قَ
قَولات
موسوعة جذور القرءان

مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات

جَذر خصم في القُرءان الكَريم — 18 مَوضعًا

18 مَوضعًا12 صيغةالحَقل: الجدل والحجاج والخصام

جواب مباشر

معنى جذر خصم في القرآن

معنى جذر «خصم» في القرآن: خصم هو دخول طرفين أو أكثر في مقابلة نزاعية يطلب كل طرف فيها دفع الآخر أو إثبات حجته، في الكلام أو الحكم أو الموقف الأخروي.

ورد الجذر 18 موضعًا، في 12 صيغة في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «الجدل والحجاج والخصام». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر خصم من شواهد القرءان وحده.

تطابق أسئلة البحث: معنى جذر خصم في القران، معنى جذر خصم في القرآن، معنى جذر خصم في القرءان، تحليل جذر خصم في القران، دلالة جذر خصم في القرآن.

التَعريف المُحكَم لجَذر خصم في القُرءان الكَريم

خصم هو دخول طرفين أو أكثر في مقابلة نزاعية يطلب كل طرف فيها دفع الآخر أو إثبات حجته، في الكلام أو الحكم أو الموقف الأخروي.

الخُلاصَة الجَوهَريّة

خصم يصف المقابلة النزاعية التي تحتاج حسمًا، من خصومة الإنسان إلى تخاصم أهل النار والخصمين بين يدي داود.

المَفهوم القُرءانيّ لجَذر خصم

يدور الجذر على المقابلة النزاعية. فهو يظهر وصفًا للإنسان الخصيم المبين، واسمًا للطرفين المتنازعين، ومصدرًا للخصام، وفعلًا للاختصام بين جماعات أو يوم القيامة. اختبار الاستيعاب يثبت أن المواضع القضائية والكلامية والأخروية لا تخرج عن هذا الجامع: طرف يواجه طرفًا في دعوى أو موقف، ولا يكتفي بمجرد الكلام.

الآية المَركَزيّة لِجَذر خصم

الشاهد المركزي: الحج 19: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ﴾

المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة

الصيغ النصية المثبتة في مواضع الجذر: ٱلۡخِصَامِ ×1، يَخۡتَصِمُونَ ×4، خَصِيمٗا ×1، خَصِيمٞ ×2، خَصۡمَانِ ×2، ٱخۡتَصَمُواْ ×1، يَخِصِّمُونَ ×1، ٱلۡخَصۡمِ ×1، تَخَاصُمُ ×1، تَخۡتَصِمُونَ ×1، غَيۡرُ ×1، خَصِمُونَ ×1، تَخۡتَصِمُواْ ×1. عدد الصور بحسب الرسم: 13. الصيغ المعيارية: الخصام ×2، يختصمون ×4، خصيما ×1، خصيم ×2، خصمان ×2، اختصموا ×1، يخصمون ×1، الخصم ×1، تخاصم ×1، تختصمون ×1، خصمون ×1، تختصموا ×1. العدد الخام: 18 وقوعات في 17 آيات.

الصِيَغ القُرءانيّة لِجَذر خصم — تَجميع آليّ بِالأَوزان

صيغ الجَذر «خصم» مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع).

أ فِعل مُضارِع — الوَزن 1 (يَفعَلُ، يَفعِلُ، يَفعُلُ)
~6 مَوضِع
يختصمون ×4 تختصمون ×1 تختصموا ×1
ب فِعل مُضارِع — الوَزن 2 (يُفَعِّلُ، يُنَزِّلُ)
~1 مَوضِع
يخصمون ×1
ج فِعل ماضٍ — الوَزن 6 (تَفاعَلَ)
~1 مَوضِع
تخاصم ×1
د فِعل أَمر — الوَزن 8 (افتَعِل)
~1 مَوضِع
اختصموا ×1
ه اسم مُعَرَّف بِأَل
~1 مَوضِع
الخصم ×1
و اسم نَكِرة
~3 مَوضِع
خصيم ×2 خصيما ×1
ز جَمع مُذَكَّر سالم (-ون/-ين)
~1 مَوضِع
خصمون ×1
ح جَمع تَكسير (أَفعال/أَفعِلة/فُعول…)
~2 مَوضِع
الخصام ×2
ط اسم — مُثَنّى
~2 مَوضِع
خصمان ×2

القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر

القاسم المشترك هو حضور طرف مقابل. الخصيم لا يكون وحده من حيث المعنى؛ فهو مهيأ للمجادلة أو واقع فيها، والخصمان لا يظهران إلا مع دعوى تتطلب حكمًا أو فصلًا.

