مَدخَل الجَذر · موسوعة قَولات
جَذر نفر في القُرءان الكَريم — 18 موضعًا
جواب مباشر
دلالة جذر نفر في القرءان
دلالة جذر «نفر» في القرءان: نفر في القرءان: حركة اندفاع تفصل صاحبها عن موضع أو دعوة، خروجًا إليها أو نفورًا عنها. ← التعريف الكامل
ورد الجذر 18 موضعًا، في 13 صيغة في القُرءان الكريم. وينتمي إلى حقل «الذهاب والمضي والانطلاق». هذه الصفحة هي المدخل المباشر لتحليل جذر نفر من شواهد القرءان وحده.
الصِيَغ المُسجَّلة ·13
عَرض كُلّ الصِيَغ (13)
التَعريف المُحكَم لجَذر نفر في القُرءان الكَريم
نفر في القرءان: حركة اندفاع تفصل صاحبها عن موضع أو دعوة، خروجًا إليها أو نفورًا عنها. ويتفرّع عنه «نَفَر» و«نَفير» اسمين للجماعة التي بها العزّة أو الكثرة، من غير أن يُذكر لها خروج.
الخُلاصَة الجَوهَريّة
المعنى المحكم: انبعاث إلى مفارقة موضع، إقبالًا مأمورًا أو إدبارًا مذمومًا.
المَفهوم القُرءانيّ لجَذر نفر
يدور الجذر على اندفاع بالخروج أو الانصراف عن موضع أو جهة. قد يكون خروجًا مأمورًا به في سبيل الله أو للتفقه والإنذار، وقد يكون نفورًا مذمومًا عند ذكر القرءان والرحمن والأمر بالسجود، ويجيء في موضع الملك مقرونًا بالعتوّ بلا تعيين متعلَّقه. ويأتي «نَفَر» و«نَفير» للجماعة التي يُعتزّ بها أو يُكاثَر بعددها، بلا اشتراط خروج ولا حركة.
الآية المَركَزيّة لِجَذر نفر
الآية المركزية: سورة النِّسَاء ٧١ — ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾؛ لأنها تعرض أصل الانبعاث إلى الخروج المنظم.
المُشتَقات والصِيَغ القُرءانيّة
| الصيغة | العدد | الوجه الدلاليّ |
|---|---|---|
| ﴿ٱنفِرُواْ﴾ | 3 | أمرٌ بالنَّفْر |
| ﴿تَنفِرُواْ﴾ | 2 | تعلّق النَّفْر بالمخاطبين |
| ﴿نَفَرٗا﴾ | 2 | جماعةٌ من الناس |
| ﴿نُفُورٗا﴾ | 2 | إعراضٌ وابتعاد |
| ﴿فَٱنفِرُواْ﴾ | 1 | أمرٌ بالنَّفْر مع التعقيب |
| ﴿لِيَنفِرُواْ﴾ | 1 | نَفْرٌ موجَّه لغاية |
| ﴿مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾ | 1 | شديدة النَّفْر |
| ﴿نَفَرَ﴾ | 1 | وقوع النَّفْر |
| ﴿نَفَرٞ﴾ | 1 | جماعةٌ من الناس |
| ﴿نَفِيرًا﴾ | 1 | قوّةٌ جماعيّة |
| ﴿نُفُورًا﴾ | 1 | إعراضٌ وابتعاد |
| ﴿نُفُورٗا۩﴾ | 1 | إعراضٌ وابتعاد |
| ﴿وَنُفُورٍ﴾ | 1 | إعراضٌ وابتعاد |
تتوزّع الصيغ بين النَّفْر بوصفه حركةً وأمرًا موجَّهًا إلى جماعة، وبين النَّفَر والنَّفير بوصفهما دالَّين على الجماعة وقوّتها. ويقابل ذلك حضور النُّفور في سياق الإعراض والابتعاد، فيما تُبرز صيغة المستنفرة شدّة هذا الاتجاه.
التَجميع الصَرفيّ الآليّ لِصيَغ جَذر نفر بِالأَوزان
صيغ الجَذر «نفر» بِرَسمها التَوقيفيّ، مُجَمَّعَة آليًّا بِحَسَب الوَزن الصَرفيّ والوَظيفَة (ماضٍ، مُضارِع، أَمر، مَجهول × الأَوزان 1-10، الأَسماء، المَصادر، الجموع). العَدَد أَعلى كُلّ بِطاقَة تَقريبيّ لِأَنَّ التَجميع آليّ؛ والجَرد الكامِل في شَريط «الصِيَغ المُسجَّلة» أَعلى الصَفحَة.
