مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر خصم في القُرءان الكَريم — 18 موضعًا
جواب مباشر
دلالة جذر خصم في القرءان
دلالة جذر «خصم» في القرءان: خصم = المخاصمة أو دورُ الطرف فيها. تقع بين أطراف في قولٍ أو دعوى أو موقف، وتأتي الصيغ لتسمية المتنازعين أو فع… ← التعريف الكامل
ورد الجذر 18 موضعًا، في 12 صيغة في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «الجدل والحجاج والخصام». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر خصم من شواهد القرءان وحده.
الصِيَغ المُسجَّلة ·12
التَعريف المُحكَم لجَذر خصم في القُرءان الكَريم
خصم = المخاصمة أو دورُ الطرف فيها. تقع بين أطراف في قولٍ أو دعوى أو موقف، وتأتي الصيغ لتسمية المتنازعين أو فعل تنازعهم. ويصف ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ سورة النَّحل ٤ و﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ سورة البَقَرَة ٢٠٤ و﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ سورة الزُّخرُف ٥٨ شخصًا أو قومًا من جهة المخاصمة. فلا يُحمل الوصف وحده على خصومة واقعة في كل لحظة، ولا يُفصل عن العلاقة التي يدل عليها الجذر.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
خصم يصف المخاصمة أو دورَ الطرف فيها: فعلًا بين أطراف، أو تسميةً لهم، أو وصفًا لمن يقوم بالمخاصمة. وتعرض المواضع نزاعًا قضائيًا وأخرويًا، وتعرض كذلك صفة الخصيم دون تفصيل خصومةٍ حاضرة.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر خصم
يدل الجذر على المخاصمة: علاقةُ تنازعٍ بين أطراف، أو دورُ طرفٍ فيها. وتعرض الصيغُ وقوعَ التنازع، وتسمّي أطرافه، أو تصف شخصًا أو قومًا بأنهم خصيم أو خصمون. فوصفُ ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ سورة النَّحل ٤ و﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ سورة الزُّخرُف ٥٨ يثبت اتصافًا بالمخاصمة أو قيامًا بدورها. ولا يوجب أن تكون كل صيغة حكايةَ نزاعٍ حاضرٍ بين طرفين ظاهرين.
الآية المَركَزيّة لِجَذر خصم
الشاهد المركزي: سورة الحج ١٩: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ﴾
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
| الصيغة | العدد | الوجه |
|---|---|---|
| ﴿يَخۡتَصِمُونَ﴾ | 4 | فعل مضارع |
| ﴿خَصِيمٞ﴾ / ﴿خَصِيمٗا﴾ | 3 | وصف |
| ﴿خَصۡمَانِ﴾ | 2 | تثنية |
| ﴿ٱلۡخِصَامِ﴾ | 2 | مصدر معرّف |
| ﴿تَخَاصُمُ﴾ | 1 | مصدر |
| ﴿تَخۡتَصِمُواْ﴾ | 1 | فعل مضارع |
| ﴿تَخۡتَصِمُونَ﴾ | 1 | فعل مضارع |
| ﴿خَصِمُونَ﴾ | 1 | وصف جمع |
| ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ | 1 | فعل مضارع |
| ﴿ٱخۡتَصَمُواْ﴾ | 1 | فعل ماضٍ |
| ﴿ٱلۡخَصۡمِ﴾ | 1 | اسم معرّف |
يتوزّع الجذر بين أفعالٍ تدلّ على وقوع المخاصمة أو توجّهها، وأسماءٍ تعرض أطرافها أو وصفهم، ومصادرٍ تسمّي الحالة نفسها. ويبرز الفعل المضارع في بناء الحضور المتجدّد للمخاصمة، إلى جانب انتقال الصيغ بين المفرد والتثنية والجمع.