مُقارَنَة جَذر خصم بِجذور شَبيهَة

يفترق خصم عن جدل بأن الجدل إبراز الحجة وترديدها، أما الخصم فهو وضع نزاعي بين أطراف. ويفترق عن مرى بأن المراء منازعة في الحق بعد ظهوره، أما الخصام أعم في مواضع الحكم والآخرة والكلام. ويفترق عن بغي بأن البغي ظلم في التعدي، أما الخصومة فقد تكون موضع حكم ولو وقع فيها بغي.

اختِبار الاستِبدال

في النساء 105 لا يكفي معنى جدل؛ لأن النهي عن أن يكون النبي خصيمًا للخائنين يخص موقع الطرف المنافح. وفي ص 22 لا يصلح مراء بدل خصمان؛ لأن النص يطلب الحكم بين طرفين. وفي ق 28 النهي عن الاختصام لدى الله يثبت موقف المنازعة لا مجرد القول.

الفُروق الدَقيقَة

تتدرج المواضع من خصومة الإنسان المفاجئة بعد الخلق، إلى خصومة قضائية بين طرفين، إلى تخاصم أهل النار. هذا الاتساع لا يغيّر الجامع، بل يكشف أن الجذر يصف بنية المقابلة النزاعية نفسها.

الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه

هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الجدل والحجاج والخصام.

ينتمي إلى حقل الجدل والحجاج والخصام، وزاويته الخاصة ليست صناعة الحجة وحدها، بل تحوّل القول أو الموقف إلى مواجهة بين خصمين.

مَنهَج تَحليل جَذر خصم

اعتُمد العدد الخام لأن الحج 19 يحوي وقوعين حقيقيين: خصمان واختصموا. وسُجلت صورة غير في صف الزخرف 18 بوصفها انزياحًا في حقل الرسم، مع إبقاء المرجع لأنه يحمل لفظ الخصام في النص.

الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر حكم)

خصم يدل على مقابلة نزاعية بين طرفين أو أكثر، وأقوى طرف قرآني يقابله في الوظيفة هو حكم؛ لأن الخصومة تطلب فصلًا أو تقابل حكم العدل بانحياز الخصيم. في النساء يأتي الحكم بالحق بين الناس ثم النهي عن أن يكون المخاطب خصيمًا للخائنين: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾. وفي ص يجتمع الخصمان وطلب الحكم بينهما بالحق: ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾. فحكم ليس ضدًا معجميًا لخصم، لكنه المقابل السياقي الذي ينقل الموقف من تنازع الأطراف إلى فصل الحق بينهم. أما لدد وجدال وبغي فهي أوصاف أو أفعال داخل الخصومة لا تقابلها. لذلك تسجل العلاقة مع حكم بوصفها مقابلة سياقية في الآية نفسها، لا ضدًا صريحًا مطلقًا.

حكممُقابِل سياقيّفي الآية نفسها · 2 موضِع
النِّسَاء 105
﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ وفيها يقابل الحكم بالحق الانحياز في صورة الخصومة للخائنين.
صٓ 22
﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾ وفيها يطلب الخصمان الحكم بينهما بالحق بعد بيان البغي.
  • الخصومة تقيم طرفين متقابلين، والحكم يطلب رفع هذا التقابل إلى فصل عادل.
  • اجتماع الجذرين مرتين يجعل العلاقة وظيفية لا عرضية: نزاع يعرض، وحكم يفصل.

نَتيجَة تَحليل جَذر خصم

خصم جذر صالح بعد الإصلاح: 18 وقوعات خامًا في 17 آيات، ومعناه المحكم: خصم هو دخول طرفين أو أكثر في مقابلة نزاعية يطلب كل طرف فيها دفع الآخر أو إثبات حجته، في الكلام أو الحكم أو الموقف الأخروي.

شَواهد قُرءانيّة من جَذر خصم

- البَقَرَة 204: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ - النِّسَاء 105: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ - النَّحل 4: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ - الحج 19: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ﴾ - صٓ 22: ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾ - الزُّمَر 31: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ - قٓ 28: ﴿قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ﴾

لَطائف وَمَلاحَظات إِحصائيّة عَن جَذر خصم

من لطائف الجذر أن صيغة يختصمون هي الأكثر تكرارًا بأربع وقوعات، وأن سورة ص تجمع أربع زوايا: الخصم، خصمان، تخاصم أهل النار، واختصام الملأ الأعلى. هذا يجعل السورة مركزًا لاختبار اتساع الجذر.

