الفُروق الدَقيقَة بَين جذور الإرادة والمشيئة في القُرءان الكَريم
سِتَّة جذور تَلتَقي في حَقل «الإرادة والمشيئة» — يَظُنُّها القارِئ السَريع مُتَرادِفَة، لِأَنّ لُغَة المُعاصِرَة تَصُبّها كُلَّها في قالِب «الرَغبَة الباطِنَة».
وَالقُرءان يُفَرِّقها بِبِنيَة لا تَقبَل الاستِبدال، تَكشِف عَن مَسار كامِل لِلفِعل الإلَهيّ — من تَعَلُّق المَشيئة بِالوُقوع إلى الإنفاذ الفاصِل.
﴿شَيْء﴾ (519 مَوضِعًا في 449 آيَة) هُو الأَوسَع — يَحمِل المَشيئة كَتَعَلُّق الشَأن بِوُقوع المَوصوف أَو سُقوطِه (﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾، ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾)، يُغَطّي 4 مَسالك مُتَداخِلَة لكنّ المَشيئة هي مَركَزها في الحَقل.
﴿رَوْد﴾ (148 مَوضِعًا في 120 آية) تَعَلُّق القَصد بِمُرادٍ مَخصوص وَاتِّجاهه نَحوَه — جِهَة وَغايَة لا مُجَرَّد رَغبَة (﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ البقرة 185)، وَيَتَفَرَّع إلى المُراوَدَة (طَلَب مُتَكَرِّر مُلِحّ في يوسف 23) وَرُوَيدًا (إِمهال مُوَجَّه في الطارق 17).
﴿قَدْر﴾ (133 مَوضِعًا) وَجه التَقدير الإلَهيّ — تَحديد المَقادير قَبل التَكوين، يَسبِق المَشيئة في الرُتبَة (﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ القمر 49)، وَتَتَصِل بِه القُدرَة الإلَهيَّة ﴿عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ في عَشَرات المَواضع.
﴿قَضْي﴾ (63 مَوضِعًا) الإنفاذ التامّ الفاصِل بَعد تَمام الأَمر — لا رَجعَة فيه (﴿إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ آل عمران 47).
﴿عَزْم﴾ (9 مَواضع فَقَط) تَثبيت القَرار وَعَقد الإِرادَة بَعد تَرَدُّد — أُولو العَزم من الرُسُل (الأَحقاف 35)، عَزم الأُمور (لُقمان 17).
﴿هَمّ﴾ (9 مَواضع) بادِرَة قَلبيَّة قَبل انعِقاد العَزم — قَد تَكون بِخَير أَو بِسوء قَبل أَن تَنعَقِد (﴿وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦ﴾ يوسف 24).
القَولَة الجامِعَة: لا تَرادُف بَل سُلَّم تَكَوُّن — قدر يَسبِق (تَقدير قَبليّ)، ثُمَّ شيء يَتَعَلَّق بِالوُقوع (مَشيئة)، ثُمَّ همم بادِرَة في القَلب، ثُمَّ عزم تَثبيت لِلقَرار، ثُمَّ رود تَوجيه لِلقَصد نَحو مُرادٍ، ثُمَّ قضي إنفاذ فاصِل لا رَجعَة فيه.
الحَقل في فِهرَس قَولات يَضُمّ هذه السِتَّة، وَكُلّ جَذر طَبَقَة لا يَسُدّ مَكانَها غَيرها.
الجذور الدَلاليَّة في الحَقل
اضغط أيّ جَذر لِعَرض تَحليله الكامِل: الجَوهَر · المُمَيِّز · مَدى الاستِخدام · شَواهِد جَوهَريَّة · اختبار الاستِبدال.
