مُقابِلان سياقيًّا · قَولات
التقابُل بين جذر ءثر وجذر حوج في القرءان
خلاصة مباشرة
حوج لا يقابله في القرءان ضد واحد كالغنى؛ لأن الحاجة في مواضعه الثلاثة ليست فقرًا ماديًا دائمًا، بل مطلب داخلي أو غرض في النفس أو الصدر. ومع ذلك تظهر في الحشر مقابلة سياقية دقيقة: نفي وجود حاجة في الصدور مما أوتي غيرهم، ثم ذكر الإيثار على النفس مع وجود خصاصة. فالمقابل ليس انعدام الحاجة مطلقًا، بل غلبة معنى الإيثار على دواعي المطالبة الداخلية. ولذلك لا يصح جعل غنى ضدًا مباشرًا للجذر، فآية يوسف تنفي الإغناء عن قدر الله مع قضاء حاجة في النفس، لا تقيم قطبية غنى وحاجة. العلاقة الأقوى هي بين الحاجة الكامنة في الصدر وبين فعل تقديم الآخر عليها عند الضغط.
الشاهد المركزيّ
﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ﴾
مدلول الآية
الآية تبني نموذجين متتاليين للفلاح: الأول جماعة استقرت في الدار والإيمان قبل غيرها، فأخلت صدورها من الحاجة مما أوتي غيرهم، وقدّمت الآخرين على أنفسها حتى في حال الضيق. الثاني شرط فردي مطلق: من وُقي شح نفسه فهو من المفلحين. الربط بين النموذجين ليس وصفيًّا بل بنيويّ: التبوؤ في الدار والإيمان ليس مجرد سكن ووصول بل استقرار تامّ أهّلهم للمحبة الفاعلة. والمحبة ليست مشاعر بل عمل يتحقق بنفي الحاجة من الصدور. والإيثار مع… التحليل الكامل ←
التقابُل كما يرسمه القرءان
حوج لا يقابله في القرءان ضد واحد كالغنى؛ لأن الحاجة في مواضعه الثلاثة ليست فقرًا ماديًا دائمًا، بل مطلب داخلي أو غرض في النفس أو الصدر. ومع ذلك تظهر في الحشر مقابلة سياقية دقيقة: نفي وجود حاجة في الصدور مما أوتي غيرهم، ثم ذكر الإيثار على النفس مع وجود خصاصة. فالمقابل ليس انعدام الحاجة مطلقًا، بل غلبة معنى الإيثار على دواعي المطالبة الداخلية. ولذلك لا يصح جعل غنى ضدًا مباشرًا للجذر، فآية يوسف تنفي الإغناء عن قدر الله مع قضاء حاجة في النفس، لا تقيم قطبية غنى وحاجة. العلاقة الأقوى هي بين الحاجة الكامنة في الصدر وبين فعل تقديم الآخر عليها عند الضغط.
ءثر لا يملك ضدًا خارجيًا ثابتًا في المادة الداخلية؛ فالآثار قد تكون مسارات من سبق، وقد يكون الإيثار تقديمًا مختارًا. لكن الجذر نفسه يحمل تقابلًا داخليًا بين إيثار محمود يقدم غير النفس مع الحاجة، وإيثار مذموم يقدم الحياة الدنيا. لذلك لا يصح طلب ضد واحد مثل الترك أو المحو؛ لأن القرءان يجعل مادة الأثر دائرة بين بقاء العلامة واتباع المسار وتقديم المختار. أقوى بيان هو أن الإيثار يزكو حين يغلب شح النفس، وينقلب إلى خلل حين يتجه إلى الدنيا في سياق الطغيان. الجذور المجاورة مثل قفو ونجل تصف اتباع الآثار لا مقابلة لها.