لطيفة بنيوية تُضاف إلى لطائف «خصم» — الصورة المُدغَمة الفريدة:

للجذر صورتان رسميّتان من صورة الخصومة المتبادلة: صورةٌ تَرِد بأربعة مواضع ﴿يَخۡتَصِمُونَ﴾ (آل عمران ٤٤، الشعراء ٩٦، النمل ٤٥، ص ٦٩)، وصورةٌ مُدغَمةٌ لا تَرِد إلّا مرّةً واحدةً في كلّ القرآن ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ (يس ٤٩). وتنفرد هذه الصورة الوحيدة بأنّها تقع في سياق البغتة، إذ تأخذهم الصيحةُ الواحدةُ وهم في عين المخاصمة: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾، فاجتماع الصورة الرسميّة الفريدة مع الأخذ المفاجئ يجعل هذا الموضع منفردًا في توزيع صور الجذر داخل القرآن. تنبيه: لا يُدرَج «التضعيف = مبالغة» ولا يُذكَر تعليل نحويّ مستورد؛ الملاحظة مقصورة على صورة الرسم والتوزيع الداخليّ.

الخصومة في القرءان مدارها اللسان والحجّة لا السلاح والقلب؛ فالخصم مُحاجِجٌ مُجادِلٌ، والعدوّ صاحب عداوةٍ في القلب وفعلٍ في الميدان.

١) مواضع (خصم) العشرة كلّها في سياق القول والدعوى والحكم، ولا موضع واحد في قتالٍ أو حرب. في البقرة ٢٠٤ يُربط الخصام صراحةً بالكلام: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ ثُمَّ ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾، فالخصومة وصفٌ لقوله.

٢) الخصم مقرونٌ بالبيان والجدل: في الزخرف ٥٨ وصفهم بالجدل ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾، وفي النحل ٤ ويس ٧٧ يُوصف الإنسان ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾؛ والمبين من النطق لا من الضرب.

٣) موطنها مجلس الحكم: في النساء ١٠٥ ﴿لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ ثُمَّ ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾، وفي ص ٢٢ ﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ﴾. وحتّى خصومة الآخرة قوليّة: الحجّ ١٩ ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾، ويس ٤٩ ﴿وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾.

٤) في مقابل ذلك، العداوة تنزل منزلة القلب والميدان. تقترن بالبغضاء التي محلّها الباطن: المائدة ٩١ ﴿أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ﴾، وزوالها انقلابُ القلب ولاءً: فصّلت ٣٤ ﴿فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾.

٥) ويظهر العدوّ حيث يغيب الخصم تمامًا: ساحة القتال والإعداد، الأنفال ٦٠ ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ ﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾. فلا يأتي (خصم) قطّ في إعدادٍ أو قتال، ولا تأتي العداوة موصوفةً بجدلٍ أو طلب حكم: خصومةٌ بالحجّة أمام فاصل، وعداوةٌ في القلب تفضي إلى الفعل.

الخصومة حين تبلغ مقام الربوبيّة لا تبقى جدلًا، بل تنقلب مصيرًا يُقتَصّ من صاحبه. تكشف مواضع «خصم» الإحدى عشرة عن تدرّج صاعد ينتهي عند الربّ:

١) المنعطف الفاصل أنّ «خصم» و«ربّ» لا يجتمعان في القرآن إلّا في موضع واحد: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (الحج ١٩). فمحلّ الخصومة ليس مالًا ولا حقًّا بين الناس، بل «الربّ» نفسه؛ وهو أعلى ما تبلغه الخصومة.

٢) وجوابها لا يأتي حكمًا قوليًّا بل عقابًا حسّيًّا متّصلًا بالآية: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ﴾ (الحج ١٩). فالخصومة في مقام الربّ ترتدّ على المُخاصِم نارًا.

٣) ويُختم المسار بأن التخاصم يصير حالًا دائمة لأهل النار، مؤكَّدًا بأدوات التحقيق: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (ص ٦٤)، فلم يَعُد فعلًا عارضًا.

٤) ويظهر التقابل في سورة ص ذاتها: خصومةٌ يُحتكَم فيها إلى عدل ﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ﴾ (ص ٢٢)، في مقابل ﴿تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (ص ٦٤) التي لا حَكَم بعدها.

٥) والخصومة مذمومةٌ حين تُوجَّه للحقّ: الإنسان موصوفٌ بها فور خلقه ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (النحل ٤، ويس ٧٧)، وأشدّها ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ (البقرة ٢٠٤) و﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ (الزخرف ٥٨). والنهي الوحيد المباشر: ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (النساء ١٠٥) — أي لا تُخاصِم نصرةً للباطل.

فالقاعدة المطّردة على المواضع كلّها: كلّما ارتفعت الخصومة من نزاع الناس إلى مخاصمة الربّ والحقّ، انقلبت من جدلٍ يُحتكَم فيه إلى عقابٍ يُقتَصّ به، حتّى تستقرّ حالًا لأهل النار.