المُتَعَيِّن المَوجود القابِل لِلإحالَة — أَعَمّ الأَسماء وُجودًا
الجَوهَر
«شيء» اسم لِكُلّ مُتَعَيِّن يَصلُح أن يُذكَر ويُحال عَلَيه ويَجري عَلَيه الحُكم. هو أَعَمّ الأَسماء المُبهَمَة وُجودًا: يَستَوعِب كُلّ مَوجود مَعلوم، ومَعَه «شيئًا» نَكِرَة تَنفي أيّ مُتَعَيِّن مَهما قَلّ. خُصوصيَّتُه أنَّه يُثبِت الشَيئيَّة (وَصف كَونِه شَيئًا) لا مُجَرَّد الإحالَة عَلَيه.
المُمَيِّز
يَفتَرِق عَن «ما» بِأنَّ «ما» إحالَة مَفتوحَة في التَركيب بِلا تَعيين بِاسم، أمّا «شيء» فيَجعَل المُحال عَلَيه مُعَيَّنًا بِوَصف الشَيئيَّة. ويَفتَرِق عَن «ذو» لِأنَّ «ذو» إضافَة وَصفيَّة (صاحِب كَذا)، و«شيء» اسم المُتَعَيِّن نَفسِه. ويَفتَرِق عَن «كلّ» لِأنَّ «كلّ» شُمول جَماعيّ، و«شيء» مُفرَد مُتَعَيِّن (وَيَجتَمِعان في «كُلّ شَيء»). ويَفتَرِق عَن «بَعض» لِأنَّ «بَعض» حِصَّة من جِنس، و«شيء» مُتَعَيِّن قائِم بِنَفسِه. ويَفتَرِق عَن «مِثل» لِأنَّ «مِثل» نِسبَة مُشابَهَة، و«شيء» مَحَلّ مُستَقِلّ. ويَفتَرِق عَن «كَم» لِأنَّ «كَم» سُؤال عَن عَدَد، و«شيء» يُثبِت المَعدود الواحِد.
مَدى الاستِخدام
519 مَوضِعًا في 449 آيَة، بِأَربَعَة مَسالك: (1) «كُلّ شَيء» العامّ المُستَوعَب تَحت صِفَة إلَهيَّة جامِعَة (قَدير/عَليم/مُحيط/شَهيد) — وهو المَسلَك الأَكبَر. (2) «شَيئًا» النَكِرَة المَنفيَّة في سياق سُقوط الإغناء والجَزاء والضَرّ والعَقل — الشَيء عِند انفِصالِه عَن الله يُساوي العَدَم. (3) شَيء الجُزء أو الحَقّ أو الأَمر (حِصَّة مُعَيَّنَة من شَأن). (4) فَرع المَشيئة المُتَّصِل (يَشاء، شاء) يَربِط المُتَعَيِّن بِإرادَة وُقوعِه. أَكثَر الكَلِمات اقتِرانًا بِالجَذر في نافِذَة كَلِمَتَين: «كلّ» (92)، «مَن» (90)، «على» (76)، «الله» (51).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾
﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾
اختبار الاستِبدال
في ﴿عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ لَو وُضِع «ما» مَكان «شَيء» لاَنفَتَحَت الإحالَة بِلا تَعيين وسَقَطَت دَلالَة استيعاب المُتَعَيِّنات بِاسم الشَيئيَّة. وفي ﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ﴾ لَو وُضِع «بَعض» مَكان «شَيء» لاَقتَضى حِصَّة من جِنس الأَمر، أمّا «شَيء» فيَنفي أيّ مُتَعَيِّن من الأَمر مَهما قَلّ. ولَو وُضِع «ذو» لاَحتاج إلى مُضاف يَصِفُه (ذو كَذا)، و«شَيء» يَستَقِلّ بِنَفسِه اسمًا لِلمُتَعَيِّن.