مفهوم كلّ جذر على حدة
جذر ءثر
21 موضعًا في القرءان · الحقل: الاتباع والسبق | التفاضل والمقارنة
ءثر يدلّ على ما يتقدّم غيرَه أو يبقى وراء صاحبه: علامةً ومسارًا ومنقولًا. فمنه الأثر المتبَع، وآثار الأعمال، وما يُنقَل عن سابقٍ فيُتداوَل ﴿سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ﴾ (سورة المُدثر ٢٤) و﴿أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ﴾ (سورة الأحقَاف ٤)، والإيثار الذي يقدّم مختارًا على غيره. ءثر له واحد وعشرون وقوعًا. منه آثار السابقين والرسل: ﴿وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾، وتتبع الأثر: ﴿قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا﴾، وآثار الأعمال… ءثر يدلّ على ما يتقدّم غيرَه أو يبقى وراء صاحبه: علامةً ومسارًا ومنقولًا. فمنه الأثر المتبَع، وآثار الأعمال، وما يُنقَل عن سابقٍ فيُتداوَل ﴿سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ﴾ (سورة المُدثر ٢٤) و﴿أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ﴾ (سورة الأحقَاف ٤)، والإيثار الذي يقدّم مختارًا على غيره. ءثر له واحد وعشرون وقوعًا. منه آثار السابقين والرسل: ﴿وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾، وتتبع الأثر: ﴿قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا﴾، وآثار الأعمال: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ﴾، وأثر الرسول في طه: ﴿قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي﴾. ومنه الإيثار والتقديم: ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ﴾، و﴿قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ﴾، و﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾، و﴿بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا﴾. ويَرِد الجذر في وجهٍ ثالث: ما يُنقَل عن سابقٍ فيبقى مُتداوَلًا. ففي ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ﴾ (سورة المُدثر ٢٤) جاء الفعل مبنيًّا لغير فاعله وصفًا لما يُتناقَل، لا اختيارًا ولا تفضيلًا. وفي ﴿أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ﴾ (سورة الأحقَاف ٤) طُلِبَت بقيّةُ عِلمٍ منقولةٌ في مقابل ﴿ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ﴾ (سورة الأحقَاف ٤). ويجاورهما اتّباعُ آثار الأوّلين ﴿وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ﴾ (سورة الزُّخرُف ٢٣). النواة المحكمة: ما يتقدّم غيرَه أو يبقى بعده، فيدلّ على صاحبه أو يُتَّبع أو يُنقَل عنه أو يُقدَّم على غيره؛ فالآثار بقايا ومسالك ومنقولات، والإيثار تقديم اختيار.
التحليل الكامل لجذر ءثر ←جذر حوج
3 موضعًا في القرءان · الحقل: الفقر والحاجة | الرغبة والإقبال والإدبار
حوج يدلّ على المطلوب الغائب الذي يَسكن الوجدان ويَطلب القضاء والبلوغ — وهو افتقارٌ داخليّ إلى شيء بعينه أو إتمام أمرٍ بعينه. وفي مواضعه الثلاثة كلِّها يَنسب النصّ موضعَ الحاجة إلى الباطن: ﴿حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَا﴾ (سورة يُوسُف ٦٨)، و﴿حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ﴾ (سورة غَافِر ٨٠)، و﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ (سورة الحَشر ٩). وهي في سورة غَافِر ٨٠ غايةٌ تُبلَغ بحَمل الناس أنفسهم ﴿وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ﴾، لا مَتاعًا يُحمَل إليها. تجمع المواضع الثلاثة الحاجة مع باطن الإنسان: فهي في نفس يعقوب في سورة يُوسُف ٦٨، وفي صدور المخاطبين في سورة غَافِر ٨٠، وفي صدور جماعةٍ وُصفت بالإيثار في سورة الحَشر ٩. في يُوسُف ترد الحاجة مقضيّةً في نفس يعقوب. وفي غَافِر ترد غايةً… حوج يدلّ على المطلوب الغائب الذي يَسكن الوجدان ويَطلب القضاء والبلوغ — وهو افتقارٌ داخليّ إلى شيء بعينه أو إتمام أمرٍ بعينه. وفي مواضعه الثلاثة كلِّها يَنسب النصّ موضعَ الحاجة إلى الباطن: ﴿حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَا﴾ (سورة يُوسُف ٦٨)، و﴿حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ﴾ (سورة غَافِر ٨٠)، و﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ (سورة الحَشر ٩). وهي في سورة غَافِر ٨٠ غايةٌ تُبلَغ بحَمل الناس أنفسهم ﴿وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ﴾، لا مَتاعًا يُحمَل إليها. تجمع المواضع الثلاثة الحاجة مع باطن الإنسان: فهي في نفس يعقوب في سورة يُوسُف ٦٨، وفي صدور المخاطبين في سورة غَافِر ٨٠، وفي صدور جماعةٍ وُصفت بالإيثار في سورة الحَشر ٩. في يُوسُف ترد الحاجة مقضيّةً في نفس يعقوب. وفي غَافِر ترد غايةً لبلوغها في الصدور. وفي الحَشر يُنفى وجدان حاجةٍ مخصوصةٍ بما أُوتي غيرهم. فالقاسم بين المواضع طلبٌ مخصوصٌ متصلٌ بالنفس أو الصدر، لا وصفٌ عامٌّ لحالةٍ ظاهرة.