التَجميع الصَرفيّ الآليّ لِصيَغ جَذر خصم بِالأَوزان
صيغ الجَذر «خصم» بِرَسمها التَوقيفيّ، مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع). العَدَد أَعلى كُلّ بِطاقَة تَقريبيّ لِأَنَّ التَجميع آليّ؛ والجَرد الكامِل في شَريط «الصِيَغ المُسجَّلة» أَعلى الصَفحَة.
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر خصم
إجمالي المواضع: 18 موضعًا في 17 آية، منها 1 آية تحوي أكثر من موضع.
- سورة البَقَرَة ٢٠٤ — ٱلۡخِصَامِ
- سورة آل عِمران ٤٤ — يَخۡتَصِمُونَ
- سورة النِّسَاء ١٠٥ — خَصِيمٗا
- سورة النَّحل ٤ — خَصِيمٞ
- سورة الحج ١٩ — خَصۡمَانِ، ٱخۡتَصَمُواْ
- سورة الشعراء ٩٦ — يَخۡتَصِمُونَ
- سورة النَّمل ٤٥ — يَخۡتَصِمُونَ
- يسٓ سورة يسٓ ٤٩ — يَخِصِّمُونَ
- يسٓ سورة يسٓ ٧٧ — خَصِيمٞ
- صٓ سورة صٓ ٢١ — ٱلۡخَصۡمِ
- صٓ سورة صٓ ٢٢ — خَصۡمَانِ
- صٓ سورة صٓ ٦٤ — تَخَاصُمُ
- صٓ سورة صٓ ٦٩ — يَخۡتَصِمُونَ
- سورة الزُّمَر ٣١ — تَخۡتَصِمُونَ
- سورة الزُّخرُف ١٨ — ٱلۡخِصَامِ
- سورة الزُّخرُف ٥٨ — خَصِمُونَ
- قٓ سورة قٓ ٢٨ — تَخۡتَصِمُواْ
- الصِيَغ: 12 صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: يَخۡتَصِمُونَ.
- أَبرَز الصِيَغ: يَخۡتَصِمُونَ (4) ٱلۡخِصَامِ (2) خَصِيمٞ (2) خَصۡمَانِ (2) خَصِيمٗا (1) ٱخۡتَصَمُواْ (1) يَخِصِّمُونَ (1) ٱلۡخَصۡمِ (1)
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
جامع المواضع هو المخاصمة بوصفها علاقةَ تنازعٍ أو دورًا فيها. فتظهر الأطراف صريحةً في ﴿خَصۡمَانِ﴾، وتظهر المخاصمة فعلًا أو مصدرًا، ويأتي ﴿خَصِيمٞ﴾ وصفًا لمن يتجه إلى هذا الدور. لذلك لا يلزم أن يكشف كل موضع عن طرفين ظاهرين أو عن دعوى مفصلة.
مُقارَنَة جَذر خصم بِجذور شَبيهَة
يفترق خصم عن جدل بأن الجدل إبراز الحجة وترديدها، أما الخصم فهو وضع نزاعي بين أطراف. ويفترق عن مرى بأن المراء منازعة في الحق بعد ظهوره، أما الخصام أعم في مواضع الحكم والآخرة والكلام. ويفترق عن بغي بأن البغي ظلم في التعدي، أما الخصومة فقد تكون موضع حكم ولو وقع فيها بغي.
اختِبار الاستِبدال
في سورة النِّسَاء ١٠٥ لا يكفي معنى جدل؛ لأن النهي عن أن يكون النبي خصيمًا للخائنين يخص موقع الطرف المنافح. وفي ص 22 لا يصلح مراء بدل خصمان؛ لأن النص يطلب الحكم بين طرفين. وفي ق 28 النهي عن الاختصام لدى الله يثبت موقف المنازعة لا مجرد القول.
الفُروق الدَقيقَة
تُظهر المواضع وجوهًا متعددة للجامع نفسه. ففيها وصف الإنسان بالخصومة، وخصومةٌ يُطلب فيها الحكم، وتخاصمٌ في الآخرة. ويختلف المشهد، لكن الصيغ تبقى متصلة بعلاقة التنازع أو بدور الطرف فيها.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الجدل والحجاج والخصام.