تَعَلُّق القَصد بِمُرادٍ مَخصوص وَاتِّجاهه نَحوَه
الجَوهَر
الجَذر رود يَدور عَلى تَعَلُّق القَصد بِمُرادٍ مَعَيَّن وَحَرَكَة ذٰلِك القَصد نَحوَ طَلَبه أَو دَفع غَيره إِلَيه أَو إِمهاله حَتّى يَبلُغ وَجهَته. تَنتَظِم 148 مَوضِعًا في 120 آيَة عَلى ثَلاثَة مَسالِك: الإِرادَة، وَالمُراوَدَة، وَرُوَيدًا.
المُمَيِّز
رود يُبرِز جِهَة المُراد وَمَطلوبه؛ شيء (مَشيئَة) يَتَّصِل بِوُقوع الأَمر أَو عَدَم وُقوعه؛ قضي إِنفاذ بَعد تَمام الأَمر؛ عزم تَثبيت قَرار؛ همم بادِرَة تَوَجُّه. فَرود مَرحَلَة تَعَلُّق القَصد بِالمُراد قَبل الإِحكام أَو بَعدَه، وَتَكرار الطَلَب حَولَه، أَو الإِمهال المَوجَّه إِلى غايَته.
مَدى الاستِخدام
ثَلاثَة مَسالِك دلاليَّة: (1) الإِرادَة الأَوسَع — قَصد إِلٰهيّ أَو بَشَريّ أَو شَيطانيّ مُتَعَلِّق بِمُراد مَخصوص (اليُسر، العُسر، ثَواب الدُنيا، ثَواب الآخِرَة، الإِضلال). (2) المُراوَدَة — مَحصورَة في سورَة يوسف وَالقَمَر 37، طَلَب مُتَكَرِّر مُلِحّ مَوجَّه إِلى مُخاطَب لِإِلانَة مَوقِفه. (3) الإِمهال المَوجَّه — رُوَيدًا في الطارِق 17، طَرَف حَدّيّ يُثبِت إِمهالًا مَضبوطًا بِغايَة لا تَركًا مُطلَقًا.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾
﴿وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾
﴿فَمَهِّلِ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَمۡهِلۡهُمۡ رُوَيۡدَۢا﴾
اختبار الاستِبدال
في البقرة 185 لا يَصِحّ إِبدال «يُريد» بـ«يَشاء» — المَشيئَة تَتَّصِل بِالوُقوع، أَمّا «يُريد بِكُم اليُسر» فَيُبرِز جِهَة المُراد المَخصوصَة (اليُسر مُقابِل العُسر). في يوسف 23 لا يَصِحّ إِبدال «راوَدَته» بـ«أَرادَته» — المُراوَدَة طَلَب مُتَكَرِّر مَوجَّه إِلى مُخاطَب، وَالإِرادَة مُجَرَّد تَعَلُّق القَصد. وَفي التَوبَة 46 تَقابُل بِنيويّ صَريح بَين «أَرادوا» وَ«كَرِه» في الآيَة الواحِدَة يَكشِف أَنَّ ضِدّ رود = كره.
التَقدير: إحكامُ الشيء عَلى حَدّ ومِقدار قَبل التَكوين
الجَوهَر
قدر هو ضَبط المِقدار الذي عَليه يَجري الشيء وُجودًا وفِعلًا ورِزقًا وزَمَنًا، مَع القُدرَة عَلى إنفاذ ذلك الحَدّ. والتَقدير الإلَهيّ يُحكِم حَدّ المَخلوق بَعد إيجاده، فيَجعَل لِكُلّ شَيء قَدرًا.
المُمَيِّز
قدر يُمَيِّز عَن (شيء) المَشيئة: المَشيئة جِهَة اختيار، والقَدر جِهَة حَدّ وإنفاذ، ويَقتَرِنان مُتَمايِزَين ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُ﴾. ويُمَيِّز عَن (قضي) القَضاء: القَدَر تَحديد المَقادير قَبل التَكوين، والقَضاء إمضاء الأَمر بَعد التَقدير. ويُمَيِّز عَن (خلق): الخَلق إيجاد، والتَقدير إحكام حَدّ المَخلوق المَعطوف عَلى الخَلق ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾.