الخَصمُ في القرآن لا يكون كثرةً مُبهَمةً، بل طرفٌ مُحدَّدٌ مُعَيَّنٌ في تقابلٍ ثنائيّ، حتّى إذا تعدّد لزِمَه الانحصارُ في قُطبَين متواجهَين.

١) الصيغة المثنّاة تنطق بهذا التحديد صراحةً: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (الحج ١٩)، ﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾ (ص ٢٢). فالخَصمُ يَرِدُ طرفَين، يُشار إليهما بـ﴿هَٰذَانِ﴾، ويُقسَّمان بـ﴿بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾.

٢) وحين يُجمَع يبقى الخَصمُ جماعةً مُعَيَّنةً ذات وجهٍ واحدٍ في النزاع: ﴿نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ﴾ (ص ٢١) — جماعةٌ بعينها دخلت محرابًا بعينه على رجلٍ بعينه.

٣) والفردُ خصيمٌ مُحدَّدٌ كذلك: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (النحل ٤، يس ٧٧)، و﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (النساء ١٠٥) طرفًا منحازًا لِفئةٍ مُعَيَّنة، و﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ (البقرة ٢٠٤) لشخصٍ مُعَيَّن.

٤) وحين يُذَمُّ قومٌ بالخصومة فبوصفٍ لازمٍ لهم وحدهم: ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ (الزخرف ٥٨)، ﴿وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾ (الزخرف ١٨) — طرفٌ معروفٌ لا حشدٌ مفتوح.

٥) في مقابل هذا الانحصار الثنائيّ، تأتي الصيغة المثنّاة من «جمع» للحشدِ المفتوح المتلاقي: ﴿يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ (آل عمران ١٥٥ و١٦٦، الأنفال ٤١)، ﴿فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ (الشعراء ٦١). فـ﴿ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ كتلتان لا حصرَ لأفرادهما، و﴿خَصۡمَانِ﴾ طرفان محصوران؛ الأوّل لقاءُ كثرةٍ، والثاني مواجهةُ مُحدَّدَين.

٦) ولا يجتمع الجذران في آيةٍ واحدةٍ في القرآن كلّه: الخصومةُ مُساءلةٌ بين طرفَين مُعيَّنَين، والجمعُ احتشادُ عددٍ مفتوح؛ فافترقا في النصّ كما افترقا في الدلالة على التحديد والكثرة.

إحصاءات جَذر خصم

  • المَواضع: 18 مَوضعًا في القُرءان الكَريم.
  • الصِيَغ: 12 صيغة فَريدة.
  • أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: يَخۡتَصِمُونَ.
  • أَبرَز الصِيَغ: يَخۡتَصِمُونَ (4) ٱلۡخِصَامِ (2) خَصِيمٞ (2) خَصۡمَانِ (2) خَصِيمٗا (1) ٱخۡتَصَمُواْ (1) يَخِصِّمُونَ (1) ٱلۡخَصۡمِ (1)

أَبواب الفِعل لِجَذر خصم

الجامِع الدَلاليّ في الجذر «خصم» هو وُقوع طَرَفَين في تَنازُع بِالقَول أَو الحُجَّة. لكِنَّ القُرءان وَزَّع هذا المَعنى عَلى أَربَعَة أَبواب لا يَسُدّ أَحَدُها مَسَدّ الآخَر: المُجرَّد (خَصِيم، خَصۡم، خَصِم، خَصِمون) يُثبِت الصِفَة في الفاعِل قَبل وُقوع الفعل، فهو طَبع لازِم أَو وَصف ثابِت. والتَفاعُل (تَخاصُم) يُصَوِّر الخِصام بَين جَمع في وَقتٍ واحِد بِلا غالِب. والافتِعال (اختَصَمَ/يَختَصِمون) يَنقُل الخِصام إلى فعل واقِع بِجَهد ومُغالَبَة، ومَوضِعه الغالِب يَوم القيامَة. والمَصدَر الاسميّ (الخِصام) يَرفَع الفعل عَن الفاعِلين ويَجعَلهُ حالَةً يُوصَف بِها العَبد. ومَدار الفَرق: هَل الخِصام صِفَة في الذات، أَم مُشارَكَة في زَمَن، أَم فعل مُتَكَلَّف، أَم حالَة قائمَة تُذَمّ؟