ينتمي إلى حقل الجدل والحجاج والخصام، وزاويته الخاصة ليست صناعة الحجة وحدها، بل تحوّل القول أو الموقف إلى مواجهة بين خصمين.
مَنهَج تَحليل جَذر خصم
عُدَّ في سورة الحج ١٩ موضعان؛ لأن الآية تجمع ﴿خَصۡمَانِ﴾ و﴿ٱخۡتَصَمُواْ﴾. وسُجِّلت ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ في سورة يسٓ ٤٩ بصورتها المرسومة المستقلة في الجدول. وهي صورة مدغمة للفعل في الرسم، لا أساسَ لزيادة معنى عليها من الرسم وحده.
الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر حكم)
خصم يدل على مقابلة نزاعية بين طرفين أو أكثر، وأقوى طرف قرءاني يقابله في الوظيفة هو حكم؛ لأن الخصومة تطلب فصلًا أو تقابل حكم العدل بانحياز الخصيم. في النساء يأتي الحكم بالحق بين الناس ثم النهي عن أن يكون المخاطب خصيمًا للخائنين: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾. وفي ص يجتمع الخصمان وطلب الحكم بينهما بالحق: ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾. فحكم ليس ضدًا لفظيًا لخصم، لكنه المقابل السياقي الذي ينقل الموقف من تنازع الأطراف إلى فصل الحق بينهم. أما لدد وجدال وبغي فهي أوصاف أو أفعال داخل الخصومة لا تقابلها. لذلك تسجل العلاقة مع حكم بوصفها مقابلة سياقية في الآية نفسها، لا ضدًا صريحًا مطلقًا.
- الخصومة تقيم طرفين متقابلين، والحكم يطلب رفع هذا التقابل إلى فصل عادل.
- اجتماع الجذرين مرتين يجعل العلاقة وظيفية لا عرضية: نزاع يعرض، وحكم يفصل.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر خصم
- سورة البَقَرَة ٢٠٤: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾
- سورة النِّسَاء ١٠٥: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾
- سورة النَّحل ٤: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾
- سورة الحج ١٩: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ﴾
- صٓ 22: ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾
- سورة الزُّمَر ٣١: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾
- قٓ 28: ﴿قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ﴾
الملاحَظات اللَطيفَة عَن جَذر خصم
تتكرر صيغة ﴿يَخۡتَصِمُونَ﴾ أربع مرات في مواضع الجذر. وترد صيغة ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ مرة واحدة. وتقع الثانية مع الأخذ المباغت: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾ سورة يسٓ ٤٩. وهذا فرق في توزيع الصيغ والرسم، لا دليل مستقل على زيادة معنى من الإدغام.
في عدة مواضع تقترن الخصومة بالقول أو الحجاج أو الحكم. فمنها ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ ثم ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ سورة البَقَرَة ٢٠٤. ومنها ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ سورة الزُّخرُف ٥٨، ووصف الإنسان ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ سورة النَّحل ٤ وسورة يسٓ ٧٧.
ويظهر الحكم في ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ سورة النِّسَاء ١٠٥. ويظهر كذلك في قولهم: ﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ﴾ ص ٢٢. لكن سورة النِّسَاء ١٠٥ واقعة ضمن سياق صلاة الخوف القريب، فلا يصح جعل هذا الاقتران حكمًا على كل سياق مواضع الجذر.
وتعرض آيات أخرى العداوة في سياقاتها الخاصة: ﴿أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ﴾ سورة المَائدة ٩١، و﴿فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾ سورة فُصِّلَت ٣٤. كما يرد ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ و﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ سورة الأنفَال ٦٠. وتدل هذه المواضع على تنوع السياقات، لا على فصلٍ مطلق بين الخصومة والعداوة.
