنحصر في موضعَين (2/2)، كلاهما يَتلبّس فيه فعلٌ مشروع في ظاهره بنيّة الإيذاء: إمساك المطلَّقة (سورة البَقَرَة ٢٣١) واتّخاذ المسجد (سورة التوبَة ١٠٧)؛ فالمُضارّة المتعمَّدة لا تُذكر بهذه الصيغة إلا حيث يُستَر القصدُ السيّئ بصورةٍ مشروعة.
- صيغة «بِضَآرِّينَ» وَردت مرّةً واحدة (سورة البَقَرَة ١٠٢) في سياق السحر، و«مُضَآرّٖ» مرّةً واحدة (سورة النِّسَاء ١٢) في سياق الوصيّة بالدَّين؛ وكلٌّ منهما قُيِّد بضابطٍ يَمنع وقوع الضرر — ﴿إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ في الأولى، و﴿غَيۡرَ مُضَآرّٖۚ﴾ في الثانية.
- اسم «ٱلضَّرَرِ» بفتحتين يَرِد مرّةً واحدة وحيدة في القرءان كلّه (سورة النِّسَاء ٩٥) ﴿غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾؛ تَفرُّدُ هذه الصيغة يكشف أنّها مسلك خاصّ — الضرّ حين يستقرّ عاهةً بدنيّة مُقعِدة تُعفي صاحبَها من الجهاد، لا فعلًا عارضًا ولا مسًّا منكشفًا.
- هيمنة صيغ المضارع المنفيّ «لا يَضُرّ/لن يَضُرّ» في سياق نفي القدرة عن غير الله تجاوزت عشرة مواضع — نمط ثابت يجعل الجذر في القرءان أداةَ إثبات التوحيد الفعليّ.
يلتقي جذرا «ضرر» و«شهد» في موضعين اثنين فقط من القرءان كلّه، وفي كليهما ينتظم الضرر داخل بنية الشهادة على محور واحد:
1) في آية الدَّيْن، يقترن النهي عن الإضرار مباشرةً بطرفَي التوثيق: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٨٢). فصيغة المفاعلة «يُضارّ» — وهي قصد الإضرار بين طرفين — لا تطال هنا إلا الكاتب والشهيد، أي عمودَي إثبات الحقّ.
2) ضمن السياق نفسه تتكرّر مادّة الشهادة ثلاثًا: ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ﴾ ثمّ ﴿وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٨٢)، فيُحاط فعل الشهادة بسياج يمنع أن يلحقه ضرر، إذ هو موضع حفظ الحقوق لا موضع إيقاع الأذى.
3) في الموضع الثاني ينقلب المحور: يصدر الضرار من الإنسان قصدًا — ﴿ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا﴾ — فتأتي الشهادة من الله كاشفةً للكذب: ﴿وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ (سورة التوبَة ١٠٧). فحيث يكون الضرار فعلًا بشريًّا مستترًا بالحلف، تكون الشهادة الإلهيّة هي الفاضحة له.
4) يجتمع من الموضعين بناء مطّرد: صيغة المفاعلة من «ضرر» (﴿يُضَآرَّ﴾ ﴿ضِرَارٗا﴾) — القصد إلى الإضرار — هي وحدها التي تلابس الشهادة؛ بينما الضرّ الواقع (المسّ والبلاء) لا يقترن بها قطّ. فالشهادة تقابِل ضِرار القصد لا ضُرّ القَدَر: في البقرة بالحماية الشرعيّة لطرفَيها، وفي التوبة بالكشف الإلهيّ لمدبّره.