خَصِيم / خَصۡم / خَصِم — المجرَّد (الصِفَة الثابِتَة) ×7
خَصِيمٞ
الباب المُجرَّد في «خصم» لا يَأتي في القُرءان عَلى صيغَة الفعل الماضي أَو المُضارِع البَتَّة، بَل يَأتي عَلى ثَلاث صيغ اسميَّة كُلُّها تُثبِت الصِفَة في الفاعِل لا الفعل في الزَمَن: «خَصِيم» (صيغَة مُبالَغَة)، و«خَصۡم» (مَصدَر مَوصوف به يَشمَل الواحِد والاثنَين والجَمع)، و«خَصِم» (صِفَة مُشَبَّهَة). فالإِنسان يُوصَف بِأَنَّه ﴿خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (النَّحل ٤، يسٓ ٧٧) بِمُجَرَّد خَلقه من نُطفَة، أَي قَبل أَن يُخاصِم أَحَدًا فِعلًا — فالخُصومَة طَبع كامِن فيه يَنكَشِف بِالفعل. وقَوم تُوصَف بِأَنَّهم ﴿قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ (الزُّخرُف ٥٨) بِالصِفَة المُشَبَّهَة التي تُثبِت اللُزوم لا الحُدوث. والطَرَفان يُسَمَّيان ﴿خَصۡمَانِ﴾ (الحج ١٩، صٓ ٢٢) قَبل أَن يَختَصِما بِالفعل أَو بَعده — الاسم لازِم لِهَويَّتهما لا لِزَمَن النِزاع. ومن هُنا جاءَ النَهي ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (النِّسَاء ١٠٥) — نَهي عَن أَن يَصير الإِنسان مَوصوفًا بِهذه الصِفَة، لا عَن فعل بِعَينه. وكذلِك ﴿وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ﴾ (صٓ ٢١) — الاسم سابِق عَلى ذِكر تَسَوُّرهم المِحراب. فالمُجَرَّد في هذا الجذر يُثبِت الكَون لا الحَدَث.
  • ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ (النِّسَاء ١٠٥)
  • ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (النَّحل ٤)
  • ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (الحج ١٩)
  • ﴿أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (يسٓ ٧٧)
  • ﴿وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ﴾ (صٓ ٢١)
  • ﴿خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ﴾ (صٓ ٢٢)
  • ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ (الزُّخرُف ٥٨)
تَخاصَمَ / تَخاصُم — التَفاعُل (المُشارَكَة في زَمَن واحِد) ×1
تَخَاصُمُ
صيغَة التَفاعُل تَستَلزِم بِنيويًّا أَن يَفعَل الجَميع الخِصام في وَقت واحِد بِلا غالِب يَخرُج من الفعل، فكُلٌّ خَصم لِكُلٍّ. ولم يَرِد هذا الباب في القُرءان إلا في مَوضِع واحِد فَريد: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (صٓ ٦٤). والمَوضِع وَصف لِما يَجري في النار بَعد أَن يَدخُلَها أَهلُها، وهو يَختَلِف بِنيويًّا عَن «الاختِصام» في ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (صٓ ٦٩) لِأَنَّ التَفاعُل يَجعَل الفِعل مُتَبادَلًا بَين جَمع كُلٌّ خَصم لِلآخَر بِلا تَرَتُّب، بَينَما الافتِعال يَجعَل الخَصمَين فَريقَين مُتَقابِلَين. ولِذا اختير التَفاعُل لِأَهل النار حَيث لا تَحكيم ولا فَصل، وإنَّما خِصام يَدور عَلى نَفسه. وَصيغَة المَصدَر «تَخاصُم» — لا الفعل — تَكشِف أَنَّ النَظَر إلى الحَدَث بِوَصفه ظاهِرَةً قائمَةً مُستَمِرَّةً، لا بِوَصفه فِعلًا واقِعًا في زَمَن مَحدود.
  • ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (صٓ ٦٤)
اختَصَمَ / يَختَصِمُ — الافتِعال (الفعل المُتَكَلَّف بَين فَريقَين) ×8
يَخۡتَصِمُونَ