مَدى الاستِخدام
يَستَخدِم القُرءان الجَذر في خَمسَة مَسالِك: القُدرَة الإلَهيَّة المُطلَقَة (قَدير/قادِر/مُقتَدِر)، والتَقدير وإحكام الخَلق (قَدَّرَ/تَقديرًا)، والقَدْر والمِقدار الزَمَنيّ والكَمّيّ (بِقَدَرٖ/مِقدارُهُ)، وتَضييق الرِزق (يَقدِر/قُدِرَ عَلَيه)، والعَجز البَشَريّ (لا يَقدِرون). وتَنضَمّ لَيلَة القَدر إلى مَسلَك التَقدير لاتِّصالها بِظُهور القَدر.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾
﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾
﴿وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال قدر بِـشاء في ﴿فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ لِأَنَّ المَشيئة اختيار لا إحكام حَدّ. ولا يَصِحّ استِبدالها بِـقضي في ﴿بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ﴾ لِأَنَّ القَضاء إمضاء بَعد التَقدير لا تَحديد المِقدار. ولا بِـخلق في ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ﴾ لِأَنَّ العَطف بِالفاء يَفصِل بَين الإيجاد وإحكام الحَدّ.
الإنفاذ التامّ: إِبرام الأَمر وإِخراجه إلى الوقوع الفاصِل
الجَوهَر
قضي يدور في القرآن على إخراج الأَمر من التَعليق إلى تَمام فاصِل نافِذ. ليس مُجَرَّد قَرار، بَل القَرار أَو الفِعل بَعد أَن يَتِمّ ويَمضي. القاسِم المُحكَم تَمام النَفاذ: تَمام الخَلق والأَمر، تَمام الحُكم، تَمام المَناسِك، تَمام الأَجَل، وتَمام الوَطَر.
المُمَيِّز
قضي يُبرِز خُروج الأَمر إلى تَمامه ووُقوعه بِلا رَجعَة، بَينما شيء وَرود يَقَعان في طَور الإرادَة قَبل النَفاذ، وقدر يُبرِز التَحديد والتَقدير قَبل تَمامه، وعزم يُبرِز إِبرام النَيَّة الباطِنَة، وهمم يُبرِز الإرادَة الناشِئَة. قضي وَحده يَختِم المَسار: ما قُضِيَ لا يَبقى مَفتوحًا ولا مُنتَظَرًا.
مَدى الاستِخدام
يَمتَدّ في 63 مَوضِعًا داخِل 59 آيَة عَلى خَمسة مَسالِك: قَضاء الأَمر الكَونيّ ﴿إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا﴾، والقَضاء الشَرعيّ ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ﴾، والقَضاء الحُكميّ الفاصِل بَين الناس ﴿قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ﴾، وقَضاء الأَجَل والمَوت ﴿قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ﴾، وقَضاء الوَطَر والمَناسِك ﴿قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗا﴾.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾
﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ استِبدال قدر أَو شيء أَو رود أَو عزم بِـقضي في ﴿إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾: قَدَّرَ يُفيد التَحديد قَبل النَفاذ، وشاء/أَراد يُفيدان تَوَجُّه المَشيئَة، وعَزَمَ يُفيد إِبرام النَيَّة. أَمّا قَضَىٰٓ فَيَدُلّ عَلى الإِنفاذ التامّ الذي يَتلوه ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ مُباشَرَةً. كَذلِك في ﴿قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ﴾ لا يُغني عَنه حَكَمَ وَحده، لِأَنّ قُضِيَ يَجمَع الفَصل وتَمام الإِنفاذ مَعًا.
تَثبيت القَرار وَعَقد الإِرادَة حَتى يَمضي الأَمر
الجَوهَر
عزم يَدُلّ عَلى حَسم ثابِت يُمسِك القَرار أَو الأَمر حَتى يَتَهَيَّأ لِلنَفاذ أَو الاحتِمال. يَأتي في العُقود، والتَوَكُّل بَعد المُشاوَرَة، والصَبر عَلى شَدائِد الأُمور.