وفي بعض المواضع تتصل الخصومة بمقام الرب أو بيوم القيامة. قال تعالى: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ سورة الحج ١٩، وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ سورة الزُّمَر ٣١. ويتصل بالأول ما بعده من عذاب الكافرين، وتسمّي ص ٦٤ ﴿تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾. وهذا مسار بعض المواضع، لا تفسيرٌ جامع لها كلها.
وتذكر ص ٦٩ أيضًا: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾. فلا تدخل هذه الآية في الخصومة القضائية بين الناس، بل توسع موضع الفعل. ويؤكد ذلك أن سورة آل عِمران ٤٤ يذكر منافسةً على الكفالة: ﴿يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ﴾.
تظهر التثنية بوضوح في ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ﴾ سورة الحج ١٩ و﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾ ص ٢٢. لكنها لا تضع قانونًا ثنائيًا لكل المواضع. فـ﴿نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ﴾ ص ٢١ يذكر الخصم بصيغة الاسم المعرّف، كما يرد ﴿وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾ سورة الزُّخرُف ١٨.
ويَرِد لفظ ﴿يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ سورة آل عِمران ١٥٥ وآل عمران ١٦٦ وسورة الأنفَال ٤١، كما يرد ﴿فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ سورة الشعراء ٦١. وفي مواضع خصم المعروضة لا يجتمع اللفظان في آية واحدة. وهذا فرقٌ في الاستعمال المعروض، لا حدٌّ جامع لمعنى كل من الجذرين.
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر خصم في القرءان
من لطائف الجذر أن صيغة يختصمون هي الأكثر تكرارًا بأربع وقوعات، وأن سورة ص تجمع أربع زوايا: الخصم، خصمان، تخاصم أهل النار، واختصام الملأ الأعلى. هذا يجعل السورة مركزًا لاختبار اتساع الجذر.
لطيفة بنيوية تُضاف إلى لطائف «خصم» — الصورة المُدغَمة الفريدة:
للجذر صورتان رسميّتان من صورة الخصومة المتبادلة: صورةٌ تَرِد بأربعة مواضع ﴿يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة آل عِمران ٤٤، سورة الشعراء ٩٦، سورة النَّمل ٤٥، ص ٦٩)، وصورةٌ مُدغَمةٌ لا تَرِد إلّا مرّةً واحدةً في كلّ القرءان ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ (سورة يسٓ ٤٩). وتنفرد هذه الصورة الوحيدة بأنّها تقع في سياق البغتة، إذ تأخذهم الصيحةُ الواحدةُ وهم في عين المخاصمة: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾، فاجتماع الصورة الرسميّة الفريدة مع الأخذ المفاجئ يجعل هذا الموضع منفردًا في توزيع صور الجذر داخل القرءان. تنبيه: لا يُدرَج «التضعيف = مبالغة» ولا يُذكَر تعليل نحويّ مستورد؛ الملاحظة مقصورة على صورة الرسم والتوزيع الداخليّ.
الخصومة في القرءان مدارها اللسان والحجّة لا السلاح والقلب؛ فالخصم مُحاجِجٌ مُجادِلٌ، والعدوّ صاحب عداوةٍ في القلب وفعلٍ في الميدان.
١) لا يقع الجذر في مواضعه في سياق قتالٍ ولا إعدادٍ للحرب، بل في القول والدعوى والحكم. في سورة البَقَرَة ٢٠٤ يُربط الخصام صراحةً بالكلام: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ ثُمَّ ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾، فالخصومة وصفٌ لقوله.
٢) الخصم مقرونٌ بالبيان والجدل: في سورة الزُّخرُف ٥٨ وصفهم بالجدل ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾، وفي سورة النَّحل ٤ وسورة يسٓ ٧٧ يُوصف الإنسان ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾؛ والمبين من النطق لا من الضرب.