الافتِعال في «خصم» هو الباب الفِعليّ الغالِب — ثَمانيَة مَواضِع كُلّها بِصيغَة الفعل (ماضٍ أَو مُضارِع أَو نَهي)، ولا تَأتي اسمًا. ودَلالَته بِنيويَّة: وُقوع الخِصام بِجَهد وتَكَلُّف بَين فَريقَين مُتَقابِلَين في زَمَن مَعلوم. ومَوضِعه الغالِب هو يَوم القيامَة أَو ما يُحيل إِلَيه: ﴿وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ﴾ (الشعراء ٩٦) — في النار، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ (الزُّمَر ٣١)، ﴿قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ﴾ (قٓ ٢٨) — نَهي عَن الاختِصام بَين يَدَي الله بَعد بُلوغ الوَعيد، ﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (صٓ ٦٩) — في المَلَإِ الأَعلى. وحَتى المَوضِعان اللَذان يَخرُجان عَن سياق الآخِرَة (آل عِمران ٤٤ في كُفَلاء مَريَم، النَّمل ٤٥ في فَريقَي ثَمود) يَحفَظان البِنيَة نَفسَها: فَريقان مُتَقابِلان يَتَكَلَّفان رَدّ القَول. وفي يسٓ ٤٩ ﴿وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾ يَأتي الفعل بِصيغَة مُدغَمَة (أَصلها «يَختَصِمون» فأُدغِمَت التاء في الصاد فَصارَت ﴿يَخِصِّمُونَ﴾) — والمَوضِع يَصِف اللَحظَة التي تَأخُذهم الصَيحَة وهُم في خِصام دُنيَويّ، فَجاءَت الصيغَة المُدغَمَة مُناسِبَة لِسُرعَة المَشهَد. وفي الحج ١٩ ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ يَجتَمِع الباب الأَوَّل (خَصۡمَانِ — الصِفَة) مَع الافتِعال (ٱخۡتَصَمُواْ — الفعل) في مَوضِع تَفريق صَريح، فالأَوَّل يُثبِت الهَويَّة، والثاني يُثبِت الحَدَث.
  • ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (الحج ١٩)
  • ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (آل عِمران ٤٤)
  • ﴿قَالُواْ وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ﴾ (الشعراء ٩٦)
  • ﴿فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (النَّمل ٤٥)
  • ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾ (يسٓ ٤٩)
  • ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (صٓ ٦٩)
  • ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ (الزُّمَر ٣١)
  • ﴿قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ﴾ (قٓ ٢٨)
الخِصام — المَصدَر الاسميّ ×2
ٱلۡخِصَامِ
المَصدَر «الخِصام» يَنزِع عَن الفعل طَرَفَيه وَزَمَنَه ويَجعَلُه ظاهِرَةً قائمَةً تُوصَف بِها الذات وَصفَ ذَمّ. ولم يَرِد المَصدَر في القُرءان إلا في مَوضِعَين، وكِلاهُما يَجعَل الخِصام صِفَةً سَلبيَّةً تُعَرِّف العَبد: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ (البَقَرَة ٢٠٤) — الإِضافَة هُنا تَجعَل الإِنسان غايَةً في الالتِواء داخل الخِصام بِوَصفه ظاهِرَةً، لا فاعِلًا في خِصام مُعَيَّن. والمَوضِع الآخَر ﴿وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾ (الزُّخرُف ١٨) يَجعَل الخِصام ظَرفًا (بِحَرف ﴿فِي﴾) لا فِعلًا، فَيَصير الكلام عَن قُدرَة العَبد عَلى البَيان داخل هذه الحالَة لا عَن فِعله. وكِلا المَوضِعَين فيهما عُنصُر العَجز أَو الذَمّ: الأَلَدّ في الخِصام مَذموم بِشِدَّته، وغَير المُبين فيه مَذموم بِعَجزه. فالمَصدَر في هذا الجذر — بِخِلاف الفعل — يَكشِف ضَعفًا أَو إِفراطًا، لا حَدَثًا مَوقوتًا. وهو يُقابِل المُجَرَّد (خَصِيم) كَما تُقابِل الصِفَة الموصوف: المُجَرَّد يَصِف الذات بِأَنَّها مُخاصِمَة، والمَصدَر يَصِف الذات بِأَنَّها في حالَة الخِصام.
  • ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ (البَقَرَة ٢٠٤)
  • ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾ (الزُّخرُف ١٨)