التحليل الكامل لجذر حوج ←التحليل التقابُليّ العميق
جامِع التقابُل وحَدّاه
العلاقة بين ءثر وحوج مقابلة سياقية لا تضاد مطلق. حوج يثبت مطلبًا داخليًا يسكن النفس أو الصدر، فقد يكون غرضًا يقضى، أو مقصدًا يبلغ، أو رغبة فيما صار إلى غير صاحبه. وءثر، في وجه الإيثار، يثبت فعل تقديم المختار على النفس عند التزاحم. لذلك يلتقيان عند موضع الضغط: في الصدر داعي طلب، وفي الفعل قدرة على تقديم غير النفس. آية الحشر لا تنفي الخصاصة الخارجية، بل تنفي الحاجة الصدرية مما أوتي غيرهم، ثم تثبت الإيثار مع الخصاصة: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ﴾ (سورة الحَشر ٩). فالجامع الحقيقي هو تزاحم الداخل والاختيار: حاجة هي ميل الصدر إلى مطلوب بعينه، وإيثار هو تقديم غير النفس مع إمكان داعي النفس.
حَدّ جذر ءثر في مواجهة حوج
حد ءثر في مواجهة حوج أنه لا يصف مجرد افتقار داخلي ولا مطلبًا ينتظر القضاء، بل يصف أثر التقديم والاختيار عند المزاحمة. في الحشر جاء الفعل ﴿وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ (سورة الحَشر ٩) بعد نفي الحاجة في الصدور، فالإيثار هنا ليس شعورًا ساكنًا، بل حركة تقديم غير النفس على النفس. ومن جهة الجذر عامة، ءثر يجمع البقاء الدال والتقديم المختار؛ ولذلك لا يقف عند موضع الداخل كما يقف حوج، بل يظهر في المسار المتبع والآثار المكتوبة، وفي الاختيار الذي يجعل شيئًا مقدمًا على شيء.
حَدّ جذر حوج في مواجهة ءثر
حد حوج في مواجهة ءثر أنه يثبت المطلوب الداخلي قبل الفعل الخارجي. الحاجة في الشواهد لا تساوي الخصاصة، لأن آية الحشر تثبت الخصاصة مع نفي الحاجة الصدرية، ولا تساوي أثرًا باقيًا أو إيثارًا مقدمًا، لأنها مطلب يسكن الداخل ويراد بلوغه أو قضاؤه. في غافر تظهر الحاجة مقصدًا يبلغه صاحبها: ﴿وَلِتَبۡلُغُواْ عَلَيۡهَا حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ﴾ (سورة غَافِر ٨٠). فحوج يحد موضع الميل والغرض في النفس أو الصدر، أما ءثر فيحد ما يبقى من أثر أو ما يقدم اختيارًا عند التزاحم.
قراءة مواضع التلاقي
جمع القرءان الجذرين في الحشر لأن الآية ترسم اكتمال التجرد من جهتين متلازمتين: الداخل والفعل. تبدأ بنفي وجدان الحاجة في الصدور مما أوتي المهاجرون، ثم تصعد إلى الإيثار على النفس مع وجود الخصاصة. العبارة ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ (سورة الحَشر ٩) تجعل التلاقي بنية وصف فريق: لا مطلب داخلي ينازعهم، ولا توقف عند مصلحة النفس. ويزيد آخر المقطع المعنى ضغطًا بقوله ﴿وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ﴾ (سورة الحَشر ٩)، فغياب الحاجة ليس بسبب غياب الضيق. وبالمقارنة مع غافر، الحاجة قد تكون مقصدًا مشروعًا يبلغ: ﴿وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبۡلُغُواْ عَلَيۡهَا حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ﴾ (سورة غَافِر ٨٠)، أما آثار الأمم هناك فهي قوة باقية لم تغن عن أصحابها: ﴿كَانُوٓاْ أَكۡثَرَ مِنۡهُمۡ وَأَشَدَّ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ (سورة غَافِر ٨٢). فالتلاقي الأشد في الحشر مخصوص بعبور مطلب الصدر إلى تقديم الآخر.
موقع هذا التقابُل في حقله الدلاليّ
هذا التقابل يختلف عن مفردات الفقر والحاجة في الشواهد؛ لأنه لا يقابل حوج بالغنى ولا بالامتلاء، بل بفعل إيثار يتغلب على داعي المطالبة الداخلية. ويختلف عن مجال الاتباع والسبق في ءثر؛ لأن المقصود هنا ليس أثر السابقين ولا تتبع المسار، بل وجه الإيثار: تقديم غير النفس. لذلك فالعلاقة واقعة داخل حقلين متجاورين: الفقر والحاجة من جهة، والتفاضل والمقارنة من جهة، لكنها تضبط نقطة واحدة هي تقديم الآخر حيث يمكن للنفس أن تطلب.
امتحان الاستبدال
في آية الحشر لا يستبدل الإيثار بالحاجة؛ فالنص ينفي الحاجة في الصدور مما أوتوا، ثم يثبت الإيثار على الأنفس مع الخصاصة، فالأول مطلب داخلي والثاني تقديم غير النفس. وفي غافر، ﴿وَلِتَبۡلُغُواْ عَلَيۡهَا حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ﴾ (سورة غَافِر ٨٠) يصف مقصدًا يبلغ، فلا يؤدي معنى الإيثار.