الزاوية: الضرر الموظَّف بالولد أداةً. ١) جذرا ضرر وولد لا يجتمعان في القرءان كلّه إلا في ثلاثة مواضع: سورة البَقَرَة ٢٣٣، سورة البَقَرَة ٢٨٢، سورة النِّسَاء ١٢ — ومن هذه الثلاثة لا يكون الولد هو متعلَّق المُضارّة فعلًا إلا في موضع واحد. ٢) في سورة البَقَرَة ٢٨٢ وسورة النِّسَاء ١٢ يأتي لفظ الولد في سياق آخر (شهادة الدَّين، والميراث) بينما تقع المُضارّة بين أطراف غيره: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٨٢)، ﴿أَوۡ دَيۡنٍ غَيۡرَ مُضَآرّٖۚ﴾ (سورة النِّسَاء ١٢). ٣) الموضع الجامع بحقّ هو سورة البَقَرَة ٢٣٣: ﴿لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ﴾ — هنا وحده يصير الولد نفسه أداة الإضرار بين الوالدين، تكشفها الباء في ﴿بِوَلَدِهَا﴾. ٤) صيغة المُفاعَلة «ضارَّ يُضارّ» تنفرد عن المجرَّد «ضَرَّ يَضُرّ» بأنها لا ترد إلا في النهي التشريعيّ بين طرفين تجمعهما علاقة قائمة: الوالدة والمولود له (سورة البَقَرَة ٢٣٣)، الكاتب والشهيد (سورة البَقَرَة ٢٨٢)، المطلِّق والمطلَّقة ﴿وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ﴾ (سورة الطَّلَاق ٦). ٥) قانون بنيويّ في هذا الباب: المُضارّة تُقرَن دائمًا بلام التعليل أو بالباء الكاشفة لوسيلة الإضرار (﴿بِوَلَدِهَا﴾، ﴿لِتُضَيِّقُواْ﴾)، ومفعولها في كلّ المواضع طرفٌ ضعيف في العلاقة: والدةٌ، كاتبٌ، شهيدٌ، مطلَّقة — فالضرر هنا ليس أذًى عارضًا يلحق، بل توظيف العلاقة نفسها أداةً للإضرار، والولد في سورة البَقَرَة ٢٣٣ أبرز هذه الأدوات.
1. الموضع الوحيد الذي يجتمع فيه الجذران في آيةٍ واحدةٍ هو سورة يُونس ١٥: ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ — فاجتمع صنفان من «لقي»: لِقَآءَنَا (المواجهة الموعودة) وتِلۡقَآيِٕ نَفۡسِي، ثم «عصي» في عَصَيۡتُ رَبِّي. فاللِّقاء وصولٌ بين طرفين، والمعصية موقفٌ من أمرٍ موجَّه.
2. يجتمع الجذران في فاعلٍ واحدٍ هو آدم على محورين متقابلين: في «لقي» تلقٍّ منجٍ ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ﴾ (سورة البَقَرَة ٣٧)، وفي «عصي» خروجٌ مَدخلُ الغواية ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ﴾ (سورة طه ١٢١). فالتلقّي استقبالٌ لِما جاء من جهة الربّ فأعقبه القَبول، والمعصية نقضٌ للامتثال فأعقبتها الغواية.
3. «لقي» محورُه الوصول المُلامس بين طرفين: لِقاءٌ مواجِه ﴿بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ﴾ (سورة الرَّعد ٢)، وإلقاءٌ توجيهٌ، وتلقٍّ استقبال. أمّا «عصي» فلا يقتضي وصولًا، بل أمرًا سابقًا معلومًا ثم مخالفةً عمليّةً له؛ ولذلك يقابله بِنيويًّا «طوع» لا «لقي»: ﴿سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا﴾ (سورة البَقَرَة ٩٣، سورة النِّسَاء ٤٦) بإزاء ﴿سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا﴾.
4. «عَصِيّٗا» صفةٌ لازمةٌ للرفض، نُفيت في يحيى ﴿وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا﴾ (سورة مَريَم ١٤) وأُثبتت في الشيطان ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا﴾ (سورة مَريَم ٤٤). بينما «لقي» يصف حدثَ الوصول لا هيئةَ النفس؛ فهو فِعلُ اتصال، و«عصي» موقفُ خروجٍ يثبت صفة.
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر ضرر في القرءان
يجتمع الجذران في فاعلٍ واحدٍ هو آدم على محورين متقابلين: في «لقي» تلقٍّ منجٍ ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِ﴾ (سورة البَقَرَة ٣٧)، وفي «عصي» خروجٌ مَدخلُ الغواية ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ﴾ (سورة طه ١٢١). فالتلقّي استقبالٌ لِما جاء من جهة الربّ فأعقبه القَبول، والمعصية نقضٌ للامتثال فأعقبتها الغواية.