المُمَيِّز
عزم يَفتَرِق عَن شيء (المَشيئة الإلهيَّة المُطلَقَة)، وَعَن رود (إرادَة قَد تَبقى مَيلًا)، وَعَن قدر (التَقدير المُسبَق)، وَعَن قضي (إمضاء الحُكم)، وَعَن همم (الهَمّ قَبل الفِعل). العَزم إحكام بَعد تَرَدُّد: عَقد القَلب بَعد المُشاوَرَة، إبرام الطَلاق بَعد التَرَبُّص، وَصَبر أُولي العَزم من الرُسُل.
مَدى الاستِخدام
9 مَواضِع في 9 آيات: عَقد الطَلاق (البقرة 227)، عُقدَة النِكاح (البقرة 235)، العَزم بَعد المُشاوَرَة وَالتَوَكُّل (آل عمران 159)، عَزم الأُمور في الصَبر وَالتَقوى وَالغُفران (آل عمران 186، لقمان 17، الشورى 43)، نَفي العَزم عَن آدَم (طه 115)، أُولو العَزم من الرُسُل (الأحقاف 35)، وَعَزم الأَمر (محمد 21).
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾
﴿وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا﴾
﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ إبدال «عَزَمتَ» بِـ«أَرَدتَ» في آل عمران 159، لِأَنَّ الإرادَة قَد تَبقى مَيلًا قَبل الحَسم، وَالعَزم هُنا هو الإبرام بَعد المُشاوَرَة الَّذي يَستَوجِب التَوَكُّل. وَلا يَصِحّ إبدال «عَزَمُوا الطَلاقَ» بِـ«شاءوا الطَلاقَ» في البقرة 227، لِأَنَّ المَشيئة قَد تَكون عابِرَة، أَمّا العَزم فَهُوَ القَرار المُبرَم الَّذي يَترَتَّب عَلَيه الحُكم.
همم: بادِرَة اندِفاع النَفس قَبل تَثبيت الفِعل
الجَوهَر
همم استيلاء أمر على النفس يدفعها إلى قصد أو انشغال قبل تمام الفعل. هو ابتداء اندفاع داخلي قد يُصرف أو لا ينال غايته. يجمع همّ الفعل وهمّ الخوف وهمّ المحاولة التي لم تَتِمّ.
المُمَيِّز
همم بادِرَة قَلبيَّة سابِقَة لِتَثبيت العَزم؛ يَفترِق عَن عزم بِأَنَّ العَزم تَثبيت القَرار، وعَن رود بِأَنَّ الإرادَة أَوسَع في الاختيار والحُكم، وعَن قضي/قدر بِأَنَّ الهَمّ بَشَريّ غَير مُنعَقِد بَعد. يوسف 24 ﴿وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا﴾ مَثَل بِنيَويّ: هَمّان قَبل أَيّ فِعل، أَحَدُهُما يُصرَف بِالبُرهان. قَد يَكون الهَمّ بِخَير أَو بِسوء قَبل الانعِقاد.
مَدى الاستِخدام
يَرِد في سياقات: همّ الفَشَل (آل عمران 122)، أَهَمَّتهُم أَنفُسُهُم (آل عمران 154)، همّ الإضلال (النساء 113)، همّ الأَذى (المائدة 11)، همّ الإخراج وما لم يَنالوا (التوبة 13، 74)، همّ يوسف وامرَأَة العَزيز (يوسف 24)، همّ الأُمَم بِرَسولِهِم (غافر 5). 9 وقوعًا في 8 آية.