لَطائف بِنيويّة

  • غياب الفعل الماضي والمُضارِع من المُجَرَّد قانون بِنيويّ في هذا الجذر: لم يَرِد في القُرءان «خَصَمَ» ولا «يَخۡصِمُ» ولا أَيّ صيغَة فِعليَّة من المُجَرَّد البَتَّة، بَل اقتَصَر المُجَرَّد عَلى ثَلاث صيغ اسميَّة (خَصِيم، خَصۡم، خَصِم) و﴿خَصِمُونَ﴾ (الزُّخرُف ٥٨). فالمُجَرَّد في هذا الجذر مَوقوف بِنيويًّا عَلى إِثبات الصِفَة لا إِجراء الفِعل، والقُرءان نَقَل كل ما يَتَعَلَّق بِالفِعل إلى الافتِعال. وهذا فَريد بَين الجُذور الكِبيرَة، إذ غَيرها يَجمَع بَين فِعل المُجَرَّد وَأَسمائه.
  • تَوزيع سورَة صٓ يَكشِف نَمَطًا فَريدًا: أَربَعَة مَواضِع من ثَمانيَة عَشَر في سورَة واحِدَة (صٓ ٢١، ٢٢، ٦٤، ٦٩) — أَي ٢٢٪ من كل الجذر. والمَواضِع تَتَوَزَّع عَلى ثَلاثَة أَبواب: المُجَرَّد ﴿ٱلۡخَصۡمِ﴾ (صٓ ٢١) و﴿خَصۡمَانِ﴾ (صٓ ٢٢)، والتَفاعُل ﴿تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ﴾ (صٓ ٦٤)، والافتِعال ﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (صٓ ٦٩). فالسورَة وَحدها تَجمَع ثَلاثَة من أَربَعَة أَبواب الجذر، وتُجَسِّد التَدَرُّج: من الخَصۡم بَين دَاوُد، إلى التَخاصُم في النار، إلى الاختِصام في المَلَإِ الأَعلى.
  • ارتِباط الافتِعال بِالآخِرَة قانون شِبه مُطلَق: من ثَمانيَة مَواضِع لِلافتِعال، سَبعَة في سياق الآخِرَة أَو ما يُحيل إِلَيها (الحج ١٩، الشعراء ٩٦، يسٓ ٤٩ في صيحَة العَذاب، صٓ ٦٩، الزُّمَر ٣١، قٓ ٢٨، النَّمل ٤٥ في فَريقَي ثَمود بَعد الإِنذار). والمَوضِع الوَحيد الذي يَخرُج عَن هذا النَمَط هو ﴿إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ (آل عِمران ٤٤) في كُفَلاء مَريَم. فالافتِعال في هذا الجذر هو فِعل الخِصام الأُخرَويّ بِامتِياز، بِخِلاف المُجَرَّد الذي يُوصَف به الإِنسان في حَياته الدُنيا (النَّحل ٤، يسٓ ٧٧).
  • تَكرار بِنيَة «خَلَقَ الإِنسان من نُطفَة فَإِذا هو خَصيم مُبين» في النَّحل ٤ ويس ٧٧ بِالحَرف الواحِد تَقريبًا: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (النَّحل ٤) و﴿أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾ (يسٓ ٧٧). الصيغَة «خَصِيم مُبين» تَتَجاوَر مَع ذِكر النُطفَة دائمًا، فالقُرءان يَجعَل صِفَة الخُصومَة لازِمَةً لِالإِنسان من أَصل خِلقَته. والفاء في ﴿فَإِذَا﴾ لِلمُفاجَأَة، فَكَأَنَّ الانتِقال من النُطفَة إلى الخَصيم المُبين قَلب بِنيويّ كامِل.
  • ظاهِرَة الإِدغام في يسٓ ٤٩: ﴿وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾ صيغَة مُفرَدَة لا تَتَكَرَّر في القُرءان، أَصلها «يَختَصِمون» (افتِعال) فأُدغِمَت التاء في الصاد بَعد نَقل حَرَكَتها إلى الخاء، فَصارَت ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بِشَدَّة عَلى الصاد. والمَوضِع يَصِف اللَحظَة التي تَأخُذهم الصَيحَة فَجأَةً وهُم مَشغولون بِالخِصام الدُنيَويّ — والإِدغام يُحدِث في النُطق سُرعَةً ومُفاجَأَةً تُناسِب المَشهَد المُفاجِئ ﴿صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ﴾. فالصِيغَة الصَوتيَّة جُزء من البَلاغَة البِنيويَّة.
  • حَرف الجَرّ ﴿فِي﴾ مَع الافتِعال والمَصدَر — قانون مَوضوع الخِصام: في الافتِعال ﴿ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ﴾ (الحج ١٩)، وفي المَصدَر ﴿فِي ٱلۡخِصَامِ﴾ (الزُّخرُف ١٨). وفي بَقيَّة مَواضِع الافتِعال يُذكَر الظَرف لا المَوضوع: ﴿لَدَيَّ﴾ (قٓ ٢٨)، ﴿عِندَ رَبِّكُمۡ﴾ (الزُّمَر ٣١)، ﴿فِيهَا﴾ — في النار (الشعراء ٩٦). فالخِصام في القُرءان يُذكَر مَوضوعه نادِرًا، وأَكثَر ما يُذكَر هو ظَرف وُقوعه: عِندَ الرَبّ، لَدَى الله، في النار، في المَلَإِ الأَعلى. والمَوضِع الوَحيد الذي يُذكَر فيه المَوضوع صَريحًا هو الحج ١٩ — والمَوضوع نَفسه هو الرَبّ.
  • تَقابُل ﴿أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ مَع ﴿فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ﴾: مَوضِعا المَصدَر الوَحيدان (البَقَرَة ٢٠٤، الزُّخرُف ١٨) يَكشِفان طَرَفَي ذَمّ مُتَقابِلَين في الخِصام. الأَوَّل ذَمّ بِفَرط القُدرَة عَلى الخِصام والتَوَسُّع فيه ﴿أَلَدُّ﴾، والثاني ذَمّ بِالعَجز عَن البَيان داخل الخِصام ﴿غَيۡرُ مُبِينٖ﴾. فالمَصدَر في القُرءان لا يَأتي عَلى صيغَة مَدح أَبَدًا، بَل يَجعَل الخِصام بِوَصفه حالَةً قائمَةً مَدخَلًا لِلذَمّ من جِهَتَين: الإِفراط أَو القُصور.