أَبواب الفِعل لِجَذر ضرر
الجذر «ضرر» يَدور على إلحاق الأَذى ونَقص النَفع، وقد وَزَّعَه القُرءان على ثلاثة أَبواب لا يَسُدّ أَحدُها مَسَدّ الآخَر: المُجرَّد «ضَرَّ يَضُرّ» يُسلَّط على فاعِل ومَفعول مَقصودَين، ويَنفي القُرءان جَدواه حين يَكون المَفعول هو الله أو الرَسول أو المُهتَدي ﴿لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ﴾ (سورة آل عِمران ١١١). وباب المُفاعَلَة «ضارَّ يُضارّ» يُفيد إِلحاق ضَرَر بَين طَرَفَين تَجمَعهما عَلاقَة (والِدَة ومَولود، كاتِب وشَهيد، مُطَلِّق ومُطَلَّقَة)، ويَرِد كُلُّه في سياق نَهي تَشريعيّ. وباب الأَسماء والمَصادِر يَحمِل اسم الحال «الضُّرّ، الضَّرَّاء، الضَّرَر» وما اشتُقَّ من «اضْطُرَّ» الدالّ على وُقوع الإِنسان تَحت ضَغط لا فَكاك مِنه. مَدار الفَرق: هَل الضَّرَر فِعل مَقصود من فاعِل (المُجرَّد)، أَم تَبادُل في عَلاقَة شَرعيَّة (المُفاعَلَة)، أَم حالٌ نازِلَة بِالإنسان أو إِكراه واقِع علَيه (الأَسماء)؟
- ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ﴾ (سورة البَقَرَة ١٠٢)
- ﴿لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ﴾ (سورة آل عِمران ١١١)
- ﴿وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ﴾ (سورة آل عِمران ١٢٠)
- ﴿وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ﴾ (سورة آل عِمران ١٤٤)
- ﴿إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ﴾ (سورة آل عِمران ١٧٦)
- ﴿لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ﴾ (سورة المَائدة ١٠٥)
- ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ﴾ (سورة يُونس ١٨)
- ﴿يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ﴾ (سورة الحج ١٢)
- ﴿لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٣٣)
- ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٨٢)
- ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ﴾ (سورة الطَّلَاق ٦)
- ﴿وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٣١)
- ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ﴾ (سورة الأنعَام ١٧)
- ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ﴾ (سورة يُونس ١٢)
- ﴿وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ﴾ (سورة يُونس ٢١)
- ﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ﴾ (سورة الأنبيَاء ٨٤)
- ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ﴾ (سورة هُود ١٠)
- ﴿ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ (سورة البَقَرَة ١٢٦)
- ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (سورة التوبَة ١٠٧)
لَطائف بِنيويّة
- اللَّطيفَة المَركَزيَّة — الباب المُجرَّد «يَضُرّ» يَرِد في القُرءان غالِبًا في سياق نَفي مُطلَق أو نَفي مُقَيَّد بِشَرط: ﴿فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ﴾ (سورة آل عِمران ١٤٤) ﴿لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا﴾ (سورة آل عِمران ١٧٦) ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ﴾ (سورة النِّسَاء ١١٣) ﴿لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ﴾ (سورة المَائدة ١٠٥) ﴿لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ﴾ (سورة يُونس ١٨). فالقُرءان لا يُقَرِّر وُقوع الضَّرَر بـ«يَضُرّ» إلا نادِرًا؛ بل يَستَخدِم هذه الصيغَة لِيُبطِل قُدرَة الفاعِل المَزعومَة على الضَّرَر.
- قانون الاقتِران مع «نَفَع» — في عَشَرَة مَواضِع على الأَقَلّ يُقتَرَن «يَضُرّ/ضَرّ» بـ«يَنفَع/نَفع» في صيغَة نَفي مَعبودات الباطِل: ﴿لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا﴾ (سورة المَائدة ٧٦) ﴿لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ (سورة الأنعَام ٧١) ﴿لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا﴾ (سورة الأعرَاف ١٨٨) ﴿لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا﴾ (سورة يُونس ٤٩) ﴿لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ﴾ (سورة يُونس ١٠٦) ﴿لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ﴾ (سورة الرَّعد ١٦) ﴿وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا﴾ (سورة طه ٨٩) ﴿مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ﴾ (سورة الأنبيَاء ٦٦) ﴿لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ﴾ (سورة الحج ١٢). الضَّرّ والنَّفع مَلَكَتان لا يَملِكهما إلا الله، ولذلك يُجمَعان في كل نَفي عن المَعبودات.
- تَفريق صَريح بَين الباب المُجرَّد والاسم في سورة يُونس ١٢ — الآية تَجمَع بَين الاسم «الضُّرّ» (ثَلاث مَرَّات) والفِعل «يَدعو» في سياق واحِد: «وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا … فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ». الاسم «الضُّرّ» يَنزِل بِالإِنسان بِفِعل «مَسّ» و«كَشف» — أَفعال خارِجَة عن مادَّة ضرر، فالاسم حالٌ نازِلَة لا فِعل مَقصود. ولو كان فِعلًا قاصِدًا لَورَدَ «يَضُرّ» بِدلَ «مَسَّ».