أَبواب الفِعل لِجَذر خصم
الجامِع الدَلاليّ في الجذر «خصم» هو وُقوع طَرَفَين في تَنازُع بِالقَول أَو الحُجَّة. لكِنَّ القُرءان وَزَّع هذا المَعنى عَلى بابَين وثَلاثَة وُجوه لا يَسُدّ أَحَدُها مَسَدّ الآخَر: صِفات باب الأسماء (خَصِيم، خَصۡم، خَصِم، خَصِمون) تُثبِت الصِفَة في الفاعِل قَبل وُقوع الفعل، فهو طَبع لازِم أَو وَصف ثابِت — ولا فعل مجرّد لهذا الجذر في القرءان. والافتِعال (اختَصَمَ/يَختَصِمون) يَنقُل الخِصام إلى فعل واقِع بِجَهد ومُغالَبَة، ومَوضِعه الغالِب يَوم القيامَة. والمَصدَر في باب الأسماء نَفسِه (الخِصام، وَمَصدَر التَفاعُل تَخاصُم) يَرفَع الفعل عَن الفاعِلين ويَجعَلهُ حالَةً يُوصَف بِها العَبد. ومَدار الفَرق: هَل الخِصام صِفَة في الذات، أَم فعل مُتَكَلَّف، أَم حالَة قائمَة تُذَمّ؟
- ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (سورة الحج ١٩)
- ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة آل عِمران ٤٤)
- ﴿قَالُواْ وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الشعراء ٩٦)
- ﴿فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة النَّمل ٤٥)
- ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾ (يسٓ ٤٩)
- ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (صٓ ٦٩)
- ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّمَر ٣١)
- ﴿قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ﴾ (قٓ ٢٨)
- ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ (سورة البَقَرَة ٢٠٤)
- ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾ (سورة الزُّخرُف ١٨)
- ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (صٓ ٦٤)
- ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة النَّحل ٤)
- ﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾ (صٓ ٢٢)
- ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّخرُف ٥٨)
- ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (سورة النِّسَاء ١٠٥)
- ﴿أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (يسٓ ٧٧)
- ﴿وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ﴾ (صٓ ٢١)
لَطائف بِنيويّة
- غياب الفعل المجرّد الماضي والمُضارِع قانونٌ بِنيويّ في هذا الجذر: لم يَرِد في القُرءان «خَصَمَ» ولا «يَخۡصِمُ» ولا أَيّ صيغَة فِعليَّة مُجرَّدَة البَتَّة، بَل جاءَ اسمًا وَحدَه في باب الأسماء: ثَلاث صِفات (خَصِيم، خَصۡم، خَصِم) و﴿خَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّخرُف ٥٨)، والمَصدَران «الخِصام» و«تَخاصُم». فهذا الباب في هذا الجذر مَوقوف بِنيويًّا عَلى إِثبات الصِفَة لا إِجراء الفِعل، والقُرءان نَقَل كل ما يَتَعَلَّق بِالفِعل إلى الافتِعال. وبهذا يَنفَصِل في الجذر ما هو صِفَة لازِمَة أَو حالَة قائمَة عَمّا هو خِصام واقِع.
- تَوزيع سورَة صٓ يَكشِف نَمَطًا فَريدًا: أَربَعَة مَواضِع من ثَمانيَة عَشَر في سورَة واحِدَة (صٓ ٢١، ٢٢، ٦٤، ٦٩) — أَي ٢٢٪ من كل الجذر. والمَواضِع تَتَوَزَّع عَلى ثَلاثَة أَقسام: بابُ الأسماء ﴿ٱلۡخَصۡمِ﴾ (صٓ ٢١) و﴿خَصۡمَانِ﴾ (صٓ ٢٢)، والمَصدَر الاسميّ ﴿تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (صٓ ٦٤)، والافتِعال ﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (صٓ ٦٩). فالسورَة وَحدها تَجمَع أقسام الجذر الثَلاثَة كامِلَةً، وتُجَسِّد التَدَرُّج: من الخَصۡم بَين دَاوُد، إلى التَخاصُم في النار، إلى الاختِصام في المَلَإِ الأَعلى.