عَرض في الموسوعة ↗

اكتِشافات بِنيويّة تَخصّ جَذر خصم

  • قانون اقتِران «في» بِظَرف الخِصام لا بِمَوضوعه يَنفَرِد الجَذر «خصم» في القُرءان بِقانون بِنيويّ ثابِت في طَريقَة تَعديَته بِحَرف الجَرّ «في»: حين يَجيء الفِعل في صيغَة الافتِعال أَو يَجيء المَصدَر، يَرتَبِط «في» في الغالِب بِظَرف الخِصام لا بِمَ…
  • صيغَة «خَصِيم» المُبالِغَة: خُصومَةٌ مَوقوفَةٌ على الإنسان ذَمًّا يُفرِّق القُرءان بين بابَين اسميَّين لجذر «خصم» لا يَسُدّ أَحَدُهما مَسَدّ الآخَر: «خَصۡم» اسمٌ مُجرَّد يُسَمّي الطَرَف المُتَنازِع كَكِيان، فيَرِد مُثَنّى مَحضًا ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي…
  • صيغَة الافتِعال «اختَصَمَ» تَلزَمُها الكَثرَة، والمُجَرَّد «خَصيم» لِلفَرد يُمَيِّز القُرءان في جذر «خصم» بين بابَين صَرفيَّين لا يَتَبادَلان مَواقِعَهما: باب الافتِعال «اختَصَمَ / يَختَصِم» الذي يَقتَضي تَشارُكَ طَرَفَين فَأَكثَر، وباب المُجَرَّد «خَصيم» الذي يَصِف فَردًا…

لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر خصم في القرآن

  • من لطائف الجذر أن صيغة يختصمون هي الأكثر تكرارًا بأربع وقوعات، وأن سورة ص تجمع أربع زوايا: الخصم، خصمان، تخاصم أهل النار، واختصام الملأ الأعلى. هذا يجعل السورة مركزًا لاختبار اتساع الجذر.

  • لطيفة بنيوية تُضاف إلى لطائف «خصم» — الصورة المُدغَمة الفريدة:

  • للجذر صورتان رسميّتان من صورة الخصومة المتبادلة: صورةٌ تَرِد بأربعة مواضع ﴿يَخۡتَصِمُونَ﴾ (آل عمران ٤٤، الشعراء ٩٦، النمل ٤٥، ص ٦٩)، وصورةٌ مُدغَمةٌ لا تَرِد إلّا مرّةً واحدةً في كلّ القرآن ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ (يس ٤٩). وتنفرد هذه الصورة الوحيدة بأنّها تقع في سياق البغتة، إذ تأخذهم الصيحةُ الواحدةُ وهم في عين المخاصمة: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ﴾، فاجتماع الصورة الرسميّة الفريدة مع الأخذ المفاجئ يجعل هذا الموضع منفردًا في توزيع صور الجذر داخل القرآن. تنبيه: لا يُدرَج «التضعيف = مبالغة» ولا يُذكَر تعليل نحويّ مستورد؛ الملاحظة مقصورة على صورة الرسم والتوزيع الداخليّ.

  • الخصومة في القرءان مدارها اللسان والحجّة لا السلاح والقلب؛ فالخصم مُحاجِجٌ مُجادِلٌ، والعدوّ صاحب عداوةٍ في القلب وفعلٍ في الميدان.

  • ١) مواضع (خصم) العشرة كلّها في سياق القول والدعوى والحكم، ولا موضع واحد في قتالٍ أو حرب. في البقرة ٢٠٤ يُربط الخصام صراحةً بالكلام: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ ثُمَّ ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾، فالخصومة وصفٌ لقوله.

  • ٢) الخصم مقرونٌ بالبيان والجدل: في الزخرف ٥٨ وصفهم بالجدل ﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾، وفي النحل ٤ ويس ٧٧ يُوصف الإنسان ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ﴾؛ والمبين من النطق لا من الضرب.