المَواضع القُرءانيّة لِجَذر نفر
إجمالي المواضع: 18 موضعًا في 16 آية، منها 2 آية تحوي أكثر من موضع.
- سورة النِّسَاء ٧١ — فَٱنفِرُواْ، ٱنفِرُواْ
- سورة التوبَة ٣٨ — ٱنفِرُواْ
- سورة التوبَة ٣٩ — تَنفِرُواْ
- سورة التوبَة ٤١ — ٱنفِرُواْ
- سورة التوبَة ٨١ — تَنفِرُواْ
- سورة التوبَة ١٢٢ — لِيَنفِرُواْ، نَفَرَ
- سورة الإسرَاء ٦ — نَفِيرًا
- سورة الإسرَاء ٤١ — نُفُورٗا
- سورة الإسرَاء ٤٦ — نُفُورٗا
- سورة الكَهف ٣٤ — نَفَرٗا
- سورة الفُرقَان ٦٠ — نُفُورٗا۩
- سورة فَاطِر ٤٢ — نُفُورًا
- سورة الأحقَاف ٢٩ — نَفَرٗا
- سورة المُلك ٢١ — وَنُفُورٍ
- سورة الجِن ١ — نَفَرٞ
- سورة المُدثر ٥٠ — مُّسۡتَنفِرَةٞ
أعلى تركّز سوري: التوبَة (5 آية من 16).
- الصِيَغ: 13 صيغة فَريدة.
- أَكثَر الصِيَغ تَكرارًا: ٱنفِرُواْ.
- أَبرَز الصِيَغ: ٱنفِرُواْ (3) تَنفِرُواْ (2) نُفُورٗا (2) نَفَرٗا (2) فَٱنفِرُواْ (1) لِيَنفِرُواْ (1) نَفَرَ (1) نَفِيرًا (1)
القاسِم المُشتَرَك بَين صيغ الجَذر
القاسم المشترك في الفعل هو المفارقة بدافع: المؤمنون ينفرون للجهاد أو للتفقه، والكافرون يزدادون نفورًا عند ذكر القرءان والرحمن، والحمر المستنفرة مندفع بها فزعًا. أمّا «النَّفَر» و«النَّفير» فاسمان للجماعة يُقاس بها العزّ أو الكثرة، ولا يُذكر لها في الكهف والإسراء خروج.
مُقارَنَة جَذر نفر بِجذور شَبيهَة
يفترق نفر عن خرج بأن الخروج أعم وقد يقع بلا اندفاع، أما النفر ففيه حافز واستنفار أو انصراف. ويفترق عن فرر بأن الفرار هرب من خطر، أما النفر قد يكون خروجًا مأمورًا أو طلبًا للتفقه أو نفورًا عن الحق.
اختِبار الاستِبدال
في ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ لا يكفي اخرجوا؛ لأن الآية تطلب انبعاثًا يتجاوز التثاقل. وفي ﴿وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ لا يكفي بعدًا؛ لأن النفور انصراف مدفوع بنفوسهم عن الذكر.
الفُروق الدَقيقَة
مواضع التوبة تضع النفر في الخروج للقتال والتفقه، ومواضع الإسراء والفرقان وفاطر تضع النفور في الإعراض عن الحق، ومواضع الجن والأحقاف تضع النفر جماعة تسمع وتبلغ. فلا يصح حصر الجذر في البغض وحده.
الحَقل الدَلاليّ وَعَلاقَة الجَذر بِه
هذا الجَذر يَنتَظِم في الحَقل الدَلاليّ: الذهاب والمضي والانطلاق · الرغبة والإقبال والإدبار · الأمم والشعوب والجماعات.
يرتبط بحقل البغض والكره والمقت من جهة النفور عن الحق، لكنه أوسع لأنه يشمل الاستنفار والخروج والجماعة الخارجة. زاويته الخاصة هي اندفاع المفارقة.
مَنهَج تَحليل جَذر نفر
حُصرت مواضع الجذر، وثُبت أن سورة النِّسَاء ٧١ وسورة التوبَة ١٢٢ تحملان وقوعين لكل منهما. بُني التعريف ليستوعب النفر المأمور والنفور المذموم واسم الجماعة.