الخلاصة الميسَّرة
حوج هو ما يتحرك في الصدر من طلب لشيء بعينه. وءثر هنا هو أن يقدم الإنسان غيره على نفسه. لذلك اجتمعا في الحشر لبيان قوم لا يطلبون ما في يد غيرهم، بل يقدمون غيرهم ولو كانوا في ضيق.
لطائف هذا التقابُل
- موضع الصدور يجعل الحاجة شأنًا داخليًا قبل أن تكون نقصًا خارجيًا.
- الإيثار في الآية لا يلغي وجود الخصاصة، بل يبين سلطان المعنى على داعي الحاجة.
أسئلة شائعة
ما العلاقة بين جذر ءثر وجذر حوج في القرءان؟
العلاقة بينهما: مُقابِل سياقيّ (في الآية نفسها). حوج لا يقابله في القرءان ضد واحد كالغنى؛ لأن الحاجة في مواضعه الثلاثة ليست فقرًا ماديًا دائمًا، بل مطلب داخلي أو غرض في النفس أو الصدر. ومع ذلك تظهر في الحشر مقابلة سياقية دقيقة: نفي وجود حاجة في الصدور مما أوتي غيرهم، ثم ذكر الإيثار على النفس مع وجود خصاصة. فالمقابل ليس انعدام الحاجة مطلقًا، بل غلبة معنى الإيثار على دواعي المطالبة الداخلية. ولذلك لا يصح جعل غنى ضدًا مباشرًا للجذر، فآية يوسف تنفي الإغناء عن قدر الله مع قضاء حاجة في النفس، لا تقيم… العلاقة بينهما: مُقابِل سياقيّ (في الآية نفسها). حوج لا يقابله في القرءان ضد واحد كالغنى؛ لأن الحاجة في مواضعه الثلاثة ليست فقرًا ماديًا دائمًا، بل مطلب داخلي أو غرض في النفس أو الصدر. ومع ذلك تظهر في الحشر مقابلة سياقية دقيقة: نفي وجود حاجة في الصدور مما أوتي غيرهم، ثم ذكر الإيثار على النفس مع وجود خصاصة. فالمقابل ليس انعدام الحاجة مطلقًا، بل غلبة معنى الإيثار على دواعي المطالبة الداخلية. ولذلك لا يصح جعل غنى ضدًا مباشرًا للجذر، فآية يوسف تنفي الإغناء عن قدر الله مع قضاء حاجة في النفس، لا تقيم قطبية غنى وحاجة. العلاقة الأقوى هي بين الحاجة الكامنة في الصدر وبين فعل تقديم الآخر عليها عند الضغط.
كم مرة يلتقي جذر ءثر وجذر حوج في آية واحدة؟
يلتقيان في 1 آية يجتمع فيها الجذران معًا. من ذلك قوله تعالى في الحَشر آية 9.
ما مفهوم جذر ءثر في القرءان؟
ءثر يدلّ على ما يتقدّم غيرَه أو يبقى وراء صاحبه: علامةً ومسارًا ومنقولًا. فمنه الأثر المتبَع، وآثار الأعمال، وما يُنقَل عن سابقٍ فيُتداوَل ﴿سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ﴾ (سورة المُدثر ٢٤) و﴿أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ﴾ (سورة الأحقَاف ٤)، والإيثار الذي يقدّم مختارًا على غيره.
ما مفهوم جذر حوج في القرءان؟
حوج يدلّ على المطلوب الغائب الذي يَسكن الوجدان ويَطلب القضاء والبلوغ — وهو افتقارٌ داخليّ إلى شيء بعينه أو إتمام أمرٍ بعينه. وفي مواضعه الثلاثة كلِّها يَنسب النصّ موضعَ الحاجة إلى الباطن: ﴿حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَا﴾ (سورة يُوسُف ٦٨)، و﴿حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ﴾ (سورة غَافِر ٨٠)، و﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ (سورة الحَشر ٩). وهي في سورة غَافِر ٨٠ غايةٌ تُبلَغ بحَمل الناس أنفسهم ﴿وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ﴾، لا مَتاعًا يُحمَل إليها.
ما خلاصة الفرق بين ءثر وحوج؟
حوج هو ما يتحرك في الصدر من طلب لشيء بعينه. وءثر هنا هو أن يقدم الإنسان غيره على نفسه. لذلك اجتمعا في الحشر لبيان قوم لا يطلبون ما في يد غيرهم، بل يقدمون غيرهم ولو كانوا في ضيق.