شَواهِد جَوهَريَّة
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾
﴿وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ﴾
﴿إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾
اختبار الاستِبدال
لا يَصِحّ إبدال همم بِـعزم لِأَنَّ العَزم تَثبيت بَعد التَرَدُّد، والهَمّ سابِق عَلَيه. ولا بِـرود لِأَنَّ الإرادَة أَوسَع وتَشمَل القَرار المُستَقِرّ، أَمّا الهَمّ فَمَشحون بِحَرَكَة نَفسيَّة نَحو شَأن مُحَدَّد قَد يُصرَف. ولا بِـقضي/قدر لِأَنَّ هذَين مُتَّصِلان بِالفِعل الإلهيّ المُنعَقِد.
اقتِرانات بِنيَويَّة مَكشوفَة — حَيث تَجتَمِع الجذور
﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾
الآيَة الأَكثَر تَركيزًا بِنيَويًّا في الحَقل: ثَلاثَة جذور في تَدَرُّج مُحكَم. ﴿شَيۡـًٔا﴾ مَفعول مُطلَق لِلمِلك (هَل يَملِك أَحَدٌ شَيئًا من الله؟)، ﴿أَرَادَ﴾ تَعَلُّق القَصد الإلَهيّ بِمُرادٍ مَخصوص (إِهلاك المَسيح)، ﴿يَشَآءُ﴾ المَشيئة الإلَهيَّة المُطلَقَة في الخَلق، ﴿قَدِيرٞ﴾ كَمال القُدرَة الذي يَمنَح المَشيئة وَالإرادَة قُوَّتَهُما. التَرتيب البِنيَويّ: شيء يَدُلّ على المَوضوع (الشَأن المُحتَمَل)، رود يَدُلّ على القَصد المُتَوَجِّه إلَيه، شاء يَدُلّ على المَشيئة المُطلَقَة، قدر يَدُلّ على القُدرَة المُنَفِّذَة. لو قُرِئَت ﴿إِن قَضَىٰ أَن يُهۡلِكَ﴾ لَفَقَدَت الجُملَة مَعنى التَعَلُّق الافتِراضيّ بِالقَصد (﴿إِنۡ أَرَادَ﴾ يَفتَح بابَ التَقدير، ﴿إِن قَضَىٰ﴾ يَختِم بابَ الإنفاذ — وَالمَطلوب هُنا الأَوَّل لا الثاني). الكاشِف: شيء وَقدر يُحيطان بِالآيَة في طَرَفَيها (مَطلَع + خاتِمَة)، وَبَينَهُما رود وَشاء — البِنيَة دائريَّة تَكشِف أَنّ القُدرَة هي ظَرف المَشيئة وَالإرادَة مَعًا.
﴿قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾
المَوضِع المَفصَليّ لِفَكّ التَرادُف بَين شيء (المَشيئة) وَقضي (الإنفاذ). الجَذران يَجتَمِعان في جُملَة واحِدَة بِبِنيَة سَبَبيَّة صَريحَة: ﴿يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ ↔ ﴿إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا﴾. التَوزيع البِنيَويّ يَكشِف الفَرق الجَوهَريّ: شاء يَتَعَلَّق بِالمَوضوع (مَا يَشَآءُ = أَيّ شَأن مُحتَمَل في عِلم الله)، قضى يَتَعَلَّق بِالإنفاذ الفاصِل (إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا = حَين يَحسِم البَتّ في أَمرٍ بِعَينه). المَشيئة سابِقَة (تَختار)، القَضاء لاحِق (يُنَفِّذ). لو قُرِئَت ﴿يَخلُقُ مَا يَقضي﴾ لَلزِمَ أَنّ القَضاء يَسبِق الخَلق وَيَفتَح بابَ المَوضوع (وَهذا غَير المُراد لِأَنّ القَضاء يَختِم لا يَفتَح). وَلَو قُرِئَت ﴿إِذَا شَآءَ أَمۡرٗا﴾ لَنَقَلَ المَشيئة من تَعَلُّق عامّ بِالمَوضوع إلى إنفاذ مَخصوص (وَهُو شَأن قضي). البِنيَة الفَريدَة: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ تَختِم الآيَة بَعد قضي لا بَعد شاء — لِأَنّ التَكوين فِعل إنفاذيّ يَتلو القَضاء الفاصِل. الكاشِف: 4 من 8 مَواضع لِـ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ تَتلو قضي، وَالباقي تَتلو رود (يس 82، النحل 40) أَو شاء (هذه الآيَة) — تَوزيع بِنيَويّ مَدروس.
﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ﴾
آيَة فَريدَة تَكشِف العَلاقَة الرُتَبيَّة بَين قدر وَقضي بِنَصّ مُحكَم: ﴿فَقَضَىٰهُنَّ﴾ في المَطلَع، ﴿تَقۡدِيرُ﴾ في الخاتِمَة. التَوزيع البِنيَويّ يَكشِف قانونًا قُرءانيًّا: القَضاء فِعل يُنَفَّذ في زَمَن (في يَوْمَيْن)، وَالتَقدير هُو الإِحكام الكُلِّيّ الذي يُحيط بِذلك الفِعل وَيَعطيه قيمَتَه. التَرتيب البِنيَويّ: قضى يَتَوَسَّط (تَنفيذ الخَلق)، تَقدير يَختِم (تَأطير الإِحكام). لو قُرِئَت ﴿فَقَدَّرَهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ﴾ لَلَزِمَ أَنّ الفِعل ما زالَ في طَور التَحديد لا التَنفيذ، وَلَفَقَدَت الآيَة لَحظَة الإنفاذ الفاصِل. وَلَو قُرِئَت ﴿ذَلِكَ قَضَاءُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ﴾ لَكان تَكرارًا لِما سَبَق (قَضَى ثُمَّ قَضَى)، وَلَفَقَدَت الآيَة وَجه الإِحكام الكُلِّيّ الذي يُمَيِّز التَقدير. الكاشِف: المَقادير تَسبِق وَالقَضاء يُنَفِّذ وَالتَقدير يَختِم بِالإِحكام — ثَلاث طَبَقات لِفِعل إلَهيّ واحِد. آيات أُخرى تُؤَيِّد التَوزيع: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ (القمر 49، التَقدير قَبل الخَلق)، ﴿وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورٗا﴾ (الأَحزاب 38، التَقدير المُحكَم لِلأَمر).
﴿إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾
آيَة مِفتاحيَّة تَكشِف الفَرق الدَقيق بَين شيء (المَوضوع المُحتَمَل) وَرود (تَعَلُّق القَصد بِه). البِنيَة البَديعَة: ﴿لِشَيۡءٍ﴾ (مَوضوع نَكِرَة في دائرَة المُمكِنات) ثُمَّ ﴿إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ﴾ (تَوجيه القَصد الإلَهيّ إلى ذلك المَوضوع بِعَينه) ثُمَّ ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ (التَكوين الإنفاذيّ). التَوزيع البِنيَويّ يَكشِف قانون التَكوين الإلَهيّ: شيء يُحَدِّد المَوضوع المُجَرَّد (أَيّ شَيء)، رود يُحَدِّد جِهَة القَصد (هذا الشَيء بِعَينه)، الأَمر التَكوينيّ يَنزِل بَعد التَحديد لا قَبلَه. لو قُرِئَت ﴿إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَا شِئۡنَٰهُ﴾ لَفَقَدَت الآيَة وَجه التَوجيه المَخصوص (شيء تَكرار لِشَيء، رود يَنقُل الفِعل إلى تَعيين القَصد). وَلَو قُرِئَت ﴿إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِأَمۡرٖ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ﴾ لَنَقَلَ الفِعل من المَوضوع المُجَرَّد إلى الأَمر الفاصِل (وَهُو شَأن قضي لا رود). الكاشِف: آيَة شَقيقَة في يس 82 ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ — نَفس التَركيب لكنّ التَرتيب مَقلوب (شيء مَفعول بِه لِرود، لا مَجرور مَعَه). كِلتا الآيتَين تَستَخدِم رود لا شاء لِأَنّ المَطلوب هُنا تَعَلُّق القَصد بِمَوضوع مَخصوص لا المَشيئة العامَّة.
﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ﴾
آيَة قُطبيَّة تَجمَع شيء وَقدر في صياغَة كُلِّيَّة لا تَقبَل الاستِبدال. التَوزيع البِنيَويّ: ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ﴾ (نَكِرَة في سِياق النَفي تَستَغرِق كُلّ شَيء)، ﴿إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ﴾ (تَقدير سابِق مَحدود). الكاشِف الجَوهَريّ: شيء يَدُلّ على المَوضوع المَوجود في خَزائن الله، قدر يَدُلّ على المِقدار المُحَدَّد لِنُزولِه — العَلاقَة بَينَهُما ضَرورَة (لا شَيء يَنزِل بِلا قَدَر، وَلا قَدَر إِلّا لِشَيء). لو قُرِئَت ﴿إِلَّا بِقَضَآءٖ مَّعۡلُومٖ﴾ لَنَقَلَ المَعنى من التَحديد الكَمّيّ (قدر = مِقدار) إلى الإنفاذ الفاصِل (قضي = حَسم)، وَلَفَقَدَت الآيَة وَجه التَناسُب بَين الخَزائن وَالنُزول. وَلَو قُرِئَت ﴿وَإِن مِّن أَمۡرٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ﴾ لَنَقَلَت المَوضوع من الأَشياء (مادّيَّة وَمَعنَويَّة) إلى الأَوامِر (إنشائيَّة)، وَهذا تَضييق. الكاشِف: آيَتان أُخرَيان تَدعَمان التَوزيع: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ (الفُرقان 2، شيء + قدر بِنَفس التَلازُم: خَلق ثُمَّ تَقدير)، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ (القمر 49، شيء + قدر في صياغَة كُلِّيَّة شَبيهَة).
﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾
آيَة طَويلَة بِبِنيَة مَدروسَة تَكشِف الفَرق الدَقيق بَين همم (بادِرَة قَلبيَّة قَبل الانعِقاد) وَشيء (المَوضوع المُحتَمَل). التَوزيع البِنيَويّ: ﴿أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ﴾ (بادِرَة شَغل النَفس بِالنَفس قَبل أَيّ قَرار)، ثُمَّ تَتَكَرَّر ﴿مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖ﴾ مَرَّتَين (نَفي امتِلاكِهم لِأَيّ شَأن في الأَمر). الكاشِف الجَوهَريّ: همم يُصَوِّر الحالَة الباطِنَة (انشِغال النَفس بِذاتِها قَبل أَيّ تَثبيت لِقَرار)، شيء يُصَوِّر المَوضوع الخارِجيّ المَفقود (لا شَيء يَملِكونه من الأَمر). لو قُرِئَت ﴿أَرَادَتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ﴾ لَنَقَلَت الفِعل من البادِرَة القَلبيَّة إلى القَصد المُتَوَجِّه إلى مُراد (وَهذا تَجاوُز لِالطَور الذي صَوَّرَته الآيَة). وَلَو قُرِئَت ﴿عَزَمَتۡ أَنفُسُهُمۡ﴾ لَنَقَلَت الفِعل من البادِرَة إلى تَثبيت القَرار (وَهُو طَور لاحِق لا يُناسِب وَصف الحَيرَة). الكاشِف الفَريد: همم يَأتي هُنا في الانشِغال الباطِنيّ بِالنَفس، وَفي يوسف 24 ﴿وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا﴾ يَأتي في البادِرَة المُتَوَجِّهَة إلى مُراد قَبل الانعِقاد، وَفي المائدة 11 ﴿إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ﴾ يَأتي في بادِرَة العُدوان قَبل تَنفيذِه. ثَلاث طَبَقات لِهَمّ لا يَسُدّها رود وَلا عزم.