الجَذر الضِدّ (انظر تَحليل جَذر قعد)
نفر في القرءان حركة اندفاع بالخروج أو انصراف بالنفور، وله تقابل سياقي واضح مع «قعد» في سورة التوبَة ٨١: ﴿فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ﴾. فالقعود هنا ترك للخروج، والنفير دعوة إلى الحركة، ولذلك هو أقرب علاقة ضدية داخل الشواهد. ومع ذلك لا تختزل كل مواضع نفر في هذا الضد؛ ففي سورة التوبَة ١٢٢ يكون النفر للتفقه والإنذار، وفي الإسراء يكون النفور إدبارًا عن القرءان، وفي الأحقاف يكون النفر جماعة تسمع ثم ترجع منذرة. لذلك يكون «قعد» مقابلًا في فرع الخروج، و«فقه» علاقة مكمّلة في فرع النفر للتعلم والإنذار.
- القعود هنا ليس مجرد جلوس، بل ترك الخروج المأمور به في السياق.
- النهي «لا تنفروا» يكشف أن النفر حركة يقابلها المقعد.
أَضداد ثانَويَّة 1
- الآية تفرّق بين النفر الكافة ونفر الطائفة، فتجعل الحركة موزونة بالغاية.
- الفقه والإنذار يوجهان النفر ولا يعكسانه.
نَتيجَة تَحليل جَذر نفر
نفر: 18 وقوعًا خامًا في 16 آية، ومعناه اندفاع إلى مفارقة موضع أو جهة، خروجًا أو نفورًا أو جماعة خارجة.
شَواهد قُرءانيّة من جَذر نفر
سورة النِّسَاء ٧١: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾. سورة التوبَة ٣٨: ﴿مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾. سورة التوبَة ١٢٢: ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ﴾. سورة الإسرَاء ٤١: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾. سورة الأحقَاف ٢٩: ﴿نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾. سورة المُدثر ٥٠: ﴿كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾.
الملاحَظات اللَطيفَة عَن جَذر نفر
من لطائف الجذر أن التوبة تجمع 6 وقوعات، وكلها حول النفر للجهاد أو التفقه، فهي مركز النفر المأمور. وفي المقابل تأتي صيغ النفور عن القرءان أو الرحمن أو الرزق في الإسراء والفرقان وفاطر والملك. ويتكرر معنى الجماعة في الأحقاف والجن والكَهف، فيظهر أن «نفر» ليس مجرد شعور بل حركة جماعية أو نفسية إلى المفارقة.
يَرِد الجذر «نفر» في ست عشرة آية، فينقسم استعمالُه القرءانيّ على ثلاثة أقطاب متمايزة:
١) النُّفور — ارتدادُ القلب نِفارًا عن الذكر بعد التصريف والتذكير. وأبلغ موضع يجمع التصريفَ والتذكيرَ والنُّفور قولُه ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤١)، فالنتيجة عكسُ المقصود: التصريفُ غايتُه التذكُّر، فيُثمر عند المُعرِض نُفورًا.
٢) صيغة «زادهم نُفورًا» قاعدة مطّردة تربط النُّفور بمثيرٍ سابق: ﴿وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤٦)، و﴿وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا﴾ عند الأمر بالسجود (سورة الفُرقَان ٦٠)، و﴿مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا﴾ عند مجيء النذير (سورة فَاطِر ٤٢). والنُّفور يقترن بالعتوّ: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ﴾ (سورة المُلك ٢١).
٣) النَّفير — الحركة المقصودة لا الفِرار. يأتي أمرًا بالخروج: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)، و﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ (سورة التوبَة ٤١). ويُصرَف من القتال إلى التفقُّه في قوله ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ﴾ (سورة التوبَة ١٢٢).
٤) النَّفَر — الجماعة، ويرد في ثلاثة مواضع، اثنان منها في استماع الجنّ: ﴿صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ (سورة الأحقَاف ٢٩)، و﴿ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ﴾ (سورة الجِن ١)، والثالث جماعةُ الرجل في سورة الكَهف ٣٤. ولطيفةٌ في التقابل: ذكرُ الإنس يصرفهم نُفورًا، ونَفَرُ الجنّ صُرِف فأنصت واستمع.
٥) المُستنفِرة — التمثيل: ﴿كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾ (سورة المُدثر ٥٠)، صورة الفِرار من التذكِرة، فيلتقي طرفا المعنى.
جذر «نفر» في القرءان يحمل حركتين متقابلتين تنبثقان من أصل واحد هو مفارقة المكان والاندفاع:
١) النَّفْر إقبالًا واندفاعًا نحو الغاية: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)، و﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ (سورة التوبَة ٤١)، و﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ﴾ (سورة التوبَة ١٢٢). فالنَّفْر هنا خروج جماعيّ متحرّك نحو فعلٍ مقصود.
٢) النُّفور تَولِّيًا وانكماشًا عن الشيء: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤١)، و﴿وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤٦)، و﴿وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا﴾ (سورة الفُرقَان ٦٠)، و﴿مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا﴾ (سورة فَاطِر ٤٢)، و﴿لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ﴾ (سورة المُلك ٢١)، و﴿حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾ (سورة المُدثر ٥٠).
٣) لطيفة الاقتران: لفظ «نَفَر» بمعنى الجماعة يرد ثلاثة مواضع، اثنان منها مقترنان باستماع القرءان: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ﴾ (سورة الجِن ١)، و﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ (سورة الأحقَاف ٢٩). والثالث جماعةُ الرجل في سورة الكَهف ٣٤. فنَفَرُ الجنّ في الموضعين أقبل إلى السماع والإنذار، في مقابل النُّفور المُدبر عن الذكر.
٤) المفارقة البنيوية: حركة «النَّفَر» في الجِنّ تنتهي بالإقبال والإنذار (﴿وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ﴾)، بينما حركة «النُّفور» تنتهي بالتولِّي (﴿وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ﴾). فالجذر نفسه يجمع الإقبال على القرءان والإدبار عنه.
جذر «نفر» في القرءان ينقسم إلى قطبين بنيويّين متقابلين، تجمعهما حركةٌ مفاجئة: حركةٌ إلى الأمام (النفير/الخروج)، وحركةٌ ارتدادٍ عن الشيء (النفور).
١. قطب النفير = الخروج المُجتمَع للفعل: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)، ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ﴾ (سورة التوبَة ٣٨)، ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ (سورة التوبَة ٤١). فالنفير أمرٌ يَستدعي مغادرةَ موضعٍ إلى موضع.
٢. قطب النفور = الارتداد والإعراض: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤١)، ﴿وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا﴾ (سورة الفُرقَان ٦٠)، ﴿فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ﴾ (سورة المُلك ٢١)، وذروته ﴿حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾ (سورة المُدثر ٥٠) صورةَ الفِرار المذعور.
٣. آية التوبَة ٱثنتانِ وعشرونَ تجمع القطبين في بناءٍ واحد متقابل: تنفي النفير الكافّ ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ﴾، ثُمّ تُثبت النفير الجزئيّ ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ﴾. فالنفير هنا حركةُ خروجٍ لطلب الفقه، لا للقتال وحده.
٤. صيغة الاسم «نَفَر» تدلّ على الجماعة المعدودة الخارجة معًا: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرٗا﴾ (سورة الكَهف ٣٤)، ﴿نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ (سورة الأحقَاف ٢٩)، ﴿ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ﴾ (سورة الجِن ١). و«النفير» القوّةُ المُهيَّأة للخروج ﴿أَكۡثَرَ نَفِيرًا﴾ (سورة الإسرَاء ٦).
٥. اللطيفة الجامعة: النفير حركةٌ نحو الغاية (الجهاد أو الفقه)، والنفور حركةٌ عنها (الإعراض)؛ فالجذر يحمل المفارقة بين إقبال الخارج لطلبٍ وإدبار النافر هربًا.
يدور جذر «نفر» في القرءان على أصلٍ جامعٍ هو الاندفاع والمفارقة، فمنه الجماعة المنفصلة المتميّزة، ومنه الخروج المندفع، ومنه التباعد النافر:
١. النَّفَر اسمٌ لجماعةٍ صغيرة متميّزة منفصلة عن غيرها. جاء في ﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ﴾ (سورة الجِن ١)، وفي ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ (سورة الأحقَاف ٢٩). فاللفظ في الموضعين قُرن بالجنّ وبفعل الاستماع، فهو الجماعة المنحازة المُقبِلة على السماع.
٢. تظهر دلالة العزّة بالعدد في ﴿وَأَعَزُّ نَفَرٗا﴾ (سورة الكَهف ٣٤)، حيث افتخر صاحب الجنّتين بجماعته، فالنَّفَر هنا حاشية الرجل وعصبته.
٣. ومن الجذر فعلُ الخروج المندفع للقتال: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)، و﴿ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (سورة التوبَة ٣٨)، و﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ (سورة التوبَة ٤١). وفي ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ﴾ (سورة التوبَة ١٢٢) امتدّ النفر من الخروج للقتال إلى الخروج لطلب الفقه. ومنه ﴿أَكۡثَرَ نَفِيرًا﴾ (سورة الإسرَاء ٦) للجماعة الخارجة.
٤. ومن الجذر النُّفور بمعنى التباعد والاشمئزاز عن الحقّ: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤١، ٤٦)، و﴿وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩﴾ (سورة الفُرقَان ٦٠)، و﴿إِلَّا نُفُورٗا﴾ (سورة فَاطِر ٤٢)، و﴿لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ﴾ (سورة المُلك ٢١). وغايته صورة الفِرار في ﴿كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾ (سورة المُدثر ٥٠).
فاجتمع في الجذر طرفان: إقبالُ النَّفَر المستمع، وإدبارُ النُّفور المُعرِض.
دعوى التمايز بين «طائفة وفريق وفرقة ونفر» — أربعة ألفاظ للجماعة لا يتطابق مدلولها، والقرءان نفسه يفصل بينها بمواضعها وسياقاتها:
١. آيةٌ واحدة تجمع ثلاثتها في بناءٍ متدرّج، فتُفصِح عن الفرق: ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ﴾ (سورة التوبَة ١٢٢). فالنفر فعلُ خروجٍ وانبعاثٍ، والفرقة هي الكتلة الكبرى التي يُؤخَذ منها، والطائفة هي القطعة المنبثقة عنها؛ فترتيب «من كلّ فرقة... طائفة» يجعل الفرقة هي الأصل الجامع والطائفة جزءًا مقتطعًا منها.
٢. «نَفَر» في غير التحرّك يدلّ على العصبة القليلة المعدودة الملازمة للشخص: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرٗا﴾ (سورة الكَهف ٣٤)، ﴿أَكۡثَرَ نَفِيرًا﴾ (سورة الإسرَاء ٦)، ﴿ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ﴾ (سورة الجِن ١)، ﴿صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ﴾ (سورة الأحقَاف ٢٩) — فهو فئةٌ صغيرة محصورة العدد. ومن أصله الحركيّ: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)، ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ (سورة التوبَة ٤١).
٣. «طائفة» قطعةٌ من كلٍّ أكبر، تتقابل مع طائفةٍ أخرى: ﴿يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ﴾ (سورة آل عِمران ١٥٤)، ﴿إِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ﴾ (سورة الحُجُرَات ٩) — انقسامٌ بالموقف داخل الجسم الواحد.
٤. «فريق» جماعةٌ تتمايز بالحال والصنيع لا بالعدد: ﴿نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ﴾ (سورة البَقَرَة ١٠٠). وتجتمع طائفة وفريق في موضعٍ واحد متمايزَين: «قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ... وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ» (سورة الأحزَاب ١٣) — فلو تطابقا لما جُمعا في نسقٍ واحد.
فالدعوى ثابتة: نفرٌ معدودٌ متحرّك، وطائفةٌ قطعةٌ مقتطعة، وفرقةٌ كتلةٌ أصلية، وفريقٌ صنفٌ متمايزٌ بالموقف.
يدور جذر «نفر» في القرءان الكريم في ثمانية عشر وقوعًا داخل ست عشرة آية حول معنًى جامع واحد: الانبعاث والاندفاع مفارقةً للموضع، ثمّ يتفرّع هذا المعنى إلى ثلاثة مسالك بنيويّة متمايزة:
١. مسلك الخروج الجماعيّ للجهاد (صيغة الأمر «انفروا»/«تنفروا»): يتركّز في سورة واحدة بكثافة لافتة، إذ ترد فيها خمسة مواضع متتالية تكاد تكون نواة الموضوع كلّه: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ﴾ (سورة التوبَة ٤١)، ويقابلها التثاقل والقعود في ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ﴾ (سورة التوبَة ٣٨).
٢. مسلك الجماعة من الناس أو الجنّ (الاسم «نَفَر»/«نفير»): يدلّ على العصبة القليلة المنبعثة، كما في ﴿أَعَزُّ نَفَرٗا﴾ (سورة الكَهف ٣٤)، و﴿أَكۡثَرَ نَفِيرًا﴾ (سورة الإسرَاء ٦)، ولافتةٌ مطابقةُ الاستماع للقرءان في موضعَي الجنّ: ﴿صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ (سورة الأحقَاف ٢٩)، و﴿ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ﴾ (سورة الجِن ١).
٣. مسلك «النفور» (الإدبار والاشمئزاز): وغالبه ردّةٌ على ذكر الله أو القرءان، بصيغة «زادهم/يزيدهم نفورًا» في ثلاثة مواضع: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤١)، ﴿وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤٦)، ﴿وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا﴾ (سورة الفُرقَان ٦٠)، ﴿مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا﴾ (سورة فَاطِر ٤٢)، ﴿فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ﴾ (سورة المُلك ٢١). ويخرج عن هذه الصيغة موضعا التولّي والعطف على العتوّ من مواضعه الخمسة.
٤. لطيفة بنيويّة جامعة: المسلكان الأوّل والثالث طرفا حركة واحدة؛ الأوّل اندفاعٌ نحو الحقّ بالطاعة، والثالث اندفاعٌ عنه بالإدبار. ويبلغ التماسك ذروته في ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ﴾ (سورة التوبَة ١٢٢)، حيث يجمع الموضعُ النفرَ الفعلَ (نَفَر) والنفرَ الجماعةَ (طائفة) في سياق واحد.
لَطائف إحصائيَّة — مَسالك جَذر نفر في القرءان
قطب النفور = الارتداد والإعراض: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤١)، ﴿وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا﴾ (سورة الفُرقَان ٦٠)، ﴿فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٖ﴾ (سورة المُلك ٢١)، وذروته ﴿حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾ (سورة المُدثر ٥٠) صورةَ الفِرار المذعور.
آية التوبَة ٱثنتانِ وعشرونَ تجمع القطبين في بناءٍ واحد متقابل: تنفي النفير الكافّ ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗ﴾، ثُمّ تُثبت النفير الجزئيّ ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ﴾. فالنفير هنا حركةُ خروجٍ لطلب الفقه، لا للقتال وحده.
ومن الجذر النُّفور بمعنى التباعد والاشمئزاز عن الحقّ: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤١، ٤٦)، و﴿زَادَهُمۡ نُفُورٗا﴾ (سورة الفُرقَان ٦٠)، و﴿إِلَّا نُفُورٗا﴾ (سورة فَاطِر ٤٢)، و﴿لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ﴾ (سورة المُلك ٢١). وغايته صورة الفِرار في ﴿كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾ (سورة المُدثر ٥٠).
«نَفَر» في غير التحرّك يدلّ على العصبة القليلة المعدودة الملازمة للشخص: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرٗا﴾ (سورة الكَهف ٣٤)، ﴿أَكۡثَرَ نَفِيرٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٦)، ﴿ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ﴾ (سورة الجِن ١)، ﴿صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ﴾ (سورة الأحقَاف ٢٩) — فهو فئةٌ صغيرة محصورة العدد. ومن أصله الحركيّ: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)، ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ (سورة التوبَة ٤١).
«فريق» جماعةٌ تتمايز بالحال والصنيع لا بالعدد: ﴿نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُم﴾ (سورة البَقَرَة ١٠٠). وتجتمع طائفة وفريق في موضعٍ واحد متمايزَين: ﴿قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ... وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ (سورة الأحزَاب ١٣) — فلو تطابقا لما جُمعا في نسقٍ واحد.
أَبواب الفِعل لِجَذر نفر
الجامع الدلاليّ في الجذر «نفر» حركةُ خروجٍ تَدفعها داعيةٌ من داخل النَّفس: إمّا اندفاعٌ إلى وَجهةٍ مَطلوبة، أو ارتدادٌ نافِرٌ من المَدعوّ إليه. وزّع القُرءان هذه الحركةَ على أبواب لا يَسُدّ أحدُها مَسَدّ الآخَر: المُجرَّد (نَفَرَ) يَصِف الخروجَ الجَماعيَّ الإراديَّ إلى ميدانٍ يُدعى إليه المؤمن، ومنه الاسم (نَفَر/نَفير) لِما يَجتمع لِهذا الخروج. والمصدر على بِناء (نُفُور) يَنقلب الاتّجاهُ فيه إلى ارتدادٍ نافِرٍ من الذِّكر والنَّذير والسُّجود لِلرَّحمَن. وصيغة الاستِنفار (مُستَنفِرَة) تُصوِّر النَّفرة بوصفها فِرارًا مَذعورًا من قَسوَرة. ومدارُ الفَرق: ما وِجهةُ الحركة؟ إلى الدَّعوة أم منها؟ وهل هي اجتماعٌ مأمورٌ به أم فِرارٌ مَذموم؟
- ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ﴾ (سورة التوبَة ٣٩)
- ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ﴾ (سورة التوبَة ١٢٢)
- ﴿وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا﴾ (سورة الإسرَاء ٦)
- ﴿أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا﴾ (سورة الكَهف ٣٤)
- ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ (سورة الأحقَاف ٢٩)
- ﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا﴾ (سورة الجِن ١)
- ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤١)
- ﴿وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩﴾ (سورة الفُرقَان ٦٠)
- ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا﴾ (سورة فَاطِر ٤٢)
- ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ﴾ (سورة المُلك ٢١)
- ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ (سورة التوبَة ٣٨)
- ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ﴾ (سورة التوبَة ٣٩)
- ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ (سورة التوبَة ٤١)
- ﴿كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾ (سورة المُدثر ٥٠)
- ﴿فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَةِۭ﴾ (سورة المُدثر ٥١)
لَطائف بِنيويّة
- اللَّطيفة المَركَزيّة — سورة الإسرَاء ٤١ وسورة فَاطِر ٤٢ يَتطابقان في خاتمة الجُملة بِلَفظ النُّفُور: في الإسرَاء ﴿وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾، وفي فَاطِر ﴿مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا﴾. الداعيةُ في الأولى ﴿صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ﴾، وفي الثانية ﴿لَئِن جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ﴾. هذا التَكرار البِنيويّ يَكشف قانونًا: النُّفُور لا يُذكَر في القُرءان إلّا مَنسوبًا لِما كان يُرجى منه الهُدى فأنتج ضِدَّه.
- تَوزيع الفاعل قانون بِنيويّ: المُجرَّد (نَفَرَ) فاعلُه دائمًا جَماعةٌ مَدعوّة إلى الخَير (مؤمنون في سورة التوبَة ١٢٢، نَفَرٌ من الجِنّ في سورة الأحقَاف ٢٩ وسورة الجِن ١). والمَصدَر (نُفُور) فاعلُه دائمًا مُكَذِّبٌ مُعرِض. ولا يَجتمع المُجرَّدُ والمَصدَرُ على فاعِلٍ واحِدٍ في القُرءان كُلِّه — هذا قانونُ تَوزيعٍ صارِم.
- تَقابُل سورة التوبَة ١٢٢ مع سورة المُدثر ٥٠-٥١ مَوضِعُ تَفريقٍ صَريح بين البابَين الأوّل والثالث: في التَوبَة ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ﴾ — خُروجٌ مَحبوبٌ نحو العِلم. وفي المُدَّثِّر ﴿كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾ ثُمّ ﴿فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَةِۭ﴾ — استِنفارٌ مَذعورٌ بَعيدًا من النَّذير. الجذر واحِد، والوِجهة مُتعاكِسة.
- سورة التوبَة ٣٨-٤١ تَجمَع ثلاث صِيَغ من الجذر في أربعِ آيات: ٱنفِرُواْ (٣٨) ثُمّ تَنفِرُواْ (٣٩) ثُمّ ٱنفِرُواْ (٤١). هذا التَكثيف الفَريد لا يَتكرّر في سُورَةٍ أُخرى. والمَلحَظ البِنيويّ: ٱنفِرُواْ الأولى نَقلٌ لِما قيل لهم، وتَنفِرُواْ الثانية شَرطٌ بِالنَّفي، وٱنفِرُواْ الثالثة أَمرٌ مُباشَرٌ. ثَلاثُ طَبَقاتٍ من الخِطاب على لَفظٍ واحِد.
- سورة الكَهف ٣٤ وسورة الإسرَاء ٦ يَتقابلان في استِخدام الاسم (نَفَرٗا/نَفِيرًا) ميزانًا لِلكَثرة والعِزّة الدُّنيَويّتَين: ﴿أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا﴾ (سورة الكَهف ٣٤) و﴿وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا﴾ (سورة الإسرَاء ٦). كِلاهما يَقرِن النَّفَر بِالمال، فَيَكشف أنّ «النَّفَر» في القُرءان عَدَدُ الرِّجال الذين يَخرجون مع الرَّجُل، فيكون مَعدودًا في عِزَّته الدُّنيَويّة.
- السَّجدة الوَحيدة في الجذر مَوضِعُها سورة الفُرقَان ٦٠ ﴿وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩﴾: في الموضع الذي رَفَضوا فيه السُّجودَ لِلرَّحمَن، يَسجُد التالي للقُرءان. مُقابَلةٌ بِنيويّة فَريدة: نُفُورُهم عن السُّجود يُقابَل بِسُجودِ القارئ في عَين الآية.
- سورة الجِن ١ وسورة الأحقَاف ٢٩ يَتطابقان في وصف الجَماعة المُستَمعة للقُرءان بِـ﴿نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ﴾ — وكلاهما يَستَخدِم الاسمَ من الباب المُجرَّد. فالنَّفَر هنا جَماعةٌ خَرَجَت قاصِدةً الاستِماع، فاستحقَّت هذا الاسمَ الإيجابيّ. ولم يُسَمِّ القُرءانُ مُكَذِّبًا قَطُّ بِـ«نَفَر»، فالاسم مَحجوزٌ لِجَماعةِ الخُروج المَأمور أو المَحمود.
اكتِشافات بِنيويّة تَخصّ جَذر نفر
- النُّفور لا يَرِد إلّا أَثَرًا مُتَزايِدًا يُنتِجُه مُثيرُ الهُدى نَفسُه يَنفَرِد باب النُّفور في جذر «نفر» بِقانونٍ بِنيويّ لا يَتَخَلَّف، يُمَيِّزه عَن بابَي النَّفير (الخُروج لِلقِتال) وَالنَّفَر (الجَماعَة): لا يَرِد النُّفور حالةً ابتِدائيَّة، بل أَثَرًا مُتَزايِدًا…يَنفَرِد باب النُّفور في جذر «نفر» بِقانونٍ بِنيويّ لا يَتَخَلَّف، يُمَيِّزه عَن بابَي النَّفير (الخُروج لِلقِتال) وَالنَّفَر (الجَماعَة): لا يَرِد النُّفور حالةً ابتِدائيَّة، بل أَثَرًا مُتَزايِدًا تُنتِجُه الوَسيلةُ التي قُصِد بها الهُدى نَفسُه. فحَيث وُصِل بِفِعل الزِّيادة كان المُنتِجُ له القرءانَ أَوِ النَّذيرَ أَوِ الأَمرَ بِالسُّجود: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤١)، فالقرءان الذي صُرِّف لِلتَّذكير زادَهم نُفورًا. وكَذلك ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا﴾ (سورة فَاطِر ٤٢)، وَالأَمرُ بِالسُّجود ﴿وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا﴾ (سورة الفُرقَان ٦٠). وحَيث لَم يَقتَرِن بِالزِّيادة بَقِي مَوصولًا بِذِكر الرَّبّ حَرَكةَ تَوَلٍّ بِالأَدبار: ﴿وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا﴾ (سورة الإسرَاء ٤٦). فالنُّفور مَردودٌ كُلُّه إلى مُثيرِ الهُدى — القرءان، الذِّكر، النَّذير، الأَمر — فَيَنقَلِب المُثيرُ نَفسُه مُنتِجًا لِضِدِّه. وهذا يُخالِف النَّفير وَجهَةً مَطلوبَة ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)، وَالنَّفَر عَدَدًا لِلكَثرَة ﴿وَأَعَزُّ نَفَرٗا﴾ (سورة الكَهف ٣٤).
- فعل «انفِروا»: نَفيرٌ للقِتال ونَفيرٌ للتَفَقُّه بِأَمرٍ واحِد يَرِد الأَمر «ٱنفِرُواْ» في القرءان مُتَكَرِّرًا في سِياق واحِد ظاهِرًا هو الخُروج المُندَفِع لِلقِتال: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)، و﴿ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾…يَرِد الأَمر «ٱنفِرُواْ» في القرءان مُتَكَرِّرًا في سِياق واحِد ظاهِرًا هو الخُروج المُندَفِع لِلقِتال: ﴿فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ (سورة النِّسَاء ٧١)، و﴿ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (سورة التوبَة ٣٨)، و﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا﴾ (سورة التوبَة ٤١)؛ وثَلاثَتُها تَقتَرِن بِنَداء الإيمان وتَحريض على الخُروج الفِعليّ. غَير أَنّ آيَةً واحِدَة تَكسِر هذا الحَصر: ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ﴾ (سورة التوبَة ١٢٢) — فتُصَرِّح بِأَنّ النَفير الكامِل لِلقِتال ليس واجِبًا مُطلَقًا، بل يَنقَسِم الخُروج بَين طائفَةٍ تَنفِر لِلقِتال وطائفَةٍ تَنفِر لِطَلَب الفِقه ثُمّ الإنذار عِند الرُّجوع. فالنَفير الواحِد يَتَفَرَّع غايَةً لا لَفظًا: خُروجٌ جِسميّ إلى ساحَة القِتال، وخُروجٌ عِلميّ إلى ساحَة التَفَقُّه، وكِلاهُما يَحمِل اسم «نَفير» ذاتَه في ﴿أَكۡثَرَ نَفِيرًا﴾ (سورة الإسرَاء ٦) الذي يَصِف الجَماعَة الخارِجَة عُمومًا بِلا تَخصيص لِوِجهَة الخُروج.