- ارتِباط الافتِعال بِالآخِرَة قانون غالِب: من ثَمانيَة مَواضِع لِلافتِعال، ثَلاثَة يَقَع الخِصام فيها في الآخِرَة نَفسِها (سورة الشعراء ٩٦ في النار، سورة الزُّمَر ٣١ يَوم القيامَة، قٓ ٢٨ بَين يَدَي الله)، واثنان خِصامٌ دُنيَويّ تَعقُبه الآخِرَة في الآيَة نَفسِها: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ﴾ (سورة الحج ١٩)، و﴿صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾ (يسٓ ٤٩). والمَواضِع الثَلاثَة الخارِجَة عَن هذا النَمَط: ﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (صٓ ٦٩) في المَلَإِ الأَعلى عِند خَلق البَشَر، و﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (آل عِمران ٤٤) في كُفَلاء مَريَم، و﴿فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة النَّمل ٤٥) في ثَمود حين أُرسِل إليهم صالِح. فالافتِعال في هذا الجذر يَغلِب عليه الخِصام المُتَّصِل بِالآخِرَة (خَمسَة من ثَمانيَة)، بِخِلاف باب الأسماء الذي يُوصَف به الإِنسان في حَياته الدُنيا (سورة النَّحل ٤، يسٓ ٧٧).
- تَكرار بِنيَة «خَلَقَ الإِنسان من نُطفَة فَإِذا هو خَصيم مُبين» في سورة النَّحل ٤ وسورة يسٓ ٧٧ بِالحَرف الواحِد تَقريبًا: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة النَّحل ٤) و﴿أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (يسٓ ٧٧). الصيغَة «خَصِيم مُبين» تَتَجاوَر مَع ذِكر النُطفَة دائمًا، فالقُرءان يَجعَل صِفَة الخُصومَة لازِمَةً لِالإِنسان من أَصل خِلقَته. والفاء في ﴿فَإِذَا﴾ لِلمُفاجَأَة، فَكَأَنَّ الانتِقال من النُطفَة إلى الخَصيم المُبين قَلب بِنيويّ كامِل.
- ظاهِرَة الإِدغام في يسٓ ٤٩: ﴿وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾ صيغَة مُفرَدَة لا تَتَكَرَّر في القُرءان، أَصلها «يَختَصِمون» (افتِعال) فأُدغِمَت التاء في الصاد بَعد نَقل حَرَكَتها إلى الخاء، فَصارَت ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بِشَدَّة عَلى الصاد. والمَوضِع يَصِف اللَحظَة التي تَأخُذهم الصَيحَة فَجأَةً وهُم مَشغولون بِالخِصام الدُنيَويّ — والإِدغام يُحدِث في النُطق سُرعَةً ومُفاجَأَةً تُناسِب المَشهَد المُفاجِئ ﴿صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ﴾. فالصِيغَة الصَوتيَّة جُزء من البَلاغَة البِنيويَّة.
- حَرف الجَرّ ﴿فِي﴾ مَع الافتِعال والمَصدَر — قانون مَوضوع الخِصام: في الافتِعال ﴿ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (سورة الحج ١٩)، وفي المَصدَر ﴿فِي ٱلۡخِصَامِ﴾ (سورة الزُّخرُف ١٨). وفي بَقيَّة مَواضِع الافتِعال يُذكَر الظَرف لا المَوضوع: ﴿لَدَيَّ﴾ (قٓ ٢٨)، ﴿عِندَ رَبِّكُمۡ﴾ (سورة الزُّمَر ٣١)، ﴿فِيهَا﴾ — في النار (سورة الشعراء ٩٦). فالخِصام في القُرءان يُذكَر مَوضوعه نادِرًا، وأَكثَر ما يُذكَر هو ظَرف وُقوعه: عِندَ الرَبّ، لَدَى الله، في النار، في المَلَإِ الأَعلى. والمَوضِع الوَحيد الذي يُذكَر فيه المَوضوع صَريحًا هو سورة الحج ١٩ — والمَوضوع نَفسه هو الرَبّ.
- تَقابُل ﴿أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ مَع ﴿فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾: مَوضِعا المَصدَر «الخِصام» الوَحيدان (سورة البَقَرَة ٢٠٤، سورة الزُّخرُف ١٨) يَكشِفان طَرَفَي ذَمّ مُتَقابِلَين في الخِصام. الأَوَّل ذَمّ بِفَرط القُدرَة عَلى الخِصام والتَوَسُّع فيه ﴿أَلَدُّ﴾، والثاني ذَمّ بِالعَجز عَن البَيان داخل الخِصام ﴿غَيۡرُ مُبِينٖ﴾. فالمَصدَر في القُرءان لا يَأتي عَلى صيغَة مَدح أَبَدًا، بَل يَجعَل الخِصام بِوَصفه حالَةً قائمَةً مَدخَلًا لِلذَمّ من جِهَتَين: الإِفراط أَو القُصور.
اكتِشافات بِنيويّة تَخصّ جَذر خصم
- قانون اقتِران «في» بِظَرف الخِصام لا بِمَوضوعه يَنفَرِد الجَذر «خصم» في القُرءان بِقانون بِنيويّ ثابِت في طَريقَة تَعديَته بِحَرف الجَرّ «في»: حين يَجيء الفِعل في صيغَة الافتِعال أَو يَجيء المَصدَر، يَرتَبِط «في» في الغالِب بِظَرف الخِصام لا بِمَ…يَنفَرِد الجَذر «خصم» في القُرءان بِقانون بِنيويّ ثابِت في طَريقَة تَعديَته بِحَرف الجَرّ «في»: حين يَجيء الفِعل في صيغَة الافتِعال أَو يَجيء المَصدَر، يَرتَبِط «في» في الغالِب بِظَرف الخِصام لا بِمَوضوعه. فالظَرف يَتَنَوَّع بَين ظَرف مَكان كَالنار: ﴿وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الشعراء ٩٦)، وَظَرف حَضرَة الرَبّ بِحَرف غَير «في»: ﴿لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ﴾ (قٓ ٢٨)، وَ﴿عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّمَر ٣١)، وَمَوقِع المَلَإِ الأَعلى: ﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (صٓ ٦٩). يَخرُج عَن هذا النَمَط مَوضِع واحِد فَريد يَدخُل فيه «في» عَلى مَوضوع الخِصام لا عَلى ظَرفه: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡ﴾ (سورة الحج ١٩) — فَالاختِصام هُنا «في» الرَبّ نَفسه، أَي عَلى شَأنه وَأَمره. وَيَنضَمّ تَركيب المَصدَر: ﴿وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾ (سورة الزُّخرُف ١٨)، حَيث «في» تَدخُل عَلى المَصدَر بِوَصفِه حالًا. فَحَصيلَة التَوزيع: «في» مَع الخِصام تَصِف الظَرف في الغالِب، وَلا تَكشِف مَوضوعه إلّا في مَوضِع واحِد، وَهو الرَبّ. وَلا يَدخُل «في» عَلى حَضرَة الله بَل «عِندَ» أَو «لَدَى»، فَكَأَنَّ النَصّ يَحفَظ «في» لِالظَرف المُحيط، وَ«عند/لدى» لِحَضرَة الفَصل الإلهيّ.
- صيغَة «خَصِيم» المُبالِغَة: خُصومَةٌ مَوقوفَةٌ على الإنسان ذَمًّا يُفرِّق القُرءان بين بابَين اسميَّين لجذر «خصم» لا يَسُدّ أَحَدُهما مَسَدّ الآخَر: «خَصۡم» اسمٌ مُجرَّد يُسَمّي الطَرَف المُتَنازِع كَكِيان، فيَرِد مُثَنّى مَحضًا…يُفرِّق القُرءان بين بابَين اسميَّين لجذر «خصم» لا يَسُدّ أَحَدُهما مَسَدّ الآخَر: «خَصۡم» اسمٌ مُجرَّد يُسَمّي الطَرَف المُتَنازِع كَكِيان، فيَرِد مُثَنّى مَحضًا ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (سورة الحج ١٩) و﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾ (صٓ ٢٢)؛ أمّا صيغَة المُبالَغَة «خَصِيم/خَصِم» فلا تَصِف كِيانًا مُحايِدًا، بل تَصِف الإنسانَ في مَقامِ ذَمٍّ دائمًا، ولا تَخرُج عنه. وأَوضَح بُرهانٍ على ذلك تَكرار الجُملَة بِنَصِّها مَرَّتَين عَقِب ذِكر أَصلِ الإنسان من نُطفَة: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة النَّحل ٤)، ثُمَّ ﴿أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (يسٓ ٧٧). فالمُخاصَمَة لازِمَةٌ تَنبَثِق مِن أَصلِه الضَئيل فَجأَةً «فَإِذَا». وتَطَّرِد الصيغَة في الذَمّ: نَهيٌ ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (سورة النِّسَاء ١٠٥)، ووَصمٌ بالجَدَل ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّخرُف ٥٨). فالاسم المُجرَّد يُسَمّي الطَرَف، والمُبالَغَة تَدمَغ الإنسانَ بالخُصومَة طَبعًا مَذمومًا.
- صيغَة الافتِعال «اختَصَمَ» تَلزَمُها الكَثرَة، والمُجَرَّد «خَصيم» لِلفَرد يُمَيِّز القُرءان في جذر «خصم» بين بابَين صَرفيَّين لا يَتَبادَلان مَواقِعَهما: باب الافتِعال «اختَصَمَ / يَختَصِم» الذي يَقتَضي تَشارُكَ طَرَفَين فَأَكثَر، وباب المُجَرَّد «خَصيم» الذي يَصِف فَردًا…يُمَيِّز القُرءان في جذر «خصم» بين بابَين صَرفيَّين لا يَتَبادَلان مَواقِعَهما: باب الافتِعال «اختَصَمَ / يَختَصِم» الذي يَقتَضي تَشارُكَ طَرَفَين فَأَكثَر، وباب المُجَرَّد «خَصيم» الذي يَصِف فَردًا واحِدًا. فالافتِعال يَرِد سَبعَ مَرّاتٍ، وفي كُلِّها يَكون فاعِلُه جَمعًا أَو مُثَنّى دون استِثناء: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ﴾ (سورة الحج ١٩)، و﴿فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة النَّمل ٤٥)، و﴿وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الشعراء ٩٦)، و﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ (سورة الزُّمَر ٣١). فالخُصومَة في صيغَة الافتِعال فِعلٌ تَبادُليّ لا يَنعَقِد بِواحِد، لأنّ المُفاعَلَة تَستَدعي خَصمًا يُقابِلُه خَصم. أمّا المُجَرَّد فيَقِف عِند الفَرد المُنفَرِد بِخُصومَته: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (سورة النَّحل ٤)، و﴿تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (سورة النِّسَاء ١٠٥). فلا يَجتَمِع في القُرءان «خَصيمٌ» يَختَصِم وَحدَه، ولا «اختِصامٌ» لِفَردٍ بِلا طَرَفٍ مُقابِل؛ فالصيغَة هي التي تَحمِل عَدَدَ الأَطراف: المُجَرَّد لِلواحِد، والافتِعال لِالتَّعَدُّد. وهذا يُفَسِّر لِمَ جاء «خَصۡمَان» مُثَنًّى حَيثُ وَرَد الافتِعال في الحَجّ، فالبِنيَة الصَّرفيَّة والعَدَدِيَّة مُتَطابِقَتان.