- تَفريق صَريح بَين باب المُفاعَلَة والمُجرَّد في سورة البَقَرَة ١٠٢-٢٣١-٢٣٣ — اسم الفاعِل المُجرَّد ﴿بِضَآرِّينَ﴾ (سورة البَقَرَة ١٠٢) يَجيء مُقَيَّدًا بـ﴿إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾، أَي أَنَّه فِعل لا يَستَقِلّ به الفاعِل البَشَريّ. في حين تَجيء صياغَة المُفاعَلَة ﴿لَا تُضَآرَّ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٣٣) ﴿ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٣١) مَنهيًّا عنها في عَلاقَة قائمَة بَين طَرَفَين شَرعيَّين. الفَرق: الأَوَّل وَصف لِحال الفاعِل ومَدى استِقلاله، والثاني وَصف لِنَوع الإِضرار في عَلاقَة شَرعيَّة.
- تَوزيع المَفعول قانون بِنيويّ — مَفعول «يَضُرّ» في الباب المُجرَّد يَكون في الأَغلب الله أو الرَسول أو المُهتَدي (سورة آل عِمران ١٤٤، ١٧٦؛ سورة النِّسَاء ١١٣؛ سورة المَائدة ٤٢؛ سورة المَائدة ١٠٥؛ سورة التوبَة ٣٩؛ سورة هُود ٥٧)، وكُلُّها مَواضِع نَفي. أمّا مَفعول «ضارَّ» في المُفاعَلَة فَدائمًا طَرَف ضَعيف بِنيويًّا في عَلاقَة قائمَة: والِدَة (سورة البَقَرَة ٢٣٣)، كاتِب وشَهيد (سورة البَقَرَة ٢٨٢)، مُطَلَّقَة (سورة الطَّلَاق ٦). القُرءان لا يَصوغ المُفاعَلَة إلا في سياق حِمايَة الطَرَف الأَضعَف.
- الضِرار بَوَّابَة الكُفر — مَصدَر «ضِرارًا» يَرِد في مَوضِعَين فَقَط (سورة البَقَرَة ٢٣١ وسورة التوبَة ١٠٧)، وفي كِلَيهما يَكون قَصدًا فاسِدًا يَتَّخِذ صورَة فِعل مَشروع ظاهِرًا: إِمساك الزَوجَة (سورة البَقَرَة ٢٣١)، بِناء مَسجِد (سورة التوبَة ١٠٧). والـ﴿ضِرَارٗا﴾ في سورة التوبَة ١٠٧ مَعطوف على ﴿وَكُفۡرٗا﴾، مِمّا يَكشِف أَنَّ القَصد إلى الإِضرار بِالمُؤمِنين قَرين الكُفر بِنيويًّا.
- اضْطِرار الإِنسان بَوَّابَة الإِخلاص — اسم «المُضطَرّ» وفِعل «اضْطُرَّ» يَكشِفان حال انكِسار الإِنسان حين تَنحَسِر عنه الأَسباب، وفي هذه الحال لا يَدعو إلا الله، كَما يَكشف نَظير ذلك في سورة يُونس ١٢ ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا﴾. فالاضْطِرار في القُرءان لَيس مَكروهًا بِإِطلاق، بل قَد يَكون بَوَّابَة الرُجوع إلى الله، والصِيغَة في سورة البَقَرَة ١٢٦ ﴿ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ﴾ تَكشِف أَنَّ فاعِل الاضْطِرار في النِهايَة هو الله نَفسه، لا غَيره.
أَدعِيَة قُرءانيّة من جَذر ضرر
- البَقَرَة — الآية 126–129﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ ﴿وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ ﴿رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ﴿رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾
- الأنبيَاء — الآية 83﴿۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾
- يسٓ — الآية 22–27﴿وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ ﴿ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ﴾ ﴿إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ ﴿إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ﴾ ﴿قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ﴾ ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ﴾
اكتِشافات بِنيويّة تَخصّ جَذر ضرر
- الضَّرّ يَغلِب نَفيُه عن المَعبودات مَقروناً بِالنَّفع حين يَنفي القرءان عن المَعبودات قُدرَةً، لا يَنفي الضَّرّ وَحدَه ولا النَّفع وَحدَه، بَل يَجمَع القُطبَين في صيغَة واحِدَة مُطَّرِدَة: ﴿ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا﴾ أَو ﴿نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا﴾. في عَشَرَة مَ…حين يَنفي القرءان عن المَعبودات قُدرَةً، لا يَنفي الضَّرّ وَحدَه ولا النَّفع وَحدَه، بَل يَجمَع القُطبَين في صيغَة واحِدَة مُطَّرِدَة: ﴿ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا﴾ أَو ﴿نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا﴾. في عَشَرَة مَواضِع يَتَلازَم الجَذران لَفظيًّا في سياق نَفي المُلك عَن غَير الله: ﴿قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ﴾ (سورة المَائدة ٧٦)، ﴿مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ (سورة الأنعَام ٧١)، ﴿لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا﴾ (سورة الرَّعد ١٦)، ﴿وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا﴾ (سورة طه ٨٩)، ﴿مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ﴾ (سورة الأنبيَاء ٦٦). والقاعِدَة تَشمَل نَفي القُدرَة عَن النَبيّ نَفسِه: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا﴾ (سورة الأعرَاف ١٨٨)، ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا﴾ (سورة يُونس ٤٩)، ﴿لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ﴾ (سورة يُونس ١٠٦). وحتّى حين يُطرَح المُلك سؤالًا يَبقى القُطبان مَعًا: ﴿فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ﴾ (سورة الفَتح ١١). فالضَّرّ والنَّفع مَلَكَتان يَغلِب اقتِرانُهما حين يُحَرَّر التَوحيد من دَعوى المُلك دون الله: فَجاءَ الجَمع بَينَهما جامِعًا لِطَرَفَي ما يَتَعَلَّق بِه الداعي.
- باب الافتِعال «ٱضۡطُرَّ»: من إلحاق الضَّرّ إلى الإلجاء القَهريّ باب «الافتِعال» من «ضرر» (ٱضۡطُرَّ / مُضۡطَرّ) لا يَدور على إلحاق الضَّرّ، بل على الإلجاء إليه قَهرًا؛ فهو ثَمانية مَواضِع تَنقَسِم قُطبَين مُتَقابِلَين في الفاعِل والغايَة. القُطب الأَوَّل لازِمٌ مَ…باب «الافتِعال» من «ضرر» (ٱضۡطُرَّ / مُضۡطَرّ) لا يَدور على إلحاق الضَّرّ، بل على الإلجاء إليه قَهرًا؛ فهو ثَمانية مَواضِع تَنقَسِم قُطبَين مُتَقابِلَين في الفاعِل والغايَة. القُطب الأَوَّل لازِمٌ مَبنيٌّ لِلمَجهول، فيه الإنسان مُلجَأٌ بِالضَّرورَة، ويَأتي حَصرًا رُخصَةً في أَكل المُحَرَّم: ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ﴾ (سورة البَقَرَة ١٧٣)، ﴿إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ﴾ (سورة الأنعَام ١١٩) — خَمسة مَواضِع كُلُّها في سياق الطَّعام المُحَرَّم، يُرفَع بها الإثم. القُطب الثاني مُتَعَدٍّ فاعِلُه الله، يُلجِئ المُمتَّع الكافِر إلى العَذاب: ﴿ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ﴾ (سورة البَقَرَة ١٢٦)، ﴿ثُمَّ نَضۡطَرُّهُمۡ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٖ﴾ (سورة لُقمَان ٢٤) — وكِلاهما يُسبَق بـ«التَّمتيع القَليل». ويَبقى المُضطَرّ اسمًا واحِدًا لِلمُلجَإ الداعي: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (سورة النَّمل ٦٢). فالباب كُلُّه يَدور على الإكراه والإلجاء لا على فِعل الأَذى، وهذا يُفارِق المُجرَّد «ضَرَّ يَضُرّ».
الجُموع — صِيَغ جَمع جَذر ضرر
- 74 موضعًاالجَذر «ضرر» له نمَطُ جَمعٍ واحِد نادِر: الضارّون (موضع واحد).
الإيقاعات — عِبارات مُتَكَرِّرة تَحوي جَذر ضرر
- ﴿لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ﴾
- ﴿يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ﴾
- ﴿لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ﴾
- ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ﴾
- ﴿ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ﴾
- ﴿نